ثقافات

"كيف نحكي المواطنة؟".. رحلة البحث عن نسق إنساني

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

مدحت صفوت محفوظ: "نحو مراجعة نقدية للثقافة المصرية" هو العنوان الثانوي لأحدث مؤلفات الباحث سيد إسماعيل ضيف الله، والمعنون بعنوان رئيسي "كيف نحكي المواطنة؟". في الحقيقة أنني دخلت على أسئلة الكتاب وهواجسه كقارئ متربص، مهيأ للاشتباك، الاتفاق، الاختلاف، التصالح، التنازع، القبول، والرفض، نظرا لمعرفتي البحثية بمؤلف الكتاب، عن طريق القراءة،؛ حيث قرأت بعض أوراقه المنجزة من قبل، كتاب "الآخر في الثقافة الشعبية" خاصة. ولم يفتأ من حماسي سيطرة السؤال المعنون به الكتاب "كيف نحكي المواطنة؟" متضافرا مع مقولة الأستاذ السيد يس "في مجتمع ينعت بمنتجعات هنا وعشوائيات هناك".
في البداية، يجدر بنا أن نشير إلى النقاط التي يدور حولها الكتاب، والمحتوي على اثنتي عشر مقالة، ومقدمة عنونت "بالمراجعة النقدية ضرورة لتصحيح المسارات"، وتتمثل هذه النقاط في:
1-المستعمر همجي حتى لو ارتدى مسوح الحضارة.
2-محاولات الإصلاح، في تاريخنا الحديث، أذرتها الرياح بموت المصلح الأوحد.
3-مصر ليست أمنا التي يتوجب علينا إطاعتها إلا في الشرك بالله.
4-الأوهام ضرورة حياتية، لا غنى عنها في تشكيل الناس ثقافتهم، والوهم هنا ليس نقيض الحقيقة، وإنما وسيلة الذات في توسيع ذاتها على حساب الذوات الأخرى.
5-البحث عن "شماعة" لتعليق أخطائنا عليها، سمة من سمات الشخصية الوطنية، ومطلب من متطلبات الفهلوة.
6-ثمة تغيرات طرأت على الشخصية الوطنية للمصريين، تتمثل في
أzwnj;)توجهات دينية استقطابية لا تعترف بالآخر المختلف وتميل إلى تكفيره واستبعاده.
بzwnj;)جماعات تميل إلى التعامل بعنف مع السلطة والمجتمع، وإن لم تشكل تيارا عاما بعد.
تzwnj;)رغبة في الهجرة إلى أي مكان في الأرض، بعيدا عن الأحوال المعيشية الصعبة.
ثzwnj;)حالة عامة من الإحباط والضيق والقلق، لكنها لا تتشكل في صورة فعل يهدف إلى التغيير.
جzwnj;)شراهة استهلاكية لدى الجميع رغم الفقر.
7-معاناة مصر من تراجع مستوى الاجتهاد الفقي لا تنفصل عن تراجع أدوارها على الصعد السياسية، الاقتصادية، والثقافية، سواء في الدائرة العربية، أو الإفريقية، أو الإسلامية؛ فضلا عن الدولية.
8-التدين الشعبي المصري متحف عقائد متراكمة، طبقات بعضها فوق بعض.
وفي المقالة الثالثة "كيف نحكي المواطنة؟" يشتغل الباحث على السياقات المستخدمة فيها كلمتي "مواطن" و"وطني" في الصحافة المصرية ليوم واحد، اختاره الباحث اعتباطيا، حدّ زعمه، وهو يوم الأربعاء الموافق 15 أغسطس 2008، ليقرأ فيه صحيفة "الأهرام" القومية/ الحكومية، جريدة "المصري اليوم" جريدة خاصة أقرب إلى التوجه الليبرالي، جريدة "البديل"، متوقفة الآن، جريدة خاصة أقرب إلى التعبير عن التوجه اليساري، ومن الجرائد الأسبوعية اختار جريدة "القاهرة" التي تصدر عن وزارة الثقافة وتعبر عن التوجه العلماني، وجريدة "صوت الأزهر" التي تعبر عن التوجه الإسلامي الرسمي بشكل عام، مع ملاحظة أن كلتا الجريدتين "القاهرة وصوت الأزهر" تصدران عن جهتين تعملان لحكومة واحدة!!
وعن طريق أدوات وآليات تحليل الخطاب الصحفي، والتقليب في عتبات الموضوعات "المانشيتات"، والتنقيب في محتوى هذه الموضوعات، والتعقيب عليها، يقوم الباحث بالبحث عن سمات الشخصية الوطنية للمصرين، الموسومين بشعب "تجمعهم زمارة وتفرقهم عصاية"، راصدا الأسباب التي تحول دون خروج المصريين من دوائر الاستبداد والتطرف والتخلف إلى دوائر التقدم والرقي والازدهار، وأجملها في:
1-التوحد مع المستبد والفاسد بالبحث عن مبررات لفعله ليريح نفسه من مواجهته.
2-الاعتقاد في أن نهاية الحاكم المستبد قدرية.
3-تشكيل علاقاته الاجتماعية في إطار دائرة المتشابهين معه فقط، مما يحول دون انخراطه في فئة المثقفين وتبني قضاياهم النخبوية لأنها لا تمس قوت يومه بشكل مباشر.
4-النكتة تقوم بعملية تفريغ شحنات الغضب أول بأول كحل أناني فردي لأزمة عامة.
5-لا يخرج المصري عن سلبيته إلا عند انسداد باب الرزق فلا يجد قوت يومه.
ويؤكد الباحث أن مصر كانت بتعبير جمال حمدان هي "حاكمها"، والمواطن لا شيء لكن الحقيقة أن رأس الطغيان سلبية المواطن ورضوخه للسلطة ونفاقه لها. ونؤكد، نحن، على أن الحاكم الحقيقي لهذا البلد "الأمين" هو "الجنرال خوف"، والمسبب لأكبر آفة وهي الرضوخ للديكتاتورية ونفاقها. الجنرال خوف هو الخالق الحقيقي للآلهة في بداية الرحلة البشرية على سطح الأرض، وهو المؤله للحكام والسلاطين بعد مرور ملايين السنين من بداية الرحلة، وفي ظل بلوغ التقدم الإنساني ذروته.
لذا فإن التخلص من هذا الجنرال، وإعدامه في ميدان عام، داخل رؤوس المواطنين وبأيديهم، رميا بالحجارة مثلا، كتهشيم صورة على لوح زجاجي، هو الخطوة الأولى والأهم في إصلاح ما أفسدته السنين. غياب الجنرال هو الضمان لعدم إضاعة الإصلاح بموت المصلح، لأن ساعتها سيكون "المصلح الأول" هو القاعدة الاجتماعية العريضة.
ديكتاتورية الأنظمة لم تهزمنا، كما لم يهزم تفوق الحلفا دولَ المحور، فمثلما لعب الجنرال جليد دورا بارزا في الحرب العالمية، يلعب الجنرال "خوف" وحلفاؤه الجنرالات وهم، جهل، فقر... وهم كثر، الدورَ الأساسي في تفحل غول السلطة واستبدادها. ويترائ لنا أن السبيل لتغييب هذا الجنرال ليس سهلا؛ بل هو طريق وعرة تسكنه الذئاب والضباع ووحوش إعتادت على التقوي بدماء الضحايا، كبطل رواية الكاتب الايرلندي برام ستوكر، لكن لا سبيل أمامنا سوى المحاولة التي توجب على المثقفين الاتحاد بالشعب وقضاياه، وعمل إئتلاف يسعى نحو مشروع تنويري/ نهضوي حقيقي، خلاف المشروع التنويري القائم على اتفاق السلطة والمثقف في مواجهة الأصولية في الثمانينيات والتسعينيات، ظنا من المثقف أن المؤسسة ضد الأصولية، لكنها، في جوهرها، أصولية، وإن تصدت لبعض مظاهر الأصولية. وأثبتت إزدواجية المؤسسة ذلك، ففي ذروة دعوتها للمثقف على محاربة الفكر الأصولي، أسندت وضع المناهج التعليمة، بل إدارة العملية التعليمية برمتها، إلى أصولي من نوع آخر.
يتوجب على الإئتلاف المرجو السعي نحو إيجاد دستور حقيقي، "الشرطة" بتعبير رفاعة الطهطاوي، دستور ضامن حقيقي لممارسة الحريات، خالية مواده من التذييلات الناسخة لنصوصه، مستهدفا خلق حالة ديموقراطية عامة، تنتج مثقفين وقيادات لكل طبقة ملتزمين بقضاياها؛ فضلا عن مناخ يسمح بتطبيق هذا الدستور.
ويتطلب تحقيق هذا الحلم وجود المثقف/ الدور بمفهوم إدوارد سعيد، بعيدا عن المثقف الحالي، وهو واحد من فريقين، أولهما: نخبوي يعيش في برجه، بعيدا عن قضايا المجتمع الحقيقة، أو بتعبير أدق، العملية ذات الصلة المباشرة بالإنسان العادي، مفضلا البقاء في "الخانة الآمنة" وعدم الاشتباك مع الواقع المعيش وتبريره أحيانا. أما الفريق الآخر فيتمثل في الفريق الذي "لم يضبط المسافة" بينه وبين المؤسسات المتهالكة والمتجذرة في التسلط والديكتاتورية، وارتضى بكامل إرادته أن يكون ترسا في ماكينات طحن الفقراء وقهرهم، مترجلا إلى أحضان السلطة لا لتبرير الواقع فحسب؛ بل لتزييفه أيضا. ما يعني أن المثقف وضع فاصلة، سواء كبرى أوصغرى، بينه وبين الناس ومؤسساتهم، أدت في النهاية لانعزاله بعيدا، حتى أصبح تأثيره "كبقعة زيت على سطح المحيط" بتعبير د.زكي نجيب محمود.
وفي المقالة السادسة "هل أصبح المصري للمصري كالآخر المتربص؟" يرصد ضيف الله أسباب الاحتقان الطائفي ويجملها في و"جود الخط الهاميوني"، لكننا نرى أن المسأل أعقد من ذلك، فلا يجوز حصر أسباب الاحتقان الديني في عملية تسهيل إجراءات بناء الكنائس أو تعقيدها، فإذا كان عدم إطلاق الدولة حرية بناء دور العبادات لعب دورا، فإن الكنيسة المصرية وخطابها الرسمي لعب دورا كبيرا، إذ يتوجب على الكنيسة تغيير خطابها المنحصر في طلبات تتمحور حول الطائفية كبناء الكنائس، وكوتة دينية في المجالس التشريعية والنيابية، كما يجب تجنب استخدام مصطلحات ومفاهيم كشعب الكنيسة، وتغيير مفهوماتها وآلياتها التي تخرج مواطنا سلبيا انهزاميا، مؤمنا بالخرافات والأساطير بتعبير كمال غبريال.
يتطلب من الكنيسة، والأزهر أيضا، والمؤسسات المدنية وغيرها التوجه بخطاب مواطنة، والدعوة إلى الخروج من أزمتنا الحقيقية، المتمثلة في وجود الإنسان في أنساق غير إنسانية. والعمل على إيجاد مناخ ديموقراطي حقيقي مرتبط بمشروع ثقافي، لأن الديموقراطية بلا مشروع ثقافي تغدو لعبة زائف حدّ خطاب د.نهاد صليحة.
"الآخر في الثقافة الشعبية كتاب لشاب شيخ؛ به حماس الشباب وحكمة الشيوخ" هكذا وصفه د.أحمد مرسي، كذلك كتاب المواطنة. فبعد الانتهاء من قراءة الكتاب، وإن كنت مثلي لا تعرف المؤلف شخصيا، يصدمك بيان السيرة الذاتية للمؤلف، فالكتاب لمؤلف أكمل السادسة والثلاثين سبتمبر الماضي، ويزداد اندهاشك إن كنت في بداية طريقك البحثي، كحالي، مما يؤكد أن هذا المجتمع، رغم أمراضه، أزماته، معاناته، ورغم جفاف نيله المتوقع، وتبوير تربته القائم على قدم وساق، إلا أن شباب باحثيه مازالوا يملكون أدوات خروجه من العتمة إلى النور.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
عرض جيد
رهام محمود -

عرض جميل جدا للكتاب، ولغة كتابة عميقة، أحييك د. مدحت على هذا العرض الرائع.