قولٌ في اعادة نصب الجندي المجهول
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
ومعلوم ان ممارسة تشييد نصب الجندي المجهول، تعتبر ممارسة حديثة نوعا ما. بدأها الفرنسيون في تخليد ذكرى جنودهم المجهولين الذين سقطوا في الحرب العالمية الاولى، عندما شيدوا في عام 1921 اول نصب للجندي المجهول في باريس في ساحة " الايتوال"- (النجمة، الان: ساحة شارل ديغول)، تحت قوس النصر، الذي يعود بناءه الى زمن الحملات النابليونية. وقد جارى مذاك بقية العالم الفرنسيين في تقاليد تصميم وبناء مشاهد للجنود المجهولين. وعادة ما تجري تقصيات عديدة تثبت بان شخصية المدفون في ضريح الجندي المجهول هو جندي وقع في ساحة المعركة او توفي جراء اصابته بجراحها، ولم يكن هاربا، كما لم يكن اسيراً. ومنتمي الى قطعات عسكرية معروفة وغير ذلك من الامور التى تتطلب جهدا وبحثا واسعين قبل ان يدفن في الضريح اياه.
يكتسي نصب الجندي المجهول العراقي في ساحة الفردوس بعداً مضافاً كونه شيد احتفاءاً بذكرى الجنود البسطاء الذين تم "سوقهم" لحرب لم يعرفوا تماما سبب نشوبها، فضلا على انها جرت بعيدة عن اوطانهم ومكان سكناهم. وانا اشير الى وقائع الحرب العالمية الاولى وقبلها، ( اذ لم يخض العراق الى وقت تشييد النصب في 1959 اي معارك كبيرة، ما يتعذر تبعا لذلك، نشوء ظاهرة الجنود المجهوليين). ففي ازمنة تلك الحروب نظمت باستمرار حملات "سفر برّ" العثمانية التى بسببها حُصدت ارواح آلاف التعساء الذين ادخلوا ارض المعارك حتى من دون تهيئة او تدريب كافيين، وتساوى مصير ضحاياها "المجهولين" منهم مع "المعروفين"، بيد ان كليهما لم يحظ بدفن رسمي. وظلت قبورهم منسية وبقيت اجسادهم تروي الاراضي التى سقطوا فيها، ولكن من دون اي شاهد لهم. فبالضد من وجود مقابر جماعية للاتراك واخرى مقابر خاصة الى الانكليز بالعراق، لا يوجد ذكر لاية مقبرة تميّز جنود ارض وادي الرافدين الذين سقطوا قتلى في تلك الحروب. من هنا، في اعتقادنا، يمكن فهم بواعث اعتزاز العراقيين بمغزى تلك الالتفاته لثوار تموز 1958 بتمجيد اؤلئك الجنود البسطاء: المعلوميين والمجهوليين، والاحتفاء بهم في آن واحد،... وبنصب واحد!.
يتكون النصب، كما هو معروف، من قوس خرساني عالٍ نوعا ما، ومغلف بالمرمر ذي لون ضارب الى الزرقة، "يحمي" اسفله ضريح الجندي المجهول. وبغية تكثيف التأثير الحسي للنصب، لجأ المعمار الى مزيد من الاختزالية في اسلوب لغته التصميمة، والى تقشف جرئ في عناصره التكوينية. اذ لم تكن "جملة" النصب التذكاري المعمارية، سوى "مفردة" واحدة تقريبا وهي مفردة القوس، قوس بعقد مدبب. لم يشأ المعمار ان يكون قوسه عاديا. فجعل جدرانه الساندة مائلة، ما أضفي مزيدا من الرشاقة التكتونية والخفة البصرية، التى يحتاجهما لينأى عن انطباع "الثقالة" التى قد تتولد من جراء طبيعة المادة الانشائية المستخدمة في التشييد.
أهتم القرار التصميمي اهتماما عميقاً بان تكون هيئة النصب "محفوظة" بصرياً وبسرعة في ذاكرة المتلقي. من هنا اسهم اختيار "القوس" كعنصر تقليدي ومألوف في البيئة المبنية المحيطة، رغم هيئته المميزة غير العادية، في تيسيير مهام الحفظ. كما إن "تنظيف" الموقع واقتصار مفردات تصميم الفضاءات المفتوحة على ساحة مستوية ومبلطة بالكامل تقريبا، عزز من حضور التضاد وحصر تمظهراته العمودية في مفردة القوس، والافقية في سطح الساحة المستوية؛ ما أسهم هو الآخر في تسريع ترسيخ "اميج" النصب لدى المتلقي. ثمة منطقتان مستطيلتان متماثلتان واقعتان على جانبي النصب، اقتطعا من سطح الساحة الدائرية وزرعتا بالثيل، لونهما الاخضر الطازج يكسر رتابة لون "صحراء" الساحة المدورة، التى منها ينهض "ساقا" قوس النصب العالي اللذان تم حفر قوساً آخرا على شكل قطع دائري، في قاعدة كل منهما بغية تخفيف صلادة كتلة النصب، من دون التأثير على منظومته التركيبية. وظف المعمار بحساسية عالية منظومة التدرج المناسيبي لاقسام النصب. ثمة درجات مقننة تدور مع دوران محيط دائرة النصب وترفع ارضيته، محددة بذلك تخوم حدوده الفاصلة بينه وبين مستوى الشوارع المجاورة. وتمتد من منطقتي الثيل المستطيلتين، "الواح" منحنية مزروعة بازهار متنوعة تضفي بالوانها المختلفة جوا لونيا هادئا. استفاد المعمار بكفاءة واضحة من عدم استقامة شارع السعدون في منطقة ساحة الفردوس، ليوظف ذلك الحدث التخطيطي في تنويع اسلوب رؤية النصب من طرفي الشارع بزوايا مختلفة. وقد تمكن من "تحريك" محوره لبلوغ حالة يتم فيها انثيال صوري متدفق ومتغير لهيئة النصب.
وباختصار، فان مشهد نصب الجندي المجهول، بلغته التصميمية المعبرة والمختزلة، وانفتاحيته العالية وحرية الوصول الى جميع اجزاءه، وخصوصاً الحرية المتاحة للجميع، جعل من مقامه ليكون الاكثر إنتماء والاكثر الفة واعتزاز لسكنة بغداد وزوارها. فضلا على ما يمثله من إضافة كشاهد "متروبوليتاني" يضيف دلالة جديدة الى رموز تماثيل العاصمة الثلاثة التى عبرت بوجودها في الماضي عن طبيعة النظام السابق، المتمثل بالملكية المسنودة من قبل العشائر والانكليز، والمقتصرة وقتها على تمثال الملك فيصل في الصالحية، وتمثال السعدون في الباب الشرقي، وتمثال مود في كرخ بغداد. واياً تكن مرجعيات المعمار التصميمة، فقد قدم لنا مشروعا ناضجا ومؤثرا، هو الذي لم يمض سوى ست سنوات على تخرجه المهني، لتضحى هيئة نصب الجندي المجهول في الفردوس، غُبّ ظهوره، "ايقونة" بصرية لمدينة تطمح ان تكون حضرية وعصرية في آن. ولهذا كان وقع ازالة النصب بليل سريع ومفاجئ من سنة 1982 محزناً ومأساويا لكثر من العراقيين وخصوصا سكنة العاصمة،.ونظر البعض الى واقعة الازالة بمثابة فقدان جزء عزيز من ذاكرتهم، ونقص فادح في صورة مدينتهم، مثلما رأى بعضهم في دلالات هذا الحدث انكسارا للامال، وعدوها احدى "آمالهم المجهضة"، بلغة عصام غيدان. وما اكثرها في الوقت الاخير!.
وبالمقابل فان اعمال إعادة التشييد في الفردوس، وإن حافظت على هيئة النصب القديم، لكنها يتعين ان تأخذ في نظر الاعتبار المستجدات التى طرأت على طبيعة المنتج المعماري مع توظيف خلاق للامكانات الضخمة التى توفرها المنظومات التقنية المعاصرة. ويمكن للمرء ان يجادل حول قضايا مهنية تنشأ عادة جراء اعادة التشييد، وبالاخص تأثير متغيرات الموقع الجديدة ومجاوراته على مقياس النصب ومحدودية ارتفاعه؛ وفيما اذا كان ذلك سينعكس سلبا عليه. والحال ان تلك القضايا تتطلب اجتهاداً تصميماً وحلولاً تكوينية كفوءة بمقدورها ان تزيل بعض من تلك السلبيات. لكن الاهم في كل ذلك ان يتم التعاطي مع تلك القضايا بمرونة وابداع عاليين يتجاوز الفهم الآحادي للعناصر التصميمية المشكلة للتكوين، بضمنها المقياس المعماري. وسيكون امراً مرحبا، لو أن فضاءات قبو "سرداب" النصب، اُستغلت لغرض تلبية مستجدات المشروع، وصممت فيها احياز متممة الى ثيمة النصب، تتضمن فضاءات لمعروضات جديدة تحكي تاريخ وسير رجال العراق الذين عملوا بجد وبنكران ذات من اجل رفعة البلد وعلو همته، بالاضافة الى تمجيد "جنوده" المجهوليين الذين قدموا حياتهم دفاعا عن الوطن وشعبه. وبهذه الاضافات فان النصب المعاد، في اعتقادنا، سوف يغتني وظيفيا ورمزيا. فهو من جهة، سيحتفظ بشكله الاصلي المعروف، ومن جهة آخرى، سيظهر تصاديه مع المتطلبات التى تفرضها عمارة الحداثة وتقنياتها المعاصرة. □□ معمار وأكاديميمدرسة العمارة / الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون
التعليقات
سر إزالته
رهان الخطيب -إعادة نصب الجندي المجهول لبغداد ضرورة جمالية، ونفسية، للعراقيين، فهو من الأكثر رقة في ذاكرتهم، أزيل ليس لسبب من تطور أجمل العواصم ونموها، بل لمسح ما تبقى من إسم النبيل قاسم، أكثر من ذلك سُرق تصميمه، لنصب سانت لويس الأمريكي، وقيل طلبوا تهديمه في بغداد كي لا يكون لنصب سانت لويس شبيه. صورةالتقطتها لنصب سانت لويس تؤكد ذلك
الفرق
سردار -الله يازمان..فقط قارنوا بين النصب الجديد والنصب القديم!أنا متأكد أن عبد الكريم قاسم كان سيختار النصب الجديد ليبقى رمزاً للجندي المجهول. أرجو من إيلاف ومن الكاتب أن يشرحوا للقراء بالتفصيل التفاصيل المعمارية الرمزية العظيمة للجندي المجهول الذي شيد في بداية الثمانينيات من القرن الماضي. هل تعرفون لماذا يريدون إحياء النصب القديم؟ ليس حباً بقاسم الذي كان شهيداً يشهد الله كم ضحى من اجل العراق، لكن يريدون إحياءه لأنهم يريدون أن يعيدوا الزمن الى وراء، يريدون أن ينسى العراقيون مرحلة مهمة ومفصلية من تأريخهم العظيم. مرحلة تصدوا فيها للفرس والغطرسة المجوسية والتحالف الصهيو-فارسي على العرب والمسلمين. كلمة حق يراد بها باطل، اصحوا ياعراقيين، إن القادسية الثانية كانت نتيجة طبيعية للصراع التأريخي مع دولة فارس. بعد ألف عام سيقرأ الأطفال في كتب التأريخ أسماء خالدة مثل صدام حسين بجوار نرام سين و نبوخذ نصر وأتوحيكال وسنحاريب وهارون الرشيد وغيرهم
بغداد تحتاج الجميع
ابن بغداد -لا داعي لسوء الظن خاصة ما تعلق بجمال بغداد، ولا داعي لخلق هذا التضاد المفتعل بين الماضي والحاضر، الحقائق الكبيرة تكمل بعضها، والصغيرة تدحض وتدحض، بغداد تستوعب الجميع ولا أحد بمفرده يستوعبها