ثقافات

الثقافة الكُردية بين التأريخ والتكوين

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
علي سيريني: تتسم الثقافة الكُردية بإشكاليات متعددة الجوانب، متصلة بكينونات أخرى إجتماعية وسياسية، منضوية تحت تقلبات وموجات سياسية معاصرة، بلورت معالم معينة خارج فضاء مسيرة الثقافة نفسها، على مستوى التأريخ والتكوين، أعطتها/ وأو أبرزتها على نحوٍ، إصطبغت بصبغة قد تخالف جوهرها بدرجة مفرطة من القياس. هذا إذا أخذنا في الحسبان بعض وجوه التجليّات المعاصرة للثقافة الكُردية، بمعزلٍ عن أصولها وخلفيتها التراثية الغنية. ونقصد هنا مرامي الأحزاب السياسية (الكُردية) في محاربة أصول وجوهر الثقافة الكُردية، الإسلام، ووضع كينونتين غريبتين محلّه كبديل للأرضية الثقافية الكُردية. الكينونة الأولى هي التأريخ الكُردي الغابر، أي ما قبل الإسلام. والثانية موجة الإلحاد والعَلمنة الغربية (بداية القرن العشرين) بسم القومية، كمحاولة يائسة لرفض الجوهر الكامن الثابت في الثقافة الكُردية، الوليد من حضارة عظيمة لكن غير قائمة اليوم، أو آفلة بتعبير أصح!
فالثقافة الكُردية المدونة، من دون شك، ولدت بعد بعثة الإسلام، ووصول الدعوة إلى ربوع كُردستان عبر المسلمين الأوائل الفاتحين. والأمر بالنسبة للفرس على النحو مثله. فكلتا المللتين، لا تملكان نصوصاً مكتوبة تعود إلى ما قبل الإسلام إلّا ما ندر.
أما (آفيستا) كتاب زردشت المقدس لدى أتباعه، فيشكّل إستثناءا متفرداً، على صعيد التدوين، دون تمكّن قومٍ الظفر بحيازته وإمتلاك نسبته، نظراً للإدعاءات الكثيرة والمتناقضة بين الكُرد والفرس والآذريين، ومللٍ أخرى قريبة في النسب والعرق من هذه الأقوام.
على أية حال لا يشكل (آفيستا) ذلك التراث الضخم حتى يؤخذ في الحسبان، في الحديث عن البدايات التدوينية لدى الملل المذكورة. إنه مجرد كتاب وحيد، مُختلف على هويته!
على أن كُردستان لم تُفتح إسلامياً عن طريق الغزو، إنما وصلت الدعوة بسلمٍ ويسر إلى قبائل الكُرد في تلك الأصقاع. والكُرد رغم كونهم في ذلك الوقت وبعده محاربين أقوياء، لكنهم لم يقاوموا الفاتحين المسلمين، لأنهم كانوا قد أضاعوا ملكهم لصالح الفرس منذ أمدٍ بعيد، ولم تكن لهم دولةٌ ليحافظوا عليها، أو مَلِكٍ يستأثر بملكه على هداية شعبه بدعوة الفاتحين. وعلاقة الكُرد مع الفرس في ذلك الوقت كانت علاقة غير ودية، بين حائز على الحكم وخاسرٍ له. ولكي نقرب المشهد كان الواقع أقرب إلى علاقة القبائل اليمنية مع القبائل الأخرى العربية، أو العرب مع البربر في عهد الولاه بالأندلس.
بريشة نورالدين فالكُرد كانوا قد خسروا موقعهم في السلطة (الميدية)، لصالح قبائل فارسية في جنوب دولتهم، كانت تواليهم وتدفع الضرائب لهم، سرعان ما قويت شوكتها، حتى قضت على الميديين وأسست نواة الدولة الفارسية الإخمينية، التي استمرت
آماداً طويلة بعد ذلك. (1)
وتفاعلت قبائل الكُرد مع الفاتحين سريعاً، وانضموا إلى جيوشهم فتولوا أمر فتح المدائن شرقاً باتجاه خراسان وغرباً باتجاه البحر الأسود وشمالاً نحو الثغر الأعلى أو ما سميت ببلاد الآذريين والروم (الأرمن). وساعدت معرفة الكُرد بجغرافية الجبال، الفتح الإسلامي في إنتشاره بسرعة قياسية، حيث تهاوت الدولة الفارسية بسرعة مذهلة، وأصبح الميدان خالياً أمام الدعوة الجديدة، التي كانت أول كلمتها إقرأ!
ومع القراءة، طوّرت الأقوام الداخلة في الإسلام، الكتابة والتدوين بشكل غير مسبوق.
لذلك نبغ من الكُرد والفرس والآخرين، علماء وعباقرة أفذاذ في شتى العلوم، التي اشتهر بها المسلمون الأوائل. وكما يقول الباحث الهولندي (مارتن فان بروينسن)، فإن الجغرافية لعبت دوراً مهماً في وضع الكُرد كوسطاء ثقافيين مهمين، بين العالم الهندي والفارسي والعربي والرومي، في حركة ترجمة نشيطة داخل "دولة الإسلام".
هذه هي البدايات التأسيسية الأولى للثقافة الكُردية، والفارسية والأمازيغية، ولاحقاً التركية. لكن الموجات السياسية المعاصرة، القومية العَلمانية بشقيها اليساري قديماً، وما يُسمى بالليبرالي والديموقراطي حديثاً، خابت بعد مشقة طويلة في محاولة قطع الجدول عن عينه، وبتر الحبل عن مربطه. هذه الموجة التي رافقت الإحتلال الخارجي، إبان سقوط الدولة العثمانية، ونشوء النزعة القومية العَلمانية بين الشعوب الإسلامية، وكأثرٍ للتقسيمات الجديدة التي أحدثتها إتفاقية (سايكس ــ بيكو)، حاولت التيارات الجديدة تغيير وجهة ثقافة المنطقة نحو (غربة مزدوجة، إعادة أمجاد ما قبل الإسلام من جهة، والإنبهار بالنموذج الغربي ومحاولة تقليده بخطى حثيثة من جهة أخرى) بحسب تعبير الشهيد فاضل رسول ( مفكر إسلامي كُردي من العراق، أغتيل عام 1989 بفيينا على يد المخابرات الإيرانية). (2) هذا ما حدث للترك والفرس والكُرد.
بالطبع، خرجت بين العرب تيارات تنسج على المنوال نفسه، بل وكانت سبّاقة لهذه الفوضى، إقتفاءً بأثر الطورانيين في جمعية الإتحاد والترقي، صاحبة السنّة السيئة في الشعوب المسلمة. الحزب القومي السوري، وحزب البعث والحركة الناصرية وإتجاهات أخرى، كانت من ضمن الأهواء التي تناكبت شاهقة لخلق فضاء جديد للوجود العربي: وجودٌ يَحذفُ أو يُهمّشُ أربعة عشر قرناً من حضارة عظيمة!
لكن هذه الحركة الإرتدادية في الثقافة والتراث، باءت بفشل ذريع، وتحطمت أمام الجبال الشاهقة من التراث الحضاري المشترك بين أبناء المنطقة، وشعوبها.
في كُردستان قامت أحزابٌ تدعي القومية، بمحاربة الإسلام والثقافة العربية، بحجة كونها ثقافة أجنبية إحتلالية. وحاولت دون طائل، إيجاد سندٍ تأريخي للثقافة الكُردية خارج هذا الفضاء!
ولكن بسبب الإنعدام التام بين الثقافة الكُردية الحالية، النابتة فوق أرضية إسلامية ـ كما الحال مع ثقافات الشعوب الأخرى ـ وبين روابط تعود إلى ماقبل الإسلام، ظل وجه هذا التيار القومي العنصري مسوداً وهو كظيم!
والسبب في هذا الفشل العظيم هو الحقيقة الساطعة، أن الكُرد والفرس بدءوا يدونون ثقافتهم، بعد الفتح الإسلامي وتحت التأثير المباشر لثقافته.
ولو سألتَ أي كُردي أو فارسي، أن يأتيك بشاعرٍ أو عالمٍ دوّن مدوّناً، بأيّ من اللغتين قبل الإسلام، لعجز عن إتيان مثالٍ أو إسم.
والعلّة في هذا الغباء المشين، والخسران المبين تعود إلى أهواء سطحية لدى طبقات تمظهرت بالثقافة، نحو رحلة طفولية في البحث وراء الدين القومي، الثقافة القومية والتأريخ القومي الخالص الذي لا تشوبه شائبة: من مداد الأجانب (صنع الآخرين)!
لكن هذه الدوائر (القومية، الدين، الثقافة والمجتمع) تتكون عبر تلاقح وتمازج، وتأثير وتأثر تأريخي متنوع، على أصعدة شتى في حركات المجتمع البشري.
إن تأميم كل جوانب المجتمع الحيوية على فضاء واحد، ومحاصرته بدائرة واحدة مستحيل الحدوث إلا في مجتمع بدائي، لم يترك مغاور الكهوف ولو ليوم واحد!
إن الثقافات في العالم تتلاقح، وتتمازج وتأخذ من بعضها البعض. لذلك فإن النظر إلى الدين والإجتماع والتأريخ من منظور القومية أمرٌ محبط!
وإدعاء القوميين العنصريين من الكُرد والفرس والترك، أن العربية ثقافةٌ أجنبية إحتلالية، لذلك يرفضونها، يفتقد إلى الصدق والصواب!
فهؤلاء ما برحوا ينبهرون بثقافة دول الغرب (سطحياً للأبهة)، ومحاولة فرضها على شعوبنا، رغم قلّة الإشتراك بين ثقافاتنا الشرقية وتلك الأخرى الغربية/الأجنبية. ناهيك عن إذاقة دول الغرب، دول الشرق، ألوان العذاب في تأريخ طويل من الصراع بين الشرق والغرب يمتد إلى ما قبل الإسلام، واستمر إلى يومنا الحاضر بين دفتي ثلاثة وعشرين قرناً!
أحدهم، وهو يدّعي القومية الكُردية، أمين بينجويني (مسئول مركز ثقافي كُردي)، يقول في مجلة (هافيبون) الفصلية التي تصدر في برلين: (إن العرب قضوا على حضارة الكُرد، وأحرقوا في منطقة هورامان حِمل ستين بعيراً من الكتب!)! (3)
وفي نفس العدد، يدحض قوميٌّ آخر، كمال فؤاد وهو عضو قيادة الإتحاد الوطني الكُردستاني، هذ الإدعاء والزيف بشكل ساحق. يقول فؤاد إن الهوراميين دخلوا في الإسلام قبل خمسة قرون. وبالرغم من أن (بير شاليار: رجل دين زردشتي له تعاليم دينية وأخلاقية) جاء بعد بعثة الإسلام بقرون، إلا أن الهوراميين مازالوا يتداولون المثل الشعبي: (بير شالياري أقدم من القرآن)!
والسبب بالطبع لأن إسلام الهوراميين حدث بعد تعاليم بير شاليار، بمدة طويلة. (4)
والقصد في هذا التوضيح هو كيف أحرق العرب حِمل ستين بعيراً من الكتب، وقتلوا أناس المنطقة، لكن الهوراميين لم يدخلوا الإسلام إلا قبل خمسة قرون؟!
في الواقع الجواب مختصر ومفيد في هذا المقام، أن المسلمين الأوائل لم يصلوا إلى تلك المناطق النائية، وقبائل الكُرد دخلت الإسلام من دون مقاومة، وعبر الدعوة السلمية.
لذلك فإن هارفي موريس وجون بلوج، في تأليفهما المشترك: لا أصدقاء سوى الجبال، يقولان: أن وصول الإسلام إلى مناطق الكُرد كان نعمة، لأنه أوصل الحضارة إلى داخل شعب ديدنه القبلية والتشرذم والتخلف. (5)
لا شك أن الكُرد والفرس والآخرين، كانت لديهم مساهمات حضارية زاخرة عبر قرون. لكن حضارتهم كانت مقتصرة على النظام السياسي والإداري والعسكري مع بعض الفنون، منه الفنون المعمارية. لكن التدوين الثقافي كان غائباً أو شبه معدوم، أو لعله تعرض للفوت!
هذه البداية كانت ضرورية لفهم أسس وركائز الثقافة الكُردية. أما العرب قبل الإسلام فمعلومٌ أنهم كانوا يعانون تخلفاً شديدا!
وبالنسبة للعنصر التركي، فلم يكن له وجود إلا بعد مجئ الإسلام بآماد طويلة.

الثقافة الكُردية المدونةيعتبر البعض (بابا طاهر العرياني ت1010م) أول شاعر كُردي دوّّن رباعيات شعرية كُردية باللهجة اللرية. وكان بابا طاهر عالماً ومتصوفاً كبيراً، عكست أشعاره هذه النزعة الدينية العميقة لديه. وهناك من يعتبر علي الحريري (ولد 1009م) أقدم شاعر كُردي، وهو من بلدة حرير التابعة لمحافظة أربيل. لحريري ديوان زاخر بالأشعار الجميلة.
لكن البعض الآخر يعتبر (ملّا أحمد جزيري المعروف بـ ملاي جزيري، حوالي 975م ـ ت 1055م) البداية الأولى لتدوين الثقافة الكُردية.
وملاي جزيري عالم ومتصوف ديني كُردي، من جزيرة بوتان الواقعة في شمال كُردستان. حفظ القرآن منذ صغره ودرس علوم الشريعة والحساب والفلسفة. كان يتقن اللغات العربية والفارسية والتركية. ديوانه الذي يحتوي على إحدى وعشرين قصيدة بعد المئة، يغلب عليه طابع الغزل والعرفان والفلسفة. دوّن جزيري أشعاره باللهجة الكرمانجية الشمالية، وهي التي ينطق بها جلّ الأكراد الساكنين اليوم بين تركيا وسوريا وشمال غرب إيران.
ويعدّ فقى تيران (ت 1375م) شاعراً مهماً جداً في الثقافة الكُردية. له (أشعار فقى تيران)، وديوان (شيخ سفان).
لكن أحمدي خاني (1651ـ 1706م) يعتبر أعظم شعراء الكُرد على مرّ التأريخ ويلّقب بأمير الشعراء. فخاني ألّف في غضون خمسة عشر عاماً ملحمته الشهيرة (مم و زين) في ألفين وستمائة وستة وستين بيتاً من الشعر. كما ألّف (الديوان) الذي يحتوي على قصائد متنوعة. وله أيضاً (ربيع الأطفال) في مائتين وستة عشر بيتاً، ديواناً خاصاً بالأطفال. وألّف (عقيدة الإيمان) في سبعين بيت شعري، وهو ديوان تعليمي في علم الكلام والعقيدة الإسلامية، وله الربيع الجديد وهو ديوان شعر.
ويعد ملا باتي أحمد (1417 ـ 1492م) شاعراً مهماً، في المدرسة الكرمانجية الشمالية. ولملا باتي ديوان في قصة مولد رسول الإسلام محمد (ص).
وهناك شعراء آخرون مثل إسماعيل بايزيدي ( ولد عام 1689م) وله ديوان (كَولعوزار)، فضلاً عن قاموس ألّفه في اللغات الثلاث الكُردية والعربية والفارسية.
ويعتبر شرف خان البدليسي مؤلف شرفنامه (أول كتاب في التأريخ الكُردي) عالماً وشاعراً ذائع الصيت. فكان بدليسي وزير السلطان سليم الأول (أي رئيس الوزراء حالياً)، ودوّن تأريخ أمراء الكُرد وأماراتهم بناء على طلب السلطان العثماني.
وكان هناك العلّامة علي الترموكي (ولد عام 1000م) الذي ألّف في العلوم والفنون والفلسفة. ووضع كتاباً في النحو والصرف في اللغة الكُردية. كان شاعراً ورحالة يجوب البلدان والأمصار، وكسب معرفة واسعة وعقلاً ثقافياً راشداً.
وفي القرن العشرين كانت الحركة الثقافية في المناطق الكرمانجية ضعيفة، بسبب القمع القومي والثقافي ضد الشعب الكُردي. بالرغم من ذلك خرج شعراء دوّنوا بالكرمانجية مثل جكَرخوين وقدري جان في سوريا، وعرب شمو في روسيا.
معظم هؤلاء الشعراء كانوا علماء، وأتقنوا لغات العرب والفرس والترك والهنود. ولا شك أنهم تخرجوا من مدرسة الإسلام.
لكن لأسباب موضوعية وتأريخية معينة (هذا الحقل هو هدف مستقبلي لكاتب هذه السطور لإجراء بحث واسع فيه إن أبقاه الله)، إنتقل التدوين باللهجة الكرمانجية الشمالية (معروفة بالبادينية أيضاً) إلى الكرمانجية الجنوبية، أو المعروفة باللهجة السورانية.
في الواقع لدينا عدة مقالات باللغتين الكُردية والعربية، في شرح العلاقة بين هذه اللهجات، وفروقاتها البائنة على نحو فصام بين لغتين لا لهجتين على مستوى الإستعمال.
وواقع الحال يظهر هذا الفرق، بإنقسام عضوي في سبيلين متوازيين. فأهل هذه اللهجة يصعب عليهم فهم لهجة أخرى، أو مقدرة أهل تلك على الإلمام بهذه.
وكلا الفريقين تكاسلا في بناء جسر يوصلهم ببعضهم، فكانت حالهما كجماعتين على ضفتين يفصلهما نهر، تريدان عبوره للإلتقاء. فبدل التفكير في بناء جسر أو وسيلة للإلتقاء، سارتا مع سير النهر بأمل إنتهائه في نقطة معينة!
اليوم، يقف الإعلام المرئي والمسموع والمقروء على قدم وساق بين فئات الكُرد، باللهجات المختلفة. والعلّة تعود إلى إختلاف الفهم والإستيعاب بين هذه اللهجات. لذلك فإن السؤال من حيث الواقع القائم، لا من حيث البنية الموضوعية لتلك اللهجات، يقفز إلى الواجهة: هل الفروق بين هذه اللهجات هي فروق لهجوية أم لغوية؟!
العرب عاشوا هذه الفروق قديماً، لكن لغة قريش غلبت خليلاتها، فاجتمعت العرب على لغتها الفصيحة المتداولة اليوم. ولكي نقرب المشهد، فإن الفرق بين اللهجات الكُردية اليوم، هو كالفرق بين اللهجة اللبنانية والمصرية والخليجية والمغاربية.
فلولا الإختلاط والإعلام العابر للحدود، لتعذر على هؤلاء فهم بعضهم البعض بلهجاتهم، إلا إذا جعلوا العربية الفصحى لغة للحوار. والأكراد لديهم الإمكانية والقدرة والموضوعية، لبناء الخطوات الأولى نحو حركة الوحدة في اللغة، أو المجانسة الإتصالية نحو اللغة المهيمنة.
السورانية لغة الأدب والتدوينتغيَّر كلّ شئ بمرور الزمن. فالأمارات الكُردية القوية القريبة من مركز القرار العثماني، وذات النفوذ الواسع في جزيرة بوتان، ضعفت بسبب الصراعات الداخلية بين أبنائها. ومع بزوغ القرن التاسع عشر ظهرت النزعات الكيانية، في الدولة العثمانية الآيلة نحو الضعف، فتقوت شوكة أمارات كُردية بعيدة نسبياً عن مركز السلطة العثمانية المنكمشة رويداً رويداً نحو القومية، بتأثير عوامل كثيرة منها الثقافة القومية التي ظهرت في القرن نفسه في أوروبا.
كانت الأمارة السورانية والبابانية قويتين، حتى بسطتا سلطتهما فوق رُقعٍ جغرافية خارجة عن حدودهما. ومع توسع النفوذ بدأ إنتعاش إقتصادي، وتطور عمراني وإهتمام أدبي وعلمي.
يُعتبر الشيخ مولانا خالد النقشبندي (1773 ـ 1826م) مُلهم الشعراء، وممهد الطريق نحو صرح الأدب الكُردي السوراني.
بدأ نالي (الملا أحمد خضر الميكائيلي 1800 ـ 1856م) تدوين الشعر باللهجة السورانية. يعتبر نالي أعظم شعراء منطقة سوران، وأحد أعظم شعراء الكُرد. فشعره في غاية البلاغة والعمق الفلسفي، والتصوير المنساب من الخيال إلى الواقع. وكان بحق من أشعر شعراء الكُرد الغزليين. وحسب رأي بعض النقاد (منهم عرب) إستطاع "نالي" أن يتخطّى من حيث البلاغة الشاعر العربي (أبو تمام) وخاصة في الجناس والتورية والاستعارة.
في بيت شعر له من ديوانه يقول: (قوربانت بم نه خيلي يا روتابي ـ وه ها شيرين و سينه نه رم و دل ره ق) ويعني: "فداك روحي أنخلةٌ أنتِ أم رُطبٌ ـ حلوةٌ ذات صدرٍ ناعمٍ وقلبٍ قاسي". وعاصر سالم صاحيب قران صديقه نالي، وكان شاعراً كبيراً (1805 ـ 1869م). ومن ثم كان هناك الشاعر كوردي (1812 ـ 1850م). هؤلاء الثلاثة الذين سمّوا في الأوساط الثقافية الكردية بـمثلّث بابان، قادوا حركة التدوين الشعرية باللهجة السورانية، حتى توالى بعدهم شعراء عظام، أسسوا وأغنوا حركة الشعر والثقافة باللهجة المذكورة.
فكان الحاج قادر كويي (1815 ـ 1892م) الشاعر القومي، ومحوي، الملّا محمد عثمان البلخي (شاعر الفلسفة والعرفان، ويعد من أعظم شعراء الكُرد 1820 ـ 1904م)، وكذلك بيره ميرد (1876 ـ 1950) ذي النزعة الفلسفية والمعرفية من الجيل الثاني الذي رسّخ الثقافة الكُردية باللهجة السورانية. خرج شعراء عباقرة في هذا الوسط الثقافي، مثل أحمد مختار بك الجاف (شاعر الغزل والوجدان والحماس القومي1897 ـ 1935م)، وشيخ رضا طالباني (شاعر الهجاء المشهور)، وفائق بيكَس، وبيساراني، وناري، ومخلص، وصافي، وبيخود، وأسيري، وحمدي، وقانع، ودلدار، ودلزار، وهيمن، وهزار، وهيدي، وهردي، وجروستاني، و كوران (مجدد الشعر الكُردي) وعشرات الشعراء والمثقفين، الذين أغنوا بنتاجاتهم هذا الزخم الثقافي الغني حقاً.
ومع نشوء حركة الصحافة والطبع (أول جريدة كُردية تأسست في عام 1898م على يد مدحت بك بدرخان بسم كُردستان)، إنتشرت النتاجات الثقافية، وساهمت في نشر الوعي الثقافي والأدبي بين الشعب الكُردي. وتأسست عشرات الصحف والمجلات نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تلازماً مع تمتع الكُرد في العراق بثقافتهم منذ العهد الملكي وإلى يومنا الحاضر، على نقيض ما كانت عليه الأجزاء الأخرى من كُردستان في تركيا وإيران وسوريا.
وكما الحال مع شعراء الكرمانج، فإن شعراء سوران كان معظمهم من علماء الدين، ومن خريجي مدرسة الإسلام.
وهناك اليوم أدباء بارزون لديهم نتاجات متميزة. ومن أشهر هؤلاء هم عبدالله بشيو، لطيف هلمت، شيركو بيكس، رفيق صابر، وآخرين كُثر.
على الصعيد الثقافي العام، يعتبر النتاج الكُردي غني لا سيما في ما يتعلق بالفولكلور والغناء والموسيقى. فهناك تأثير واسع للغناء والموسيقى الكُردية، في نتاجات الأقوام المجاورة لهم. وبالطبع فإن التأثير كان مشتركاً على كافة الأصعدة، بين شعوب منطقة الشرق. فكما أثر الكُرد في الآخرين، وقعوا هم تحت تأثيرات أقوام الجوار على أصعدة شتى. وإذا كان هذا يدلّ على شئ، فإنما يدل على العلاقات الطيبة والحميمة (ما عدا السياسية!) بين شعوبنا، التي انصهرت في ثقافة الإسلام المشتركة، التي لم تلغ هوياتها بل حافظت على خصوصية أي واحدة منها من دون منّة.في مسألة الأدب والثقافة باللهجة السورانية، ينبغي أن نشير إلى أن الكُرد في العراق وفي إيران شاركوا في إنتاجهما. فـ (هيمن وهزار) هما شاعران كبيران من كُردستان إيران. والكُرد في القسم الإيراني يشتهرون ببراعاتهم الفنية والأدبية. قام هزار بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الكُردية. وبسبب إتقانه للّهجتين الرئيستين السورانية والبادينية، فقد جاءت ترجمته نوعاً من الإندماج بينهما في ذائقة لغوية ممتعة ومتفوقة.
أما ما يخص اللهجة الهورامية فيعتبر الشاعر مولوي (1815 ـ 1892م)، أبرز شاعر دوّن بهذه اللهجة، وهو من وزن نالي ومحوي تقريباً.
هناك مسألتان مهمتان في ما يتعلق بشعراء الكُرد وأشعارهم. الأولى أن معظم هؤلاء الشعراء كانوا يتقنون إلى جانب اللغة الكُردية، لغات أخرى كالعربية والفارسية وغيرهما. واللافت أن جلّهم إن لم نقل معظمهم كانوا علماء في الشريعة، وفي علوم الفلك والفلسفة والطبيعة والحساب.
الثانية هناك فوارق واضحة، في اللهجات الكُردية التي تم تفريغ النتاجات الأدبية بها.
فالفرق بين اللهجة السورانية والبادينية والهورامية، يبلغ حداًيصعب على المتحدث بإحداها، التفاهم بلهجة أخرى أو القراءة والكتابة بها. لكن هذه الصعوبة خفت بدرجة كبيرة بعد نشوء القنوات الفضائية والتواصل الثقافي والأدبي بين الأكراد في العالم.
وإذا كانت السورانية والبادينية أقرب إلى بعضيهما البعض، أكثر من اللهجات الأخرى، فإن الفروقات بينهما وبين اللهجات الأخرى كالزازائية، والهورامية ملفتة على صعيد التدوين.
إن السورانيين لا يفهمون الهورامية وتبدو كلغة غريبة. لكن الهوراميين جميعاً يتقنون السورانية. وهذا الأمر يدفع بالحديث نحو ما يُسمى بالثقافة المركزية، ولغة المركز.
ومن الجدير بالذكر في مسألة اللغة، الإشارة إلى أن اللغة الكُردية بلهجاتها الكثيرة لغة غنية جداً وحيوية. ومن حيث البنيان اللغوي، والنحو والصرف، تتفوق اللغة الكُردية على اللغتين الفارسية والتركية بشكل ملحوظ، لمن يتقن هذه اللغات مجتمعة. ولأنني أجيد الفارسية فقد قارنت البنيان والجوهر بين اللغتين، ولا شك أن التفوق هو لصالح اللغة الكُردية، مع الإقرار أن اللغة الفارسية جميلة وزاخرة وغنية.
وفي ما يخص المفردات، فإن وجود عدة ألفاظ للمعنى الواحد، مع إختلافها، أمرٌ طبيعي ومفهوم لدى الناطقين بهذه اللهجات. وأحيانا نجد ألفاظاً كثيرة للمعنى الواحد داخل اللهجة الواحدة. وعلى سبيل المثال فإن فعل الأمر إذهب، باللغة العربية تقابله في الكُردية ألفاظ عدة مثل: ( برو، بجو، هرو، هَرَه، ببَزَه ومفردات أخرى).
ولمقاربة هذه اللهجات، اخترت بعض المفردات والألفاظ، مع المعنى باللغة العربية:ـاللهجة السورانية اللهجة البادينية اللغة العربية
نوسين نفيسين كتابة
خواردن خارن أكل
جوان رند جميل
بياو مير رجل
خبات خه بات نضال
كومه لكَا جفات مجتمع
زمان زمان لغة
سارد سار بارد
سال سال سنة
كَوراني ستران أغنية
ليدان ليخستن ضرب
جويكَر كَوهدار مستمع
مندال زاروك طفل
يكبوون يكبوون وحد
كَفتو كَو/ ئاخافتن ئاخافتن حديث
به له له ز عجلة
ويبدو من الجدول السابق، أن بعض المفردات تختلف في اللفظ بين اللهجتين، لكنها معروفة ومتداولة في اللهجة الأخرى. لكن الصعوبة تكمن في الفهم أثناء إستعمالها في الجملة في سياق الكلام، حيث تتداخل الألفاظ غير المعهودة وعملية التلفظ عبر مخارج حروف مختلفة، حتى تشكل كتلة غريبة من لغة غير مفهومة. وهذا ما يحدث اليوم في الصحافة والإعلام الكرديين، مع ذوبان الفروق بمرور الزمن بسبب الإستعمال والتعوّد.ففي منطقة سوران هناك على سبيل المثال صحف مثل هاولاتي، آوينه، روداو، ميديا لا تُقرأ في منطقة بادينان. والعكس كذلك فإن الصحف والمجلات البادينية مثل أفرو، فَزين، بَيف، نوبوون، سفوره ودهوك لا تُقرأ أيضاً في مناطق سوران.
وفي هذا المضمار تلعب العصبية الطائفية، والمناطقية الممزوجة بالسياسة والصراع على السلطة، دوراً سلبياً في إبقاء الشروخ والفواصل واسعة بين هذه اللهجات.
فقبل فترة قامت جمعيات ثقافية في مناطق بادينان بحملة جمع التواقيع، من أجل تثبيت اللهجة البادينية كلغة رسمية في دستور الإقليم، في مناطق بادينان، بحجة كونها (اللغة الأم) التي يسهل على أطفال المنطقة تعلّمها بسهولة!
وهناك محاولات مماثلة في مناطق أخرى، مثل منطقة هورامان، التي أردفت بتيار جديد يرمي إلى أبعد من الإختلاف اللهجوي، إلى فروقات إثنية بينهم وبين الكُرد. وفي هذا المجال يطرحون حقوقاً في الدستور كأقلية قومية، ويطالبون تعريفهم كإثنية متميزة! مع العلم أننا لا نستطيع أن نعمم، حركة مجموعة ما على منطقة أو طائفة معينة.
لا شك أننا في مقال قصير لا نستطيع الإلمام بجميع جوانب الثقافة الكُردية. فالموضوع واسع وشائك يحتاج إلى بحث عميق ودراسات وكتابات طويلة.
لكن بقي أن أذكر أن هناك أيضاً جانب آخر في الأدب الكُردي المعاصر لم يلق أي ترحيب، من لدن الجهات الكُردية القومية والعَلمانية، ألا وهو الأدب الإسلامي الحديث.
ومن أبرز رموز هذا الجانب هم الشعراء: خدر كوساري (قُتل من قبل الإتحاد الوطني الكُردستاني في 27/12/1993)، وملّا كريكار، وجوتيار، وأكرم عنبي، و ورزير، وهيواش، وآخرين. ولدى الروائي فاضل قرداغي إمكانيات أدبية وثقافية عالية جداً قد تجعله في المستقبل أبرز روائي كُردي، إذا ما وجدنا أرضية ثقافية نظيفة. لكن الغبن والإقصاء ظل يلازم هذا التيار على يد ثلّة عنصرية، تركب القومية وتتخذها مطية لمصالحها الفئوية الضيقة، التي لم تتوان في توظيف الأدب لغايتها السياسية المخرِبة والفاسدة.
يجدر بأبناء المنطقة، وخصوصاً العرب، الإلمام باللغة الكُردية ودراسة الثقافة الكُردية.
فهي ثقافة شعب مسلم وشرقي، شارك في صناعة حضارة المنطقة لقرون طويلة.
والثقافة الكُردية في شرقيتها، قريبة من وجدان وحس الشعوب الأخرى في المنطقة، مثل العرب والترك والفرس.
وفي هذا المجال قد يتفوق الكُرد على الآخرين، في عدم التردد في الإنفتاح على الآخر القومي أدبياً وثقافياً. أليس أدباء ومثقفون كبار في الدوائر العربية والتركية والفارسية، كُرداً أفرغوا البيان في تلك اللغات؟
العالم الفقيه إبن الحاج السنجَوي الآلاني الهزارميردي، الناظم عبدالله البَيْتوشي، العلامة معروف النَّوْدهي، محمد كرد علي، أحمد شوقي، الزهاوي، سليم بركات، الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، يشار كمال، فاضل رسول وعشرات الكُرد الآخرين تركوا تراثاً ثقافياً زاخراً بلغات قومياتنا الشرقية.
كونهم كُرداً لم يمنعهم من العطاء بلغات أخرى لقوميات أخرى، بالرغم من الصراع السياسي والقومي!
alisirini1@gmail.comالهوامش:1ـ لمعرفة تبني الفرس للحضارة الميدية راجع إن شئت: وول ديورانت، قصة الحضارة، المجلد الأول. قارن بـ: أحمد لواساني، الأخمينييون، بيروت 1960 و كذلك بـ: جمال رشيد أحمد، لقاء الأسلاف، رياض الريس للكتب والنشر، 1994.
2ـ فاضل رسول، الإسلام والقومية: الأكراد نموذجاً، دورية منبر الحوار، بيروت 1986.
3ـ دورية هافيبون، العدد 7 و 8 سنة 2008 المانيا، مقال بعنوان: اللغة الكُردية ومشكلة الأمة والتأمم.
4ـ نفس المصدر، مقال بعنوان: كيف نصل إلى بداية موثوقة للأدب الكُردي.
5ـ لا أصدقاء سوى الجبال، ترجمة راجال محمد، لبنان 1999.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف