ثقافات

مسرح القناع وتعدد الوجوه

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

احسان الخالدي: تبلورت فاعلية حضور الممثل بوصفه العنصر الأهم في ديمومة الفعل المسرحي عبر أساليب واتجاهات كان لها الأثر في صياغة أطر فنية للإرتقاء بعمله وتطوير قدراته التعبيرية ومهاراته الأدائية، ولاسيما البحث في إزدواجية الوعي بين ذات الممثل وذات الشخصية لإضفاء الطابع الإيحيائي للشخصية المسرحية المتخيلة، أو البحث في ثنائية الوعي بين الوجود الحقيقي والوجود الوهمي للشخصية المسرحية. وقد فرزت تلك الأساليب والإتجاهات طرائق أدائية تمثلت بمفاهيم وتقنيات هدفها الحفاظ على التوازن والتزامن في إطار عملية الأداء التمثيلي.

وكان مسرح " القناع " بإستيهاماته وتجلياته أحد تلك المفاهيم التي تمظهرت عبر رؤى ومعالجات متنوعة على صعيدي النص والعرض منذ بدايات المسرح في القرن الخامس قبل الميلاد، وذلك عندما استُخدم القناع من قبل الممثل الأول في التأريخ المسرحي (ثيسبس) لأغراض وظيفية في بادىء الأمر للتعبير عن الهيئة والشكل الخارجي للشخصية (ملك، كاهن، مقاتل،...)، أو للتعبير عن الموقف الدرامي (تراجيدي، كوميدي)، وليس هناك دراسات تؤكد أن الممثل عند الإغريق كان قد وصل مرحلة تقمص الشخصية أثناء العرض. والقناع عند الرومان لم يكن يختلف كثيرا عن إستخدامه لدى جيرانهم الإغريق، واتسع نطاقه الوظيفي ليشمل الرياضيين في حلبات المصارعة. هذا الميل الى اعتماد القناع وسيلة في التأثير البصري للعرض كان تقليدا متبعا بين ممثلي كوميديا الفن (دي لارتا) أيضا. وكان حاضرا في العروض الكنسية التي حملت طابعا دينيا من خلال تجسيد الحيوانات والوحوش والشياطين للدلالة عن الشر والجحيم عندما استعاد المسرح وجوده داخل الكنيسة بعد الغياب القسري الذي فرضته عليه لقرون عدة. وكذلك في عصر النهضة حيث تنوعت سمات القناع وتمظهراته تبعا لتعدد الرؤى والأفكار التي أحاطت بالمسرح حينذاك. ولم تتوقف تجليات القناع على الرغم من تأويلاته الفكرية والجمالية ليكون بعدها نمطا من أنماط المسرح منذ منتصف القرن التاسع عشر عند عدد من المؤلفين (برانديللو، ييتس، يوجين أونيل، بوشنر، وغيرهم) والمخرجين (كريج، مايرهولد، بريشت، بروك، باربا، وآخرين).
وكما تشير الدراسات والابحاث التاريخية الى أن القناع يعتبر من أبرز السمات التي تميزت بها الطقوس والممارسات الدينية لدى مختلف الثقافات والشعوب من شرق الأرض في الصين واليابان مرورا بالثقافة الهندية والإفريقية وصولا الى الساحل الشرقي من أمريكا عند الهنود الحمر وشعوب الأزتك في المكسيك. وان التحولات الفكرية والاجتماعية التي أفرزتها الثورة الفرنسية وما رافقها من تطور في الصناعة والعلوم الانسانية، بالاضافة الى ظهور الاتجاهات والمدارس الأدبية والنقدية كل تلك المتغيرات كان لها أكبر الأثر في بروز أنماط مسرحية انعكست بشكل واضح على مفهوم القناع وسماته الدلالية سواء في البنية الادبية للنص الدرامي أو فضاء العرض المسرحي (الرمزية، التعبيرية، اللامعقول، الملحمية، الاتجاهات المسرحية الحديثة). ففي الوقت الذي ساير العديد من المشتغلين في الحقل المسرحي تلك المتغيرات من خلال التعاطي مع مفاهيمها ومقولاتها الفكرية والفنية، إتخذ آخرون مسارا معاكسا بالعودة الى الجذور الطقوسية والبدائية للمسرح من خلال إعادة قراءة تلك الممارسات وتقنياتها وفق رؤى تحمل طابعا عصريا.


مرجعيات مسرح القناع

اتخذت بعض الشعوب البدائية القناع وسيلة لتأمين حياتها وصد مخاطر الطبيعة عنها، وقد حظي القناع بمكانة مقدسة في المجتمعات القديمة حيث أصبح عنصرا مهما في طقوسها وممارساتها الدينية، بل أداة لتجسيد المقدس، يرادف الشخصية التي يعبرعنها أو النوع الذي يمثله. فعند الإغريق يتمثل هذا الطابع المقدس في تجسيد بعض الآلهة، في حين أن شعوب أفريقيا كانت تؤمن بأن هناك روحا تسكن القناع وتؤثرعلى وجودهم ومصائرهم الفردية والجماعية، وإن عدم احترامه وتجاوز قدسيته قد يؤدي إلى الخطر، فيما اليابانيون اعتبروه تجسيدا للقوة الإلهية وقد شكل عنصرا أساسيا، سواء في الطقوس أو في الفرجات المسرحية حيث اشتهرت اليابان بمسرح مقنّع هو مسرح (النو No). لقد عرفت امتدادات المظهر المقدس للقناع داخل (النو) عبر التحول من الإطار الديني إلى الإطار الجمالي. هذا التمثيل للآلهة عن طريق الأقنعة لدى اليابانيين قريب في أبعاده من الاستعمال الإفريقي لها، خصوصا وأنهم يؤمنون بأن الرقصات المقنّعة تمتلك القدرة على استحضار العطف الإلهي وبالتالي ضمان الخصب الطبيعي ونمو الزراعة. وفي اليونان القديمة عُرف نوعين من القناع (الطقسي والمسرحي) ارتبط الأول بالاحتفالات التي كانت تقام للآلهة، في حين شكل الثاني إكسسوارا في المسرحيات التراجيدية والكوميدية. والقناع الطقسي عند الإغريق ليس سوى جزء من مسألة أشمل هي تجسيد الآلهة، فتمثال الطقس يجسد الإله عبر خصائص الجسد الإنساني التي تعبر عن الحيوية والإثارة كالجمال والشباب والقوة، ولبعض القوى الإلهية صلات خصوصية بالقناع تجعل منه تعبيرا رمزيا عن مظاهر فوق- طبيعية.
لم يكن استخدام القناع منحصرا في المسرح اليوناني فقط، بل كذلك في المسرح الروماني أو مسرح الأسرار والمعجزات القروسطي، أو الكوميديا ديلارتي الإيطالية، والمسارح الآسيوية في الشرق كما مر ذكره، وجاء استخدام القناع في تلك المسارح وظيفة تقنية وتقليدا. فالوظيفة الأساسية للقناع في مسرح الأسرار والمعجزات الذي عرفته أوروبا في القرون الوسطى يرتبط بطبيعة المجتمع الأوروبي آنذاك، من خلال توزيع الأزياء حسب الطبقات الإجتماعية من حيث التصميم واللون الذي يعبرعن وضعية اجتماعية ما داخل التراتبية العامة للمجتمع والخروج عن هذه القاعدة يعتبر قلبا للتنظيم المجتمعي والتراتبية التي يجسدها اللباس. ويبدو أن التقنّع في المسرحيات الدينية استُخدم ضمن هذا الإطار، فبموازاة التراتبية الاجتماعية عن طريق اللباس، هناك ثمة أشكال لكائنات مسرحية عن طريق القناع دخلت كعنصر في فضاء اللعب المسرحي، حيث ارتبطت دلالة الأقنعة بطبيعة الفضاءات التي تحتويها. وأشكال التقنّع في مسرح القرون الوسطى كانت وسيلة لخرق المنظومة الفكرية والاجتماعية السائدة عن طريق الاستيهام، فالمسخ المجسد عبرالقناع الشيطاني ما هو في الحقيقة إلا تمثيل استعاري للسخرية من مجتمع تراتبي، وضرب للصورة الموحدة للجسد الاجتماعي.
وفي كوميديا الفن (ديلارتا) يأخذ القناع طابعا جديدا يتجاوز كونه مجرد وسيلة أو أكسسوار مسرحي كما توحي بذلك الدلالة الحرفية لكلمة (قناع) ليصبح تعبيرا عن مظهر ثابت أو خاصية دائمة لشخصية نمطية (هارليكان، بانتلون، سكابان،...). وقد ارتبط القناع في الكوميديا(ديلارتا) بالتصورالسائد في اعتبارها (مسرح ممثلين) يمتلك تقاليدا محددة وأسلوبا خاصا في العرض. وهذا التداخل بين القناع كأكسسوار وبين القناع كشخصية في الكوميديا ديلارتا، ومن خلال ثنائية داخل / خارج لم يعد كونه وجها آخر وإنما واجهة مفقودة، بمعنى أنه نفي للوجه باعتباره فضاءا جسديا يتمظهر عبره الداخل بشكل مرئي ومباشر. والفهم الحقيقي للقناع الديلارتي يتطلب النظر اليه عبر هذه الثنائية، حيث وجه الممثل يرتبط بدواخله وأعماقه النفسية و تاريخه الخاص وواجهته المفقودة - رغم ثباتها وتكرارها، بوصفها نمطية - تبقى مرتبطة بالخارج، أي بالصورة المعروضة على المتفرج.
يبدو أن الفترة التي عَرفت غياب القناع عن خشبة المسرح هي الفترة التي سيطرت فيها المحاكاة الأرسطية على طبيعة العروض، ولاسيما ذات الاتجاه الواقعي الطبيعي في القرن التاسع عشر، ولكن مع بداية القرن العشرين دخل القناع المسرحي عهدا جديدا، حيث عاد ليحضر وبقوة عند عدد من المخرجين أمثال كوردن كريج ومايرهولد وبريشت وبيتر بروك وغيرهم. وقد تأثرت هذه العودة بالشروط الفكرية والسياسية للمجتمع الأوروبي، كما ارتبطت بالتأثير القوي لمسارح الشرق (الصيني والياباني والهندي)، خصوصا وأن هذه المسارح كانت لها تقاليد أصيلة ومَعرفة عميقة بالجَسد ولغاته المتعددة.
وقد دشن المخرج الانكليزي (كريج) عودة القناع إلى المسرح في بداية القرن العشرين وجعل منه عنصرا مهما في المسرحيات التي أخرجها. والقناع عنده لم يكن اختيارا مسرحيا ذاتيا، وإنما استجابة طبيعية لروح العصر الذي عرفت فيه الحضارة تطورا هاما برزت معه رؤية محددة للاهتمام بالجسد وتميزت فيه وضعية الوجه الإنساني، وخصوصا في حقل الفنون التشكيلية. واعتبر كريج القناع أداة لإزالة الطابع الشخصي عن الممثل، هو (الرأس المثالي) للمسرح وهو التصور الذي جعله يرفض (نزقية وجه الممثل)، أي التعددية اللانهائية لتعبيراته باعتبارها انعكاسا لعدم استقراره النفسي.
سنة 1900 استخدم كريج القناع في مسرحية (ديدون وإيني)، وفي 1908 أخرج العدد الأول من مجلته التي سماها (القناع) وهي المجلة التي يُدل إسمها على الاهتمام الكبير بالقناع في التعبير المسرحي لدى كريج، بل يلاحظ أن (كريج) نفسه شخصية مقنعة، لأنه نشر العديد من دراساته وأفكاره تحت أسماء مستعارة. علاوة على هذا، تجسد اهتمامه بالقناع أيضا من خلال تصوراته حول الممثل فيما سمّاه بالـ super-marionette)).

وكان للمخرج الروسي (فيسفولد مايرهولد) اهتماما خاصا بالقناع، دون أن نغفل التأثير الذي مارسته الكوميديا ديلارتا على الشعراء الرمزيين الروس الذين تأثر بهم مايرهولد، بل وسعى الى تجسير العلاقة الثقافية معهم من خلال اهتمامه بالإتجاه اللاواقعي والشكلانية اللتان ميزتا مسرحه عن معاصريه. ووفق هذا التوجه اعتبر مايرهولد القناع رمزا وأداة مسرحية في آن واحد، حيث كان " يبغي من أسلبة الحركات والإلقاء والمناظر والأزياء، أن ينظر المتفرج الى داخل الشخصيات وليس الى مظهرها الخارجي. فالمكانة التي حظي بها القناع لدى مايرهولد - باعتباره أداة للتعبير عن جوهر الكائن - انعكس بشكل واضح على عمله في (الأستديو) عام 1913 مع مجموعة من الممثلين والراقصين وهواة المسرح الى جانب مجموعة من العلماء والرسامين والموسيقيين، وكانت مجلة (محبة البرتقالات الثلاث) هي لسان حال (الاستديو) الذي يشبه إلى حد كبير مدرسة كريج في فلورنسا ومعهد أوجينيو باربا. وقد شكلت الكوميديا ديلارتا محورا أساسيا ضمن اشتغالات الاستوديو، خاصة وأن مايرهولد نفسه كان يقوم باعطاء دروس حول (تقنية الحركة المسرحية) استعار فيها من الكوميديا المرتجلة ومن بعض المسارح الشرقية حيث كان يشير إلى ضرورة أخذ التوجيهات حول تقنيات التنفس من الهنود. لهذا فان مايرهولد لم يعمل على محاكاة أقنعة الكوميديا الإيطالية بشكل حرفي، وإن كان الاشتغال الجسدي في الاستديو يحيل بشكل دائم على اللعب المقنّع سواء في البحث عن الحيوانية أوعن العجائبي أو الفوق- طبيعي.
أما فضاء مسرح الألماني (برتولد بريشت) كان مسكونا بالحضور الشرقي الذي تجسد في اهتمامه بالأقنعة اليابانية المستخدمة في مسرح (النو)، وسرعان ما سيحوّل هذا الحضور المتجسد بالقناع إلى مادة أساسية في الكتابة بحيث يصبح القناع - كمادة ملموسة - وسيلة لإثارة المتخيل. ولعل ما تفصح عنه تجربة بريشت المسرحية في بعديها النظري والإبداعي تأكيدا في توظيفه القناع بكيفية متميزة وذلك من أجل رسم ملامح المسخ كإجراء جمالي يحقق أهدافا سياسية.
بريشت الذي وظف القناع في مسرحية رجل برجل (1926) من خلال استخدام جميع شخصيات المسرحية أقنعة بيضاء باستثناء (غالي غاي) الذي ارتدى قناعه الخاص قبل المشهد الأخير، كانت (رجل برجل) أولى مسرحيات بريشت التي وسعت فكرة الشخصية في استخدام القناع، والتي استمرت في مسرحيات أخرى له منها(الإجراء)، (الرؤوس المستديرة والرؤوس المدببة)، (إنسان ستسوان الطيب)، (دائرة الطباشيرالقوقازية). وإذا كانت التجربة المسرحية البريشتية قد تفاعلت مع التطورات الفكرية والسياسية للقرن العشرين، فإن توظيفه للقناع اتخذ طابعا خاصا بعد الحرب العالمية الثانية حيث عمل مع فرقته المعروفة (برلينرانسامبل) على الاستعاضة بالتقنّع عن القناع الثابت، هذا الاسلوب الجديد أعطى للقناع دلالة أوسع تتجاوز الوظائف التي يقوم بها كل من صانع القناع والمكلّف بالمكياج.
أما المخرج الإنكليزي (بيتر بروك) فكانت له رؤيته في استخدام القناع، حيث خرج من إطاره المحدود باعتباره أكسسوارا ليصبح تعبيرا عن حالة أو صفة ملازمة للوجود اليومي للإنسان. وأكد بروك أن التعبير اليومي (قناع) من حيث كونه إخفاء أوكذب في تناقض مع الحركة الداخلية، فالوجه بنظره يشتغل كقناع فما الجدوى من وضع وجه كاذب؟.. إن هذا التصور هو الذي جعل بروك يرفض في البداية استخدام القناع في مسرحياته لأنه كان يعتبر القناع بمثابة إضافة ذاتية إلى ذاتية أخرى مما يوحي بعبثيته ولا جدواه. وبحكم تأثر بروك بالمسارح الشرقية فإن وجه الممثل لديه أداة أساسية لخلق أقنعة كثيرة ومتنوعة. وقد تراجع عن موقفه هذا في مرحلة لاحقة حيث اضطر الى استخدام القناع في مسرحيته (مؤتمر العصافير). إلا أن القناع، رغم ذلك، لم يكن واحدا بالنسبة لبروك لأن فيه نوعين: أحدهما نبيل، عجيب، وغير طبيعي يشخصن القوى، وهو القناع التقليدي المقدس. والثاني ممل، منفر ومثير للاشمئزاز، وهي الخاصية الملازمة في نظره لأغلب الأقنعة في المسرح الغربي. ولعل هذا ما جعل بروك يتجه في تعامله مع القناع نحو استعادة طابعه المقدس أثناء استعماله كأداة جمالية.

مسرح القناع عند برانديللو (1867 - 1939)

يمكن القول ان المؤلف المسرحي هو من وضع - في الغالب - أسس البناء الدرامي ودلالاته الفكرية والجمالية، وكان من بين هؤلاء الذي يمكن اعتباره انموذجا للمؤلفين الذين أدخلوا تحديثا على مفهوم " القناع " هو الكاتب الإيطالي (لويجي بيرانديللو)، حيث خرج القناع عند برانديللو من إطاره الطقسي ليحمل طابعا فلسفيا ذي دلالات اجتماعية وثقافية للتعبير عن الواقع عبر ثنائيات فكرية وجمالية مثل (الصورة / المادة)، (الوجه / القناع)، (الحقيقة / الوهم). و تجلّت السمات الدلالية للقناع بأوسع صورها عند برانديللو من خلال جعله المسرح " قناعا " للبحث عن حقيقة الوجود الإنساني من خلال (المسرح داخل مسرح). ومن هذه الثنائية الفلسفية إنبثق مفهوما جديدا لمسرح القناع عند برانديللو في محاولة منه للكشف عن الحقيقة داخل لعبة المتناقضات والشكوك، والجنون والعقلانية، الشخصية واللاشخصية، الواقع الحياتي والواقع المسرحي. بل هي محاولة البحث عن قناع الوجود من خلال تمزيق تلك الأقنعة الثنائية والمتشابكة. وتميز مسرح برانديللو بالقدرة على صياغة نصوص تداخلت فيها الأساليب والإتجاهات لتحمل ملامح (الواقعية، التعبيرية، الملحمية، اللامعقول). ونؤشر هنا أن برانديللو كان له السبق في رسم ملامح الملحمية واللامعقول في المسرح.

وقد كان للأوضاع الإجتماعية والإقتصادية والسياسية في عصره تأثيرها على منجزه الأدبي بشكل عام، فالإنهيار الإقتصادي في صقلية (موطنه الأصلي)، وإفلاس والده، وسحق البرجوازية الصغيرة، ونمو الرأسمالية، وويلات الحرب (مشاركة ولديه في الحرب)، ومشكلاته النفسية الخاصة (حياته الزوجية السيئة المليئة بالمآسي والأحداث المثيرة)، كل تلك الظروف شكلت رؤية برانديللو الفلسفية وموقفه من الوجود الإنساني، حبث كان يعتقد أن الأحداث تتكون خارج حدود الإنسان وارادته، لذلك أصبح أدبه (رواية، قصة، مسرحية) يدور حول شيء يحدد سلوك كل شيء (الصدق / الكذب)، (العقل / الجنون)، (الوهم / الحقيقة)، ثنائيات تحدد صفات شخصية الإنسان وسلوكه، وتحدد مستويات الصراع الدرامي، حيث أصبح (جوهر العمل المسرحي) عند برانديللو هو تجريد العقل من خلال تحويله الى عاطفة نسبية غير مستقرة، وهذا التحوّل كان يقف وراء كل مآسيه التي وقعت.
ان المنهج الفكري الذي اعتمده بيرانديللو هو تلك العلاقة المثيرة بين العقل والشعور التي تؤطر تأويل الأحداث من خلال هيمنة (الألم الإنساني لا الفكر الإنساني) على مجمل أعماله. والحياة في الدراما من وجهة نظره قناع مزدوج، الأول يفرضه الكاتب على المسرحية، والآخر تفرضه طبيعة الحياة والعرض المسرحي. يقول برانديللو: " ثمة أقنعة... وكل يسوي قناعه وفقا لغايته، الأقنعة الخارجية لأن في داخلنا أقنعة أخرى لاتتفق مع الخارجية... وأيا منها ليس حقيقيا. الحقيقي هو الجبل والبحر والحصاة، حقيقية هي قشة العشب. أما الإنسان... فهو، أبدا، مقنّع دون إرادته ودون علمه.. ووراء ما يتوهم غالبا أنه هو، جميل طيب، محب، كريم أو تعيس، ذاك باعث مهم للسخرية والضحك ". وتجسدت هذه الرؤية من خلال قدرته على جعل المتفرج يعيش الشفقة والطرافة اللتين يثيرهما الخداع الذاتي الإنساني ونسبية الحقيقة. وعندها يدرك الكاتب أن دوره يتمثل في تمزيق الأقنعة كي يكشف عن الحقيقة، ويمكن لمثل هذا العمل ان يكون مصدر المعاناة التراجيدية، لأنه في لحظات معينة من الصمت العميق - كما يعتقد برانديللو -، وربما في ومضة من الجنون، يشعر الكاتب بعمق الوجود الإنساني. ويمكن لنا أن نتلمس لدى برانديللو اسلوبا متميزا في جدل التناقض داخل الموقف الواحد، وكل منهما يحاول أن يضع حدا للأخر حتى يفقد الوهم وجوده، وقد أصبح مسرحه مرادفا لمثل هذا التناقض " إن التشويش المتعمد للعنصر السردي، من خلال اقحام مسرحية على اخرى، يأتي كلعبة يكون المشاهد ضحيتها الحقيقية. ففي داخل المسرح يمكن للشخصيات أن تكون حقيقية أكثر من الناس، ويكون الممثلون الفعليون مجرد أدوات تشخيص متعاملين مع الوهم. إنها لعبة المتناقضات الظاهرية، شخصية لاتستطيع أن تموت ومع ذلك ليست حيّة. ومكان المسرحية هو المسرح ذاته، أي أن الوهم هو الحقيقة ". وتعد مسرحية (ست شخصيات تبحث عن مؤلف) أفضل تعبير عن هذه الفكرة، تبدأ المسرحية بالتضليل والوهم، فالمتفرج يدخل المسرح فيجد التدريبات متواصلة فيعتقد أن هذا هو العالم الواقعي كما هو في الخارج، ويحصل ذات التضليل في مسرحية (أنت على حق) فالأحكام المتضاربة عن الجنون والعقلانية بالنسبة للشخصيات الرئيسة تضلل المتفرج بقدر ما تضلل سكان المدينة الذين يسمعونها. كما أن (هنري الرابع) تجعلنا نشك بسلامة عقل البطل تماما كأولئك الموجودين على الخشبة، ولذلك نخضع لنفس التقلبات مابين التكذيب والتصديق.
إن تنوع الموضوعات التي تناولها برانديللو في مسرحياته لم تخرج عن نطاق رؤيته الفلسفية منذ أن بدأ كتابة قصصه أو روايته، للتعبير عن الصراع بين مستويات الحقيقة عبر اسلوب تأثر بثلاث نزعات شهدها عصره (الواقعية، الطبيعية، الذهنية) مع بعض التقمصات شبه الشعرية من أجواء الفلكلور الشعبي، وهذه النزعات الثلاث تتباين بين مسرحية واخرى في نسبة كل منها، إلا أنه قلما تخلو مسرحية واحدة من هذه الطبائع. ومن الموضوعات والقضايا الأساسية التي شكلت جوهر نصوصه المسرحية للتعبير عن الواقع المأساتي للإنسان، والسخرية القدرية التي تحيط بمجريات حياته اليومية (الغيرة، الخيانة الزوجية، تمجيد الأمومة، البدائية والطبيعية، العاهات الإجتماعية، البراءة والقوة، انتفاء الحقيقة والشخصية الإنسانية، موضوعة الفن) وكل هذه الرؤى الفكرية تجسدت عبرالعشرات من المسرحيات التي كانت تحاكي الواقع بجرأة وموضوعية، وإن كل ماينتسب الى الغريزة هو الوجه بالنسبة لبرانديللو، إنه الأصل والجوهر، وماتبقى هو الذات الإجتماعية والوعي والقيم الأخرى التي تنتسب الى القناع، أما ما يتخطى الغريزة ويناقضها فليس له حقيقة فعلية " ان الذي أفسد طينة الإنسان والمجتمع، وأخرج الإنسان عن ذاته، أفسد على تلك الغريزة طمأنينتها ". فالمجتمع بالرغم من فساده يقتضي البراءة والتقية، ومن يخرج على حدوده ينال أقسى العقاب ويعيش حياته بالألم والتهويل، وبذلك تتحقق الأزدواجية في الوجه والقناع الإجتماعيين.
مما لاشك فيه أن برانديللو تأثر بالعلوم التي ظهرت في القرن التاسع عشر كعلم النفس وعلم الإجتماع وغيرها من العلوم التي غيرت الكثير من المفاهيم والقيم السائدة، حيث بات الإنسان وكأن هناك قوى أخرى تحرك سلوكه وتحدد مساره المأساوي في الحياة. وكان برانديللو له اسلوبه الخاص في الدفاع عن الأراء والمعتقدات من خلال شخصياته المسرحية، فهو حينا (توتي) وحينا (لوديزي) وحينا آخر (دييغو)، أو (هنري الرابع)، وحينا (الوالد) في ست شخصيات، فكل شخصية كانت تمثل الشيء وضده وكأن هناك حقائق بقدر ماهناك من ذوات. إن المرء يحمل في ذاته الواحدة ظاهرا الآلاف من الذرات من الذوات الغامضة الأخرى، وأنه محكوم عليه بالذات السفلية التي مزقت القناع خفية وقطعت أوصاله. ان القناع يبقى حاضرا دائما في تجربة برانديللو المسرحية، إنه يعادل تجربة الصورة / المادة، أو المظهر / الجوهر، وتمظهر القناع عند برانديللو بصيغ عدة وفقا لبنية النص الدرامية وطبيعة الأحداث والشخصيات فهو يأتي مرة لحمل دلالة البراءة ونقيضها، واخرى يحمل دلالة اجتماعية وذاتية، وثالثة يحمل طابعا فلكلوريا جماعيا، ويدنو القناع في تمظهراته من (المسرح داخل المسرح)، فالكل يرتدي الأقنعة والكل يمثل، فأيهم الوهم وأيهم الحقيقة " كلهم يرتدون الأقنعة، وكلهم يمثلون أدوارا اقتضيت عليهم من الإستاذ (توتي) الى (جيو كومينو) الى (سنكماني) الى (ماريانا)، وتبقى (روزاريا دلسي) شقيقة (جيوكومينو) والأب (لاندولينو) وكأنهم يمثلون صورة عليا هي ذاتها قناع كثيف محجّل على موبقة القسوة والدهاء ودحر الآخرين ". فحيثما قامت الصورة والقناع في مسرح برانديللو فهناك ملامح المسرح داخل المسرح.
وهكذا يتبن لنا مدى عمق مسرح برانديللو الذي كان يرمي من خلال نصوصه الى أن يبرهن على ان الحقيقة أمر نسبي، فكثيرا مايخطيء الإنسان وتلتبس عليه الأمور في الوصول الى حقيقة الأشياء، بل وحقيقة الوجود، وجوده المرتهن بالقوة الأخرى الخارجية التي تجعل منه كائنا مسيرا الى حتمية مأساوية تثير الألم والسخرية، دون أن يتمكن من معرفة أو تلمس وجوده وسط ثنائية الوهم والحقيقة.


الولايات المتحدة الأمريكية
Ihsan28@live.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
عطاء متواصل
د. حسين الانصاري -

مقالك جميل ويتوفر على معلومات دقيقة وهامة تتعلق بالقناع وتطور استخداماته الفنية والتعبيرية عبر مر العصور، تحية لك ايها الصديق الذي عرفته مبدعا من سني الدراسة ببغداد، اخوكمد. حسين الانصاري -السويدalansari_h2@hotmail.com

عطاء متواصل
د. حسين الانصاري -

مقالك جميل ويتوفر على معلومات دقيقة وهامة تتعلق بالقناع وتطور استخداماته الفنية والتعبيرية عبر مر العصور، تحية لك ايها الصديق الذي عرفته مبدعا من سني الدراسة ببغداد، اخوكمد. حسين الانصاري -السويدalansari_h2@hotmail.com

عطاء متواصل
د. حسين الانصاري -

مقالك جميل ويتوفر على معلومات دقيقة وهامة تتعلق بالقناع وتطور استخداماته الفنية والتعبيرية عبر مر العصور، تحية لك ايها الصديق الذي عرفته مبدعا من سني الدراسة ببغداد، اخوكمد. حسين الانصاري -السويدalansari_h2@hotmail.com

مقال معرفي
عبد الخالق كيطان -

شكراً أيها الرائع احسان على هذا المقال المعرفي... ننتظر جديدك..

مقال معرفي
عبد الخالق كيطان -

شكراً أيها الرائع احسان على هذا المقال المعرفي... ننتظر جديدك..

مقال معرفي
عبد الخالق كيطان -

شكراً أيها الرائع احسان على هذا المقال المعرفي... ننتظر جديدك..

تحفة القناع
عبدالرحمان أمزيان -

أمثالكم من يساهمون في التراث الانساني ويعرفون به

تحفة القناع
عبدالرحمان أمزيان -

أمثالكم من يساهمون في التراث الانساني ويعرفون به

تحفة القناع
عبدالرحمان أمزيان -

أمثالكم من يساهمون في التراث الانساني ويعرفون به

ماهو أهم
جعفر معله -

عزيزي الرائع احسان الخالدي , سعيد وانا اجدك لازلت تتنفس المسرح, وهذا هو الاهم. مودتي لكجعفرمعله

ماهو أهم
جعفر معله -

عزيزي الرائع احسان الخالدي , سعيد وانا اجدك لازلت تتنفس المسرح, وهذا هو الاهم. مودتي لكجعفرمعله

ماهو أهم
جعفر معله -

عزيزي الرائع احسان الخالدي , سعيد وانا اجدك لازلت تتنفس المسرح, وهذا هو الاهم. مودتي لكجعفرمعله

رؤى الصغير
Roua Sghïer -

أشجع كل من ساهم بهذا المشروع و إن شاءالله سأكون عضوة وفية لهذه القناة