ثقافات

اعادة نصب الجندي المجهول.. مرة آخرى

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

د. خالد السلطاني: نال قرار إعادة نصب الجندي المجهول في ساحة الفردوس ببغداد، المعلن من قبل الاجهزة التنفيذية بالعراق، على اهتمام كثر من المعماريين (كون الموضوع هو اساسا قضية معمارية)، الذين ابدوا آراءاً متباينة في شأن ذلك القرار لجهة صوابيته من عدمها. كما ان هذا القرار كان ايضا مثار نقاش في اوساط ثقافية آخرى. وقد كتب الصديق الناقد سهيل سامي نادر مقالا بعنوان "مساءلة لمشروع أعادة نصب الجندي المجهول للجادرجي"، نشر في جريدة المدى العراقية، (واعيد نشره في مواقع الكترونية عديدة)، يجادل فيه بعض الافكار التى وردت في مقال لي سابق كتبته عن هذا الموضوع ونشرته ايلاف وكذلك الجريدة البغدادية اياها. وارى ان النقاش المثار حول هذه القضية المعمارية/ الفنية، المليئة بالابعاد الدلالية، وعن جدوى القرار المتخذ، ومدى صوابيته، هو أمر صحي، يتعين تشجيعه والاحتفاء والترحيب به والعمل على تكريس اثره في الخطاب، الخطاب الذي نتوق ان نراه غنيا ومفيدا ومفعماً بالآمال، الآمال المنتظرة لبلدنا، كبلد حضاري ومزدهر وديمقراطي.
ولئن اعود للكتابة في الموضوع ذاته، مرة آخرى، فما هذا الا لاني وجدت في بعض "مساءلات" صديقي سهيل، جوانب هامة، تستمد أهميتها من طبيعة المواضيع المثارة، تقتضي "اجابات" وافية لها، ما ينأى بمساءلاته بعيداً عن ان تكون محض lt;اسئلة بلاغيةgt;، تحصر وجودها بمجرد الطرح؛ من دون حاجة للرد عليها. من جانب آخر، لا اتمنى لمقالي ان ينظر اليه كسجال بحت بين مثقفيّـن وانما كاسهامة، امل ان تكون مفيدة ومقنعة، في الحراك الثقافي الذي اثاره قرار إعادة النصب.

دعونا، اذاً، نقصر النقاش في جملة الافكار التى اثارتها مساءلات الناقد المعروف، وهي مساءلات ترد دوماً وضمنياً في النقاش (النقاشات) حول إعادة النصب اياه؛ معطين الحق لانفسنا بالخروج أحياناً من اطار محدودية المساءلة، طمعا في رؤيتها بكليانية: كليانية مفاهيمية ودلالية، لكننا نعد ان يكون رجوعنا اليها سريعا ومباشراً.
عندما كتبت مقالي الذي اعتمده الصديق سهيل موضوعا للمساءلة، توخيت ان لا يكون الآخر (سواء كان مهنيا او متلقياً عادياً) مجبراً علي تبني رأيي الذي طرحته بوضوح وابديت تعاطفي مع مضمون قرار الاعادة، معترفاً ان فحوى القضية المثارة تستوعب آراء متعددة، كلها محترمة وكلها تمتلك مسوغاتها وذرائعها المبررة، وتتطلب بالتالي الاصغاء لها. حرصت ان يكون مقالي بدءاً من عنوانه يشي بتلك الرغبة، فاخترت له عنوانا " قول في اعادة نصب الجندي المجهول". lt;قولٌgt;، استدعي فيه مغزى المقولة المجنحة المنسوبة الى الامام الشافعي (767-820): "قولنا (كلامنا) صواب يحتمل الخطأ، وقول (كلام) غيرنا خطأ يحتمل الصواب!". فليست القضية، اذاً، ابيض واسود. بيد أن تناولها يتعين ان يكون شاملاً ومباشراً وشفافا (حتى لا اقول صادقا) كي يمكن الخروج بمنفعة: منفعة فكرية الى القارئ، ومنفعة مهنية تضاف الى تنويعات حلول المشكل المهني.
حينما ادلى رئيس "لجنة ازالة مخلفات البعث" التابعة لمجلس الوزراء، قبل عام تقريباً (في 9 آب 2008) بتصريح نشرته جريدة "الصباح"، بان لجنته "تدرس امكانية اعادة بناء نصب الجندي المجهول الذي صممه المهندس المعماري رفعت الجادرجي في مكانه السابق (ساحة الفردوس حاليا) وسط العاصمة بغداد.." كان ذلك ايذاناً ببدء نقاش جدي حول مغزى هذا القرار وأهميته. وقد ابدى الكثيرون: معماريون وغير معماريين بآرائهم حول ذلك القرار. بعضهم كتب في الدوريات المطبوعة، وآخرون فضلوا المواقع الالكترونية، في حين ظل النقاش مستمرا وعميقا في الوسط المعماري. وقد ادت الميديا الحديثة دورا اساسيا في تبادل الاراء وتسريع وصولها وانتشارها. وقد استلمت شخصيا عشرات الرسائل الالكترونية من زملاء المهنة يقيمّون فيها ذلك القرار، ويجادلون في مضمونه ومغزاه. انه حراك مهني عال يتوق العراقيون، سيما المهنيين منهم الى التفاعل مع ما يجري في وطنهم، مقدمين المشورة اللازمة أملاً بان تتسم القرارات المتخذة على قدر من المهنية والمصداقية. ويرون في ذلك واجباً يمليه ضميرهم الحيّ وحبهم لوطنهم واهتمامهم بقضاياه. ويمكن للمرء بسهولة ان يعود الى الصفحات الالكترونية التى تناولت ذلك القرار والاطلاع على اراء وطروحات كثر فيها. ولهذا تبدو جملة الناقد سهيل غير دقيقة نوعا ما، عندما يكتب ".. يقول السلطاني ان المشروع حظى بنقاش جاد. اتساءل اين، ومتى؟"!. وهو يقرّ بانه علم عن موضوع الاعادة من قراءته لمقالي (.. والحال انني - يكتب الصديق سهيل - عرفت بوجود هذا المشروع عن طريق ما كتبه السلطاني، ما يحعل نصه مادة لاسهامي في هذه المسألة..). ذلك المقال الذي كتبته بعد مرور حوالي السنة على تصريح رئيس اللجنة!.
ثمة "معلومة" آخرى ترد في امكنة كثيرة من مقال الصديق سهيل، وتغطى مساحة كبيرة من "مساءلاته"، التى بنى عليها فيما بعد كثير من استنتاجاته. ويفهم منها ان الاستاذ الجادرجي ذاته، هو الذي اقترح اعادة نصب الجندي المجهول، وجاهد في اقناع الآخرين لتبني هذه الفكرة. " لست افهم- يكتب الناقد- lt;دوافعgt; (التأكيد لي؛ خ.س.) المعمار العراقي رفعت الجادرجي بإعادة نصب الجندي المجهول الى مكانه السابق بساحة الفردوس: هل هي محاولة انقاذ عمله السابق، ام مساعدة السلطات الحالية في التخلص من نصب الجندي المجهول في نسخته الصدامية بنصب قديم، ام انه ضرب من الاسهام الفني والسياسي في العودة الى بعض اثار الماضي التى قرر النظام السياسي السابق ان تختفي؟ لعل كل هذه الدوافع متوفرة في lt;قراره الشخصيgt; ( التأكيد لي، خ. س.)، فنحن ازاء قضية شخصية وموضوعية..". وفي مكان آخر يكتب مايلي: ".. لكن بتقدمه بالعمر يتشاطر الجادرجي على نفسه بفعل سياسي لا يحتاجه ابداً من اجل ان lt;يصنع مشغلة كبيرةgt; (التأكيد لي؛ خ.س.) تعيد علينا نصباً لا يتناسب مع الساحة التى كان يشغلها، الا اذا قام المعماري بتغيير قياساته او قام بمبادرة بنائية او انشائية او ازال اكبر فندقين في عاصمتنا البائسة.."!
والحال ان كثراً من الذين تعاطوا مع هذه القضية حرصوا على شخصنة قرار الاعادة، ورأوا فيه مسعاً شخصيا. وهم فعلوا ذلك باقصاء واع لمغزى ذلك القرار والعمل على تجريده من مضامينه وتبعاته وإثره في المشهد الثقافي المحلي. اذ ُنظر اليه كونه طموحا شخصياً لا يخلو من جني ارباح مادية يراها البعض غير مستحقة، او في الاقل، تبديد لاموال عامة في زمن عصيب.
بالطبع المسألة غير ذلك، ولا ينبغي لها ان تكون كذلك.
فتسلسل الاحداث وقراءتها قراءة منصفة، تشي بان ليس الجادرجي هو الذي ناشد المسؤولين بضرورة اعادة النصب، ونبههم الى ذلك. وبالتالي لم يكن هناك " تشاطر" بلغة الناقد سهيل في هذه القضية من قبل الجادرجي، لا على نفسه ولا على الاخرين. فالقرار اتخذته لجنة ازالة مخلفات البعث، وخضع كما فهمنا من تصريح رئيس اللجنة الى "دراسة لجنة فرعية متخصصة في مجالات التخطيط والآثار والعمران والثقافة". وعندما سُئل الجادرجي، لاحقا، عن امكانية مساهمته في تحقيق ذلك القرار، ردّ، بالطبع، بالايجاب. وماذا يتوقع المرء ان يجيب المعمار، او اي مبدع آخر، اياً كان جنس ابداعه، وهو قد شهد واقعة تخريب فاجع وازالة قسرية، غير مبررة اطلاقاً لمنتجه، حتى يبعد عنه "لعبة التشاطر" تلك، هل ان يقول مثلا:
-لا، رجاءا، لا تفعلوا ذلك!
او ان يرفض العرض، مبررا موقفه هذا بالعزوف عن اية مساهمة ايجابية ممكن لها ان تفيد بلده، بدعوى، كما يفعل كثر من المقيمين الان في المملكة الهاشمية على سبيل المثال، انه لا يتعامل مع حكومة "طائفية" اتت مع "الاحتلال" وبمعية دبابة امريكية!!.

يتميز العمل المعماري، وفقاً لطبيعته، بخصائص وسمات محددة، تجعل منه منجزاً يتعدى خصوصيات العمل الشخصي ويتجاوزها. في هذا المعنى، تبدو مقولة "ادولف لوس" - المعمار النمساوي المؤسس للحداثة، " يظل العمل الفني شأناً خاصاً بالفنان، lt; البيتgt; غير ذلك!"، بمثابة اختزال موفق لمفهوم العمارة ولتعريفها. يتعين اذاً، ادراك العمل المعماري من خلال امكانية تأثيراته الجمالية والرمزية المستمرة على قطاعات جماهيرية واسعة، وقدرته على تشكيل ذائقة فنية وجمالية مغايرة؛ ما يجعل من قرار اعادة النصب المترع بالابعاد الرمزية، قرارا صائبا ومطلوبا، والاهم قابلاً للتحقيق.
يثار عنصر "المقياس": احد عناصر التكوين الاساسية، كعائق جوهري في عملية الاعادة، سيما وان الموقع شهد تغييرات غير قليلة منذ ازالة النصب في مطلع الثمانينات. ويدلل معظم المعترضين على مشروع الاعادة على صوابية رأيهم بظهور مبنيين عاليين في الموقع هما فندق شيراتون وفندق مريديان فلسطين، وما قد ينجم عنهما من تأثيرات سلبية على اسلوب رؤية النصب ومقاسه. وقد اشرت في مقالي السابق الى هذه النقطة تحديداً مناشداً ان يكون تعاطي المهنيون (وحتى المتلقين) مع عناصر التكوين تعاطياً منفتحاً وخلاقاً. وكتبت مايلي في المقال المنشور بان وجود تلك المعضلات التكوينية ".. تتطلب اجتهاداً تصميماً وحلولاً تكوينية كفوءة بمقدورها ان تزيل بعض من تلك السلبيات. لكن الاهم في كل ذلك ان يتم التعاطي مع تلك القضايا بمرونة وابداع عاليين يتجاوز الفهم الآحادي للعناصر التصميمية المشكلة للتكوين، بضمنها المقياس المعماري". وعليّ الان التذكير، بان المبينيّن اياهما: الشيراتون وفلسطين، اكتمل بنائهما ونصب الجندي المجهول في الفردوس ما برح قائما وقتها (واحتفظ بصورة فوتوتغرافية، امل بانها ستنشر مع هذا المقال، توثق لعملية تهديم النصب سنة 1982، "بحضور" تام وكامل للمبنييّن!). وفي حينها لم نسمع اي اعتراض من المهنيين، كما لم يرد اي اقتراح لازالة النصب بسبب وجود هذين المبنيينّ. اذ تعايش النصب بحصافة مع تلك المتغيرات، وقبلت العين وتعودت رؤيته على خلفية تلك المستجدات. ما يدل على صوابية ما ذهبنا اليه، بان التعاطي مع "مشكلة" المقياس ينبغي ان تتم بفهم يتطلب كثيراً من الاجتهاد والانفتاح. وان يكون ادراك مفهوم المقياس ضمن المستجدات الطارئة من خلال اعادة التقييم لجوهر واهمية ذلك العنصر وتأثيراته. وهو ما اعُتبر دوماً امرا واردا وعاديا للكثير من الوقائع المعمارية في مختلف مدن العالم، التى شهدت تبدلات كبرى على طبيعة مواقعها عبر مسارها الزمني. من هنا تبدو جميع الاستنتاجات المستخلصة التى جاهد المعترضون في تبنيها وتبيانها والتى افترضت ظهور المبنيين في الموقع lt;بعدgt; واقعة ازالة النصب، هي في الواقع استنتاجات ليست فقط غير مقنعة، وأنما هي... وهمية ايضاً.
في احدى " مساءلاته" يعيد الصديق سهيل التذكير ببعض الافكار التى وردت في مقالتي، ويشير اليها، بتعالٍ لا اراه مبرراً، بكونها تصلح إن تكون "..ديباجة مقدمة لمشروع اعادة نصب الجندي المجهول موجهة الى امانة العاصمة بقلم رفعت الجادرجي..". موحياً لقارئه تكوين استنتاجات معينة، انطلاقاً من مغزى تبديل الادوار، الذي افترضه الناقد، بيني وبين الجادرجي!. دعونا، اذاً، التركيز في فحوى تلك الافكار وإمتحان أهميتها، الافكار التى وجدت في تثبيتها امراً مطلوبا. لنبدأ من مفهوم الاعادة، الحدث الذي يدلل على حضور ذهنية آخرى تشي بثقافة آخرى، لم يكنا ( الذهنية والثقافة) كلتاهما شائعتيّن، ولا مرغوبتيّن، في الخطاب العراقي لعقود، ولا سيما ابان فترة الحكم الشمولي السابق، بل كان نقيضها: الهدم (في دلالاته المعنوية والمادية معا) هو "الفعل" الرائج وقتذاك. ولهذا فان مجرد ظهور هذه المفردة، ناهيك عن "فعلها" في المشهد الثقافي يحمل مغزى يوحي الى استعادة خطاب آخر، خطاب ظل مغيباً ومهملاً ومنسياً. ثم ان اختيار موضوعة "نصب الجندي المجهول"، الموضوعة المترعة بالدلالات الرمزية، لتكون تعبيرا عن تلك "الاعادة" لهو حدث ثقافي بالغ الاهمية. ذلك لان طبيعة هذا الاختيار لا يمكنها ان تكون مكسبا يُجيّر لفائدة حزب معين لوحده، او قومية معينة لوحدها، او طائفة معينة لوحدها، وانما هي ملك لكل المجتمع، المجتمع الذي عبر عن تعاطفه مع معنى موضوعة النصب ورمزيتها. فهو اختيار، ولابأس من التكرار، ليس معنيا، مثلا، باعادة بناء مبنى محدد ما، او بيتا يعود الى شخص ما او اشخاص معينيين، او مسجداً، او حتى "حسينية"، وانما هو نصب الى جندي مجهول، أشرت الى الدلالات التى يمكن ان يرمز لها في مقالتي اياها، المقالة التى وجد في افكاراها الصديق سهيل محض "ديباجة" لمشروع مقدم الى امانة بغداد بالنيابة عن الجادرجي!. دعونا ايضا نقرأ ماذا كتب ".. ان النقاش يجريه السلطاني نفسه مع مفهوم الاعادة، وسرعان ما يننفتح على القبول بمشروع الاعادة المادي بطريقة عقائدية(!!) بعض الشئ، اذ يتحدث بالنيابة عن فريق ما. يقول lt; ومع ان واقعة الاعادة تلقي لذاتها قبولا واسعا كونها تتيح فرصة للامساك بزمن مضى، متجاوزة بذلك حسرات الفقد والنسيان؛ فان قرار اصطفاء نصب الجندي المجهول ليكون تعبيرا عن تلك الفعالية نراه قرارا صائبا وعادلا. اذ لطالما عبرت انصاب الجنود المجهولين عن شعور انساني سام، لقى دوما احتراما وتعاطفاً عميقين من الوطن، الذي باسمه تخلد مأثرة اؤلئك الابطال المجهولين الذين دافعوا عنه حد الشهادة، ورفعوا رايته عالياً في وجه الطغيان والاحتلال، ما يرفع من شأن قيمة ذلك الاصطفاء ويعزز من صدقية القرار المتخذ. بتعبير آخر، يجسد فعل الجندي المجهول وحدة البلاد، ويعبر عن آمال مواطنيه جميعهم بغض النظر عن القومية او الدين او خيارات الانتماء الايدولوجي..gt;.
"تصلح هذه الديباجة الى ان تكون مقدمة لمشروع اعادة نصب الجندي المجهول موجهة الى امانة العاصمة بقلم رفعت الجادرجي..". ينهي الناقد بهذا التعليق اقتباساته الطويلة من مقالتي تلك.

يتسم المناخ العام في مقال "المساءلات" للصديق سهيل، مثلما ينطوي مزاج كثر من المقالات والاراء المعترضة على إعادة النصب، بحضور خطاب واضح ومباشر، مفاده ان الوقت والتوقيت غير مواتيين إطلاقاً لاجراء مثل هذه الفعالية، فضلا عن ما ينجم عنها من احتمال تبديد مال عام لاهداف مشكوك في فائدتها، والاهم انها غير ملحة وغير مناسبة في الوقت الحالي. ويختزل الناقد خصائص ذلك الخطاب بشعار ذي كلمات قليلة "انقذوا الناس.. هذا هو المشروع الاصيل!". وهو يطرح شعاره بديلا عن التفكير بمثل تلك المشاريع التى يراها غير مجدية والتى افرد لها سطوراً عديدة في مقالته لتبيان خطلها والنيل من أهميتها وتسفيه مضمونها. والحال ان غالبية الذين تصدوا لمناقشة قرار إعادة النصب، طالبوا بوجوب ان تكون ثمة تراتبية في أهمية المشاريع المقترحة وجدواها. لكن التساؤل المشروع الذي يلي تلك المطالبة عن مَنْ يضع معايير تلك التراتبية كي تعمل بصوابية، يبقى بلا جواب عادة. ما يتيح الفرصة لاحد ما في استنهاض قواه ليحدد بنفسه الاهم ومن ثم المهم في تسلسل يراه صائبا و"موضوعيا"، ويطرحه بالتالي على الجميع في صيغة الالزام. بالطبع لا ارغب، ولا اريد، ان ابدو متعاطفاً مع طروحات ذلك الشخص الـ lt;ماgt;. لكني تواق لجهة التأكيد بان جميع المشاريع التنموية مهمة ومطلوبة. وافهم التنمية كمصطلح لمفهوم واسع وشامل ومتنوع. وليس من ثمة مفاضلة لديّ بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والعمرانية الخ..؛ بل واكثر من ذلك، لديّ اعتقاد راسخ بان نجاح "جنس" تنموي معين يؤثر ايجاباً على نجاحات اجناس تنموية آحرى. والعكس صحيح!. بمعنى اي اخفاق لاي نشاط تنموي، سينعكس سلباً على جميع الانشطة التنموية الآخرى.
من هنا، ترسخت عندي قناعة بان لا يمكن، ولا يجوز، باي حال من الاحوال، تخويل شخصاً ما، او مجموعة اشخاص، مهما كانت سلطتهم ومستوى ثقافتهم وقوة تنظيمهم، ليحددوا لنا اولوية النشاط التنموي ويقرروا آنيته. يتعين فسح المجال واسعا وحالاً امام عمل وابداع جميع الانشطة، اياً كان نوعها وجنسها للحصول على تنمية حقيقية سريعة وبمستوى حضاري عال. وبخلاف ذلك لا يمكن توقع نجاحات ملموسة في التنمية ككل او في اي جنس ابداعي محدد. لنتذكر ان ابداعات جواد سليم وفائق حسن وبقية رواد الفن انجزت في حينها، والاكثرية من الجمهور لم تدرك بعد معنى ومضمون الفن التشكيلي، وغالبيتهم لم يسمعوا اطلاقا بالاساليب الفنية الجديدة. وعندما غيّرت نازك الملائكة وزميلها السياب الذائقة الشعرية، كان معظم سكان العراق يرزح تحت وطأة الامية، وعندما كان يجادل السياسيون امثال كامل الجادرجي ويوسف سلمان يوسف وعبد الفتاح ابراهيم وغيرهم في قضايا الديمقراطية والاشتراكية والديكتاتورية، لم يكن حتى بوسع الكثريين تهجي تلك المفردات تهجئة سليمة. وحينما صمم ونفذ عبد الله احسان كامل وجعفر علاوي وحازم نامق ومحمد مكية ومدحت مظلوم بناياتهم وفق طرز حداثية، كان العديد من البنائيين وقتها لا يعلمون بوجود غير الطين و"الطوف" كمادة انشائية. لكن الاهم في كل هذا، حتى لا نستمر في سرد قائمة طويلة من النجاحات المرموقة لرجال التنمية العراقية باصنافها المتنوعة، لم يطلب من اي احد منهم في التأني بطرح افكاره واهتماماته، في انتظار تغيير البيئة الاجتماعية حتى يمكن تقبل مثل تلك التجديدات. باختصار شديد، ثمة "مساءلة" تثار الان حول مصداقية ما كان يعتبر لوقت قريب، احدى المسلمات الثابتة، التى لا يرقي الشك اليها، والمتمظهرة في معنى الشعار الشعبوي المنادي بان" كل شئ من اجل المعركة!" و"لا صوت يعلو فوق صوت المعركة!!". وهو شعار دأبت الانظمة الشمولية الغارقة في ديكتاتوريتها الى تبنيه وترسيخه وترديده في خطابها الدعائي الممجوج. ويعرف الجميع، وبالطبع يعرف الصديق سهيل الى اي خراب اوصلنا التشبث بمثل تلك الاقوال!.
يتمنى الجميع " انقاذ الناس.." انه حقا مشروع أصيل، لكن ذلك لا يتم، كما ارى، من خلال معاضدة مدونة بسجل افكار ذات افضليات متدرجة. لا زلت اعتقد اعتقاداً راسخاً، ان تبني ذهنية غير تلك المتأسسة على مثل ذلك الطرح التفاضلي، سيعمل على انتقال البلد بسرعة وباقل الخسائر من ثقافة الحكم الشمولي التى رزح العراق تحت وطأتها ابان الديكتاتورية الى تخوم افاق معرفية آخرى مغايرة، . ماذا لو تصورنا المشهد الآن في بغداد او في بقية مدن العراق وهو حافل بورش صاخبة منهمكة في اجتراح منتج ابداعي بكل تجلياته المعرفية من فنون وعمارة وموسيقى وعلوم وثقافة وتعليم وتكنولوجيا واتصالات الخ.. من دون وصاية أحد، وبدون اشهار تنبيهات ابوية مفترضة محذرة بان وقت الابداع ليس اوانه الان؟. اليس من شأن ذلك ان يثري الحراك التنموي ويرسخه في الخطاب، ويرفع من قيمة الحياة في بلدنا؟
لا ادعّي بان حدث اعادة "نصب الجندي المجهول" سوف يُغّير كثيرا من حالة عراق اليوم. لكني على يقين بان مفهوم الاعادة ودلالاتها وتوقيتها، وخصوصاً "توقيتها"، كفيل بايقاد بصيص من نور، قد يفتح أفاقأ جديدة امام الذهنية الغارقة الان في " تابو"اتها، والمكتفية بهاجس الاولوية، الغالقة والمعادية لاية محاولة تسعى وراء اجتراح منتج ابداعي، يقع خارج تسلسل تراتبيتها المفترضة، والتى تجد فيها عملا غير مجدي وغير مناسب، . ومن خلال هذا البصيص الذي نأمل انه سيشجع الى ايقاد بصيص آخر، يمكن للمرء ان يفهم احتفاء كثر للقرار الخاص باعادة النصب، وليس، قطعا، كما ذهب الناقد في قناعاته التى افضت الى استنتاجات مثيرة للدهشة والاستغراب، من ان ذلك القرار هو بمثابة تعبير".. عن الاحتفاظ بانشقاق وطني قديم لم يعد له معنى ويراد ادامته واعادة توجيه آثاره بتعاليم الفن المعماري وتوصياته..". اترى ناقدنا المعروف، وفقا لكلماته، " يتحدث بالنيابة عن فريق ما"؟
وددت قبل ان اختم مقالي الاشارة الى وجوب التفريق بين مفهوم "الاعادة" الذي ورد في مقال الصديق سهيل، وبين ما عُنيّت اليه ضمن مقالتي. فمن المعروف ان مصطلحات مثل "الاعادة" او "الحفاظ" او "الاملاء" او " التأهيل" او "الترميم" التى تحضر الان في الخطاب المعماري بشكل واسع، هي، في الحقيقة، كناية عن مفاهيم معروفة اكتسبت معانٍ جديدة نوعا ما؛ وقد انتشرت بصورة لافتة في الممارسة المعمارية الحديثة. وهذه المفاهيم الآن تمتلك منظومتها النظرية والتطبيقية. وتتميز بخصائص محددة ولها ادواتها الخاصة بها، كما انها تؤدي دورا مميزا في تشّكل سمات ومفردات النسيج التخطيطي الحديث والمعاصر. وهي تختلف عن ما كان معروفا من ممارسات اثناء عصر النهضة الاوربية، وما رافق ذلك من مفاهيم بخصوص بعث الثقافة الاغريقية والرومانية. ثمة التباس مفاهيمي وجدته قائما في استطرادات صديقي الناقد، وهو يسعى وراء ايجاد صلة ما بين مفهوم اعادة النصب وممارسات عصر النهضة. وبالامكان الرجوع، بسهولة، الى رابط المقال لتبيان ذلك الالتباس.

واخيرا..
لا تسعى هذه المقالة وراء انتقاء كلمات محددة بعينها، او اختيار جمل محددة بعينها من مقالة الصديق العزيز سهيل سامي نادر، لتجادل بها كاتبها، او لتقييمها، او لاظهار، تبعا لذلك، طروحاتها المعاكسة لها. ما تبتغيه مقالتنا و ما تسعى اليه هو محاورة الخطاب الفكرى، الذي كتُبت به تلك المقالة، والذي تفصح تلك الكلمات وتلك الجمل عنه. وهو خطاب، رغم اننا قد لا نتفق مع بعض منطلقاته، فهو لا يفتأ يظل خطاباً حريصاً ومعنياً بمستجدات الحالة الثقافية في بلدنا. ويسعى بالطبع، وفق رؤاه، الى نقدها وتصحيحها و"مساءلاتها"؛ طامحا بذلك رؤيتها منزهة عن الاخطاء. ونرى نحن في استنطاق معنى الاحداث الثقافية ودلالاتها، مثلما نجد في "مساءلاتها" ايضا، اثراءا وحيوية للخطاب الثقافي المحلي، ذلك الخطاب المعنيون جميعا في ادامته وترسيخه. □□

مابعد المتن:
التقيت برفعة الجادرجي مؤخرا، واكد لي صوابية ما ذهبت اليه في صدد مرجعية قرار الاعادة. لم يكن المعمار الجادرجي هو من بادر اولا الى اقتراح اعادة النصب!، كما لم يعلم مسبقاً بذلك القرار الا بعد ان نشر.

معمار وأكاديمي
مدرسة العمارة/ الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون



التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
فهمك قليل
mohamed -

من هو الجندي المجهول ياترى؟هل هو سفاح؟ام انه ملاك؟ لقد كان الجندي دوما خادم اسياده فهل يستحق ان يكون له نصب يذكر الاخرين بامجاد السفاحين والقتلة!!!

انتباه رجاءا
فاضل -

علينا ان نعيد بناء كل اثر خربه نظام البعث المنهار. وفي نفس الوقت علينا ازالة اغلب النصب والتماثيل التي اقيمت في زمن البعث الهارب والطاغيه المقبور ؟ مع مراعاة الاعمال الفنيه الخالصه التي تمجد تاريخ العراق والشعب وهي قليله جدا .

مشاريع مهمة
ارا اوهانيس -

في العراق الديمقراطي الفيدرالي الحر تم انجاز كافة المشاريع الخدمية للمواطنين من كهرباء، ماء، صرف صحي، خدمات طبية جيدة....الخ الى درجة ان الحكومة الوطنية المنتخبة بدات بالتخطيط الى مشاريع في غاية الرفاهية لجعل العراق من الدول المترفة. اذن لا ينقص للعراق سوى اعادة النصب و البنايات القديمة المهدمة سابقا من قبل النظام السابق، عشت يا حكومة المنطقة الغبراء باعادة نصب الجندي المجهول القديم و نتمنى ايضا هدم عمارات شارع حيفا و اعادة الدور القديمة.

الله يكون بعونا
واحد -

يعني هسه حليتو كل المشاكل من مي وكهرباء ونفط وغاز وسكن وعمل وامان وشوارع نظيفه وخلصتو على الفساد المنتشر بكل الدوائر وبقت شغللت الجندي المجهول خطيه حرام يابشر ٢٦ مليون مصيرهم مجهول وانتم مشغولين بالجندي المجهول والله عيب يعني الظحك على الشعب المسكين وصل لهذه الدرجه

نصب للشعب العراقي
مهدي -

يا اخ خالد . ليس فقط المثقفين العراقيين ( المقيمين الان في المملكة الهاشمية يرفضون التعامل مع حكومة "طائفية" اتت مع "الاحتلال" وبمعية دبابة امريكية!!) كما تشير ساخرا ، بل كذلك معظم المقيمين في اوربا وعموم الغرب . وانا ارجو من الناقد سهيل ان يقترح علينا اسم معماري او فنان مؤهل لتصميم نصب تذكاري ، مو للجندي المجهول ، وانما للشعب العراقي المجهول .

الاكاديمي المجهول
صالح فرج -

ارى ان الموضوع اكاديمي بحت وليس له علاقة بالماء والكهرباء ومبيدات الحشرات والزواحف من الدول المجاورة لذلك من حق الاستاذة المختصين في مجال الفنون والمعمار ان يتحدثوا عن ذلك لقد تفحصت موضوعة النصب هي من عمل معماري وليس نحاتا فنانا يعني يدخل فيها الذوق بدل الحساب الفني الابداعي وهنا اسال سؤال كم من النصب المعروفة في العالم هي من اعمال معماريين من المتعارف عليه مهنيا ان المعماري يستعين بالفنان في كل مشاريعه حتى يضفي لمسة فنية راقية على عمله ثم ان نتحدث عن الفرادة في نصب الجندي المجهول فهذا مبالغ فيه ولا اريد التطرق الى ان هناك اشكال مقامة قبله في بعض زوايا العالم الثالث ثم الاستاذ سهيل نادر يعتبر اهم ناقد فني في العراق وهو لم يدرس في اكاديمية فنية او موضوعة تاريخ الفن لاكن الرجل اجتهد جدا في نهاية السبعينات والثمانينات بعد ان فرغ العراق من مبدعيه بسبب بطش النظام السابق وادى نادر دور مهم في تغطية النشاطات الفنية على صفحات الجرائد والمجلات ويجزيه الله الف خير لاكن الاختصاص هنا مهم حين نتحدث عن التراث واستلهام الموروث في الشكل الفني الخ هذا يحتاج الى اختصاص وابداع مضاعف فيه لانه قضية استاذية وليس حديث مقاهي هذه الحالة جعلتني اكون في ريبة بسبب الزوبعة التي اثيرت حول نصب الحرية الخالد ودور الجادرجي فيه يمكن مراجعة ذلك في جريدة المدى العراقية تحاورت هاتفيا مع احد المعماريين المقيمين في الدانمارك كان قد درس في الاكاديمية الملكية قسم العمارة وسالته عن راي البروفسور السلطاني في قضية الجندي المجهول لاني اريد ان اعرف ايضا ماذا سيحل بالنصب الحالي الذي عمله احد الفنانين العراقيين المشهورين وهو متوفي الان اجابني الرجل ضاحكا عندما تكون الاكاديمية الملكية الدانماركية ومن يعمل بها بحالة المعلوم يمكن الحديث حينها بقضية الجندي المجهول ــ والمجهول هنا مستقبل البلد الاسود بين غياب الدولة والقانون وغياب الامن والاستقرار والاهم غياب الضمير بسبب انفلونزا الظمائر الذي انتشرت الاصابة به حتى المؤمنة حياتهم ، إقتصاديا وصحيا الخ في البلدان الاسكندنافية

اعادة النصب
غالب تحسين -

اني لا ارى مبررا لاعادةهذا النصب ولا ارى فيه الا مشروع سرقة اموال جديدة بقيادة هذه الحكومة الخائنة ولا ادري هل انتهت هذه الحكومة من توفير الضروريات حتى تبادر الى المحسنات واقول لمن اقترح هذا العمل -انت نايم ورجليك بالشمس-

أحذروا من البعثيين
صلاح الحمداني -

أحذروا البعثي، فهو مخرب ومنافق وذلك أين ما حل ! نعم، على العراق الجديد [طائفي أو غير طائفي] بأن يضع من أوائل مهماته هو استئصال كل ما بنته النازية البعثية من تربة العراق، وعليه في إعادة كل ما خربته هذه النازية بعدوانيتها وسجونها وقادسياتها التافهات، وعليها كذلك مطاردة النازيين البعثيين ومحاسبتهم على كل ما اقترفوه من جرائم وحروب بحق الشعب العراقي... نعم لإعادة تشييد نصب الجندي المجهول وألف نعم لنسف نصب النازيين البعثيين في العراق، قولوا معي أمين إنها أول الخطوات الجبارة في استرجاع الذاكرة الآدمية للمواطن العراقي الذي لم تتمكن منه منهجية سياسة النازية البعثية في غسل الأدمغة...!

الى تعليق رقم
العراقية -

الف رحمة على والديك مو صارت الشوارع نظيفة واكو امان واكو كهرباء وهمة شايليين هم الجندي المجهول سوو العراق يخبل بل اللطم طول السنة والله العالم مادري شلون تفكر وخابصينة النظام البعثي والصدامي راح صدام انتو سويتو عمرتو سويتو كهرباء ومااااء كافي تضحكون على نفسكم يا حثالة المجتمع ارجو النشر يا ايلاف

IRAQ
Hasanain -

حسبي اللة ونعم الوكيل .اتقوا اللة بهذا الشعب المغلوب على امره.انة وقت بناء البنيه التحتيه .ورحم الله جنودنا الابرار في فسيح جناته...