عبد القادر الجنابي: فقط الشعر الرديء لا يمكن ترجمته!
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
حوار أجراه انطوان جوكيه: مهمةٌ هي "الأنطولوجيا البيانيّة" التي وضعها الشاعر العراقي عبد القادر الجنابي وصدرت كالجزء الثاني من سلسلة قصيدة النثر التي تُعنى "دار الغاوون" بنشرها؛ مهمة الى حد دفعنا على الالتقاء بالجنابي، في شقته الباريسية، لمحاورته حول هذا العمل الفريد من نوعه إن على مستوى الشكل أو المضمون أو جهد
-كيف جاءت فكرة هذه الكتاب؟
كان في نيتي أن أتناول الحداثة الشعرية بمفهومها الغربي في كتاب، وعلى شكل عرض نقدي للمذاهب الشعرية مع نماذج كالسوريالية، الدادائية، المستقبيلية، الهرمسية الخ. لكني وجدت هذا تقسيما انطولوجيا رتيبا وتجميعيا من السهل انجازه، وخطورته يجعل من الخلق الشعري قضية ماض وكل ما يستحقه هو زيارة له. بينما الشعر هو إشكالية راهنة لا تعرف ماضيا أو مستقبلا، وإنما هي حاضرة بكل تاريخها وما يتجدد عنها. لذا اخترت مواد معينة مما قمت به من ترجمات ووضعت سياقا جديدا مختلفا يزيح الترتيب الزمني الذي تعودت عليه الدراسات الجامعية، فعوض أن ابدأ بمطلع القرن الماضي بكافكا او تراكل، بدأت بنخبة قصائد وشذرات لشعراء معظمهم معاصرون تدور حول تعريف الشعر لكنها تفتح آفاقا أوسع لتعاريف بلا نهاية. وتبدأ الانطولوجيا بشاعر مكسيكي من سبعينات القرن الماضي لتنتهي بشاعر من الخمسينات. وكل هؤلاء الشعراء المتنافرين ظاهريا، يربطهم رابط واحد هو أن الشعر، بعد ان انتقل عبر التحديث الذي شمله في القرن العشرين، من رمزية انطباعية مطاردة المطلق، فأصبح قضية لغة فحسب، سواء كان صوتيا أو صوريا. ولكل واحد من هؤلاء الشعراء أصالته في هذه المطاردة وعملية الاكتشاف. ومن جعبتهم طلعت مسارب شعرية عريضة، تجدها اليوم متمثلة في نتاج عشرات الشعراء المشهورين.
-وما تقصد بأنطولوجيا بيانيّة؟
حتى عندما أكتب قصيدة، أفكر على نحو تنظيري؛ توليف عناصر تبدو متضاربة من أجل خلق نظام شعري متناسق، وبالتالي أريده أن يكون بيانا للفكرة. ويمكنك أن تلقي نظرة على المجلات التي اصدرتها خلال اربعين عاما، حتى تكتشف أن هناك طابعا انطولوجيا متناسقا لكل عدد من كل مجلة. كنت أتقصد في كل عدد من "فراديس" مثلا، على هذه الناحية من التوليف إما بتقسيم العدد الى أقسام تحت عناوين فرعية أو برمي عبارات أسفل الصفحات، من أجل إعطاء نبرة متفردة وخاصة للعدد، ذات طابع حركي بياني. لوليم بليك قول معبّر مفاده: "عليّ إما أن أخلق نظامي (انطولوجيتي) أو أن أقع في فخ نظام الآخر". ونفورا من الانطولوجيات العربية الثقيلة الدم، قررت خلق أنطولوجيتي، أي النظام الشعري عينه، دون أن أسقط في فخ التعليمية والمدرسية؛ فخ الأخر الموضوعي بين قوسين على حساب ذاتية الشعر؛ هذا الفكر الرهيف. في كتابي الترتيب الزمني غير موجود... وتتابع الشعراء في فصول عناوينها استفزازية بقدر ما هي دقيقة. وكأن هؤلاء الشعراء في حفلة تنكر يحررون القارئ من نمطية القراءة التي تجعله يغفو دون أن يحلم. كما أن البعد الجغرافي متلاش كليا، فهنا شعراء هُويتهم الأساسية الشعر وليس مسقط الرأس... يشكلون انفرادات خارج الولاء القومي؛ شعراء خوارج على تاريخهم وثقافتهم. والإشكالية التي تكلّم/ يتكلّم عنها الشعراء الموجودون في الكتاب هي إشكالية آنية حاضرة في شعر اليوم عالميا. لذا لايمكن اعتبار هذه الانطولوجيا عملا تجميعيا بالمعنى المتعارف عليه. كان بإمكاني إضافة شعراء عديدين... وبالفعل كان هناك عدد من شعراء آخرين وممتازين، لكنني حذفتهم لأني شعرت بوجودهم يربك كثافة الانطولوجيا وتوترها، ويجعلها مجرد كيس من الأصوات.
في هذا الكتاب كل ما تطمح إليه أناي من صور، آفاق وإيقاع، محاولةً لتبيان الآخر الموجود داخل الأنا. باختصار: أردت هذه الأنطولوجيا أن تكون بيانا في الشعر الحديث بقدر ما كانت النماذج نفسها بيانات شعرية تحررية في لغاتها. وهل هناك متعة أكبر من أن تخلق كتابا يُقرأ كقصيدة واحدة مترامية الأطراف.
-وهل حققت هذا؟
أترك هذا الأمر لناقد نزيه مطّلع. أنا، من ناحيتي، كل ما آمل به هو أن احقق نصف ما حدده ذات مرة الشاعر والفنان السوريالي البلجيكي تي. ل. ميسنز في رسالة كتبها الى شاعر كان في نيته إعداد انطولوجيا للقصيدة الأوروبية الحديثة: "ياللانطولوجيا التي تُعدّ على نحو ذاتي وبتناسب متناغم وصارم وكأنها منغلقة على صوت شعري واحد، ومع هذا فإن من يقرأها سيشعر أنه يقرأ أفضل انطولوجيا موضوعية وعادلة حيث الحداثة الشعرية بكل أصواتها المتعددة حاضرة بقوّة، بالرغم من غياب أسماء باتت جد معروفة؛ انطولوجيا يتعلّم منها كل الشعراء، خصوصا أولئك الذين باتوا معروفين، حقيقة الشعر وكيفية كتابته بصوت مفتوح، كيفية غائبة عن كل مناهج الشعر المدرسية."
-لك أسلوب خاص بالترجمة وتلح دائما في مقالاتك على أهمية الترجمة الدقيقة.. هل لك ان تنوّرنا بمفهومك للترجمة وكيف تعمل كمترجم؟
بالضبط، حتى يكتمل الطابع البياني للانطولوجيا، بذلت جهدا جهيدا على أن تكون الترجمة دقيقة معنى وشكلا مع ابراز جودة شعرية. هناك من يتحجج بأنه لا يترجم حرفيا فتمتلئ ترجمته بالمعاني الخاطئة. الترجمة إما أن تكون دقيقة أو لا؟ ودقتها لا يعني أنها تفقد نبرتها الشعرية أو الجمالية، وإنما أن يتحول الأصل، في ترجمة الشعر، إلى نص مواز له. في الترجمة الأمينة لروح النص وشكله ليس هناك حتى مجال للترادف، عليك اختيار الكلمة الدقيقة التي لا يمكن أن تستبدل حتى بمرادف. مثلا feacute;erique في قصيدة رامبو "ضحوة السُكر"، يجب أن تُترجم بـ"خلابة" وليس بـ"فاتنة".. لأن كلمة feacute;erique اصلها من feacute;e وتعني الجنية في الأساطير الآرثرية، والجنيات في هذه الأساطير جد صغيرات أشبه بالنحل وتحوم حول الرأس تخلب البصر. يكفي ان ترى اعلانات والت ديزني حتى تفهم ما أقصد. فكيف اذن بمترجم يضع كلمة "شيّقة" البعيدة حتى عن الترادف.
أنا أقرأ النص عشرات المرات عسى أن أمسك حيلة الشاعر الكتابية. لكل شاعر حيلته الكتابية؛ ضربته، معالجته للموضوع، استخفافه من القارئ، عبثيته بإبقاء كلمات غير مفهومة. باختصار لكل شاعر خبزته التي يعيش عليها. كما يجب معرفة سيرة الشاعر، باختصار الاحاطة الشاملة بالنص والشاعر وعندها ما إن تربط في دماغك بين اللغة المترجم منها واللغة المترجم إليها، حتى "ينساب الفكرُ في السيفون كالسائل من واحدة إلى أخرى دون أن يفقد قطرة واحدة" على حد تعبير احد المترجمين.
-هناك قصائد مترجمة في انطولوجيتك، عن لغة وسيطة أي ليس عن النص الأصلي...
نعم، كقصائد تسيلان، لوركا، بوبروفسكي وخواروث... هنا لي طريقة أفادتني جدا الى حد ان الأستاذ اسعد خير الله عندما اعطيته اربع قصائد لتسيلان ليعطيني رأيه في ترجمتي، استغربَ كيف وصلت الى هذه الدقة وأنا لا أعرف الالمانية. عندما يكون النص مكتوب بلغة لا أعرفها كالالمانية مثلا، أجمّع كل الترجمات، الفرنسية والانجليزية، المختلفة لهذا النص. ومن خلال المقارنات أضع نسخة عربية جد قريبة، ثم أبدأ بالرجوع الى النص الأصلي مع واحد من ابناء لغته، للتأكد من بعض الاختلافات بين هذه الترجمات، حول كلمة او بيت. أعطيك مثلا، وجدت اختلافا في بيت من قصيدة لشاعر روسي اسمه خارمس (الذي قدمته في العدد 31 من جريدة الغاوون)، في الترجمتين الفرنسيتين للقصيدة، الأول وضع: "اجتثاث فكر المُحادثين". والآخر: "التعمّق في فكر المُحادثين". بينما في الترجمة الثالثة الانجليزية جاء على النحو التالي: ""التدقيق في فكر المُحادثين حتى التفنيد". الصديقة الروسية التي راجعت معها القصيدة قالت لي أن الانجليزية هي الأقرب. عندها أدركت لماذا وضع الأول كلمة "اجتثاث" بينما المعنى المراد هو: "دحض فكر المُحادثين". أي نص من لغة لا أعرفها، لا أبدأ بترجمته ما لم يتوفر لدي على الأقل ثلاث ترجمات مختلفة للنص نفسه. وقد وضحت هذا في مقدمتي لباول تسيلان.
-هل لك قواعد معينة للترجمة؟
لا نظريات ولا قواعد، كل ما لدي هو النص ممددا أمامي أنتظر منه كشفا يوجهني صوب فتنته الداخلية. لكل قصيدة لها طريقة ترجمة تلائمها. لكنْ ثمة توجيه واحد: على المترجم أن يستنشق النص الأصلي إلى درجة تمكنه من أن يزفر في ترجمته ما استنشقه.
-هناك من يقول ثمة شعر من الصعب ترجمته... ما رأيك؟
أنا أقول فقط الشعر الرديء لا يمكن ترجمته. أما الشعر الحقيقي مهما كان صعبا فإنه يمكن ترجمته، وما الصعوبة سوى لذة العمل الشعري نفسه الذي تنهمك فيه عندما تكتب قصيدة. فعل الترجمة عمل شاق يشغّل كل الحواس. إنه تعاشق مع آخر يلعب معك الغُمَّيضة. من يستسهل الترجمة، يستسهل فعل الكتابة نفسها. في الحقيقة أن الصعوبة التي كانت مرتبطة بالشعر الكلاسيكي المعتمد على الوزن والقافية واللعب اللفظي، لم تعد موجودة في القصيدة الحديثة، الأوروبية بالأخص، ذلك لأنها تحررت من الدندنة الوزنية، وأصبحت في معطى المعنى؛ ثمة منطق داخلي يحركها، وفيها الصورة الشعرية تفكّر. وما عليك إلا أن تنقلها مثلما يُنقل لحن من آلة إلى آلة أخرى. لكن يجب أن لا تنسى أنه بقدر ما تولّد انطباعا لدى القارئ كما لو انه يقرأ نصا مكتوبا بالعربية أصلا، عليك أيضا أن تُشعره أنه يقرأ لغة أخرى، نفسا آخر لم تعهده لغته الأصلية من قبل.
-أين انت من السوريالية اليوم؟
هناك سوريالية تاريخية، أي كان لها تبريرها التاريخي كحركة تحتاج الى اتيكيت السوريالية، هذه انتهت بالنسبة الي منذ ربع قرن. وهناك السوريالية الأبدية التي كما يقول جان شوستر "تساعد على معرفة الخصائص الحلمية كلها وعلى التمتع بها وتمكن الحلم من أن يكون في الحياة العملية عنصرا ضالعا في تقرير مصائر البشر... وهذا يعني أن الفعل السوريالي اليوم هو الإيمان بالحب وتمجيد العشق والثقة بالطاقات الثورية التي تختزنها اللغة وبالطاقات الثورية الكامنة في العلاقات الاجتماعية والانخراط في إحدى هذه الطاقات والصراع بدون هوادة ضد كل أشكال القمع البوليسي، الفكري والديني". انا سوريالي أبديا بهذا المعنى. لكن أوضح، والمعذرة لتكرار نفسي للمرة الألف: أنا لم انتم، أبدا، إلى السوريالية بالمعنى الايديولوجي للكلمة، إنما كان انتمائي لها تبنيّا لطاقتها الشعرية بكل ما تمتلكه من حرية ومسؤولية أخلاقية. فالسوريالية هي الشرارة الوحيدة التي أنارت في الشعر؛ مبدأ اللغة الأعلى، فمنحتني بذلك كائنيتي كفرد في مهب الطريق لا سلاح له سوى المواجهة الصريحة مع كل طارئ وثابت.
-سؤال أخير قد يبدو لك استفزازيا. في مقابلة مع جريدة عراقية، قال أدونيس بأنك منذ ثلاثين عاما لم تستطع أن تكتب جملة شعرية واحدة... ما رأيك في هذا الكلام؟
أولا من قال له بأني أسعى إلى كتابة جملة شعرية، أي، كما يُفهم منها في أوساط البلاغيين والشعراء الحقيقيين، جملة إنشائية؟ ثانيا: يقول أدونيس "منذ ثلاثين عاما.." (في الحقيقة أنا أكتب شعرا منذ 45 سنة!!) هذا يعني انه قرأ كل ما كتبتُ طوال ثلاثين عاما فخلصَ إلى أني لم أكتب جملة شعرية واحدة، وإلا سيُتَّهَم بأنه يتكلّم جزافا أو عن شعور بأني أنافسه في هذا الميدان، وهذا ما يبدو حقا، لأنه عندما سئل، في الحوار نفسه، من قبل حاشيته العراقية الجديدة إذا كان قد قرأ كتابي "رسالة مفتوحة إلى ادونيس" الصادر في بيروت 1995، أجاب: كلا لم أقرأه! كيف والكتاب كله يدور حوله وقد سلمته نسخة باليد. سواء قرأني أدونيس أو لم يقرأني، فليس لدي ما أقوله سوى التالي: الشاعرُ أنتَ إلا أنه غيرُك.
ملاحظة: نشر هذا الحوار في "المستقبل" اللبنانية يوم الاثنين المصادف 8 نوفمبر 2010
التعليقات
جملة ام سكين؟
ن. التميمي -حوار رائع والجملة الأخيرة لئيمة يا استاذ عبدالقادر..انها سكين
سؤال
احمد -لماذا يتم تأطير تجربة الشاعر الجنابي في السوريالية..في حين انه بات اكبر من هذه المرحلة؟ بصراحة اشعر ان النقد العربي يحب الكليشيه ولا ينظر للباطن
انت الشاعر
soso -بل انت الشاعر ولم تتبدل ولم تشلح ثوبك كما فعل الاخرون لانك تهوى وتعشق الشعر ولانك صادق وامين في ترجمتك وعملك ..الحوار جميل ومفيد واجمل منه انه حوار مع قطب كبير يعي ما يقول ويفعل ما يؤمن به ولا يبيع ضميره المهني والحسي . فقط لو انك تنزل درجة من برجك العاجي او تخرج من قوقعة الوحدة وتقرا مابين سطور الاعجاب والكلمات
توضيح
علي -هل فعلا تم تأطير الجنابي بالسريالية كما يقول التعليق السابق؟ لا اظن فالسريالية لا ضفاف لها واسعة اتساع تجربة الجنابي
شعر أم نثر
ذياب شاهين -يبدو لي أن الشعر أضحى غريبا في وطنه بل ويكاد أن يطرد شر طردة كما طرد آدم من الجنة، فالتعريفات الشعرية التي تنهال علينا من كل حدب وصوب ونجد الكثير ممن يصفقون لها لم تعد تفرق بين ما هو شعر أو ما هو نثر، فكل شيء بات شعرا بقدرة قادر،فهنالك نثيرة الشعر أو قصيدة النثر وكذلك قصة الشعر ورواية الشعر ولن نستبعد أن يخرج علينا أحدهم بمقالة الشعر، أما بخصوص أدونيس فهو رمز (شعري - نثري) ولا أحد يستطيع قتله حتى ولا ديناميت نوبل، ولكني أحب أن أطرح سؤالا حول عنوان المقابلة( فقط الشعر الرديء لا يمكن ترجمته) هو هل كل الشعر المترجم للعربية شعر جيد؟ أنا أشك بذلك، أو يمكن أن نسأل بصورة أخرى هل ترجم كل شعرنا الجيد إلى اللغات الأخرى،وأشك بذلك أيضا، أنا أعتقد أن هنالك مترجما محترفا يستطيع ترجمة الجيد والرديء وبالكفاءة ذاتها، وهنالك أيضا مترجما غير محترف يشوه النصوص جيدها ورديئها، حقيقة أتمنى أن أقرأ كتاب الأستاذ عبد القادر الجنابي الذي طالما يفاجئنا بالجديد وعسى أن نجد فيه تعريفات عربية للشعر والنثر قالها شعراؤنا وفلاسفتنا بعيدا عما يلهمنا به من تعريفات كتابٌ غير عرب وكأن كلامهم منزل وستجف الكتب وترفع الأقلام دونه،احترامي للجميع
عظيم جدا
صلاح بن عياد -عظيم، لا بعدك يا أستاذنا...
تهنئة
soso -الشاعر القادر عبد القادر اغفلت عن تهنئتك بعيد الاضحى المبارك جعل ايامك كلها احرف وكلمات وقصائد والهمك الله اجمل الابيات لتنير ليالينا سحرا وشاعرية