ثقافات

جاك دريدا: لحظة المتعة... لحظة الموت

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

فهد الشقيران من دبي:

1-
الحياة... يوم طويل. السنوات مجرد دقائق، والأيام ليست سوى ساعات تتدحرج داخل يوم الحياة الوحيد. لحظة الموت؛ تلك اللحظة الموحشة الشمطاء، تختبئ خلف المسرح. كتب جاك دريدا: "الموت أعيشه بكتاباتي"، "تعلم فنّ العيش يفترض ضمنياً تعلّم الموت"، "حقيقة التفلسف أن نتعلم كيف نموت".
الوعي بالموت هو حافز الوعي بالحياة. كل حركات الناس؛ ذهابهم وخروجهم... صراخهم الطويل... قهقهاتهم في الأسواق... كلها ليست سوى ممارسة فرار من "ذاكرة الموت".
هيدغر رأى أن كارثة "نسيان الوجود" هي التي صنعت أشياء الحياة. ليس البشر وحدهم من لديهم ذلك السلوك، بل حتى الحشرات. كتب سيوران: "الحياة سلوك حشرات". النزاع -كل نزاع- هو تشبث بالحياة. كل سلطة هي رغبة بالخلود، كل كتابة هي حفر في جبين الحياة. الحياة جدار، والإنسان يكتب -كما يفعل المراهق- ليضع ذكرياته على جدارها راغباً بالخلود.

2-
حب الترفيه هو كراهية لاستذكار الموت. ذاكرة الموت تحرك كل الجموع. الوحدة استحضار اختياري للحظات الموت. الغرق بالجموع خوف وجبن وخور. تقترب لحظات الطمأنينة حينما نحافظ على مستوى الحزن. الحزن لحظة طمأنينة غامضة. في الحزن رثاء مبكر لموت ذواتنا. في لحظات الحزن ندرك صفاء نقاوة الشعور، لا حسابات، ولا أطماع، مجرد ذات تجرّ أذيال خيبات الوجود.
كتب سيوران: "أحياناً عندما نختار نوعاً من النقاوة، كل شيء يبدو لنا ذا أهمية". إنها "الغربة الميتافيزيقية". غربة الذات عن الذات، غربة كل دقيقة عن أختها. صناعة العمل بدأت لمقاومة الموت من الجوع. وكل إنسان هو صاحب تاريخ بطالة. البحث عن السعادة هو بحث عن مبرر لنسيان الوجود. كتب جاك دريدا: "لا أكون مسكوناً بضرورة الموت إلا في لحظات السعادة والاستمتاع، إن الاستمتاع وبكاء الموت الذي يترصدنا أمر واحد. وعندما أتذكر حياتي أميل إلى الاعتقاد بأنني حظيت بحب اللحظات الشقية... عندما أتذكر اللحظات السعيدة أباركها وهي تدفع بي إلى التفكير بالموت وإلى الموت لأن الأمر قد انقضى وانتهى". في الحزن استحضار لطبيعة الحياة التي هي نتاج الوعي بالموت.

3-
يبحث الناس عن لحظات مفقودة... عن أشياء مفقودة؛ أشياء لا يعرفونها على نحوٍ أكيد اصطلحوا على تسمية ذلك البحث الحشري بـ"الأمل"، وكتب شاعرهم: "ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل"، وقفز آخر هو المتنبي ببيت رديء: "وما قضى أحدٌ منها لبانته ولا قضى وطراً إلا إلى وطر". البحث عن السعادة بحث عن شيء مفقود.
نسي الإنسان وجوده منذ أن ظنّ أنه سيد الكون، تبين أن الجينوم هو سيده، وأن جينوماً في ظهره لو نشط واستيقظ لاشترك الإنسان مع ال لفأر بذيل متطابق. الإنسان مجرد نرجسية فاضحة زائفة. يغرق الإنسان العالم والكرة الأرضية بكل حمولته الجسدية والوحشية، بينما نراه يحاول الظهور بمظهر الوديع المسالم. أو الإنسان الأهم. بينما هو رقم ضمن فصيلة جينومية عادية، مثل الفئران والجرذان، ويربطه بالقردة صفات كثيرة.

4-
الملل تيه وجودي. حينما أكون عاجزاً عن العمل أو الكتابة أو القراءة، أجلس على الأريكة، أشاهد متفرجاً مختلف الكائنات على الفضائيات. حمولة من الأجساد المستعرضة، والأسماء المأجورة، والجهال الزاعقين؛ الذين يظنّون أنفسهم شيئاً مذكوراً وهم مجرد أعضاء صوتية فقط، ورؤوسهم خالية كالطبول الشعبية. أتفرج لأستوعب هذا السلوك الحشراتي. هذا القفز التنافسي على قنوات تجارية رأسمالية استعبادية، هي مصانع للزيف، ومنابع لنشر الحقد والحسد وتجييش الحشرات الزاحفة والطائرة لإنتاج أقذع المشاعر تجاه الآخرين.
إنهم يحاولون مقاومة حالات الفراغ الوجودي الذي لا يحسون به بسبب الأمية التي يعانون منها. وبسبب الرخص الوقتي الذي يقايضون به. كتب نيتشه: "إن من يجاور هؤلاء الناس فكأنما هو ساكن على ضفة الأنهار السوداء حيث لايسمع إلا نقيق الضافدع الحزينة". إنه نقيق اعتباطي، مثير للإزعاج والصداع. وأيّ صداع!.

5-
إنهم في حال "هروب من المشاعر"، مع سرعة إيقاع الحياة، عجزت الذات أن تنصت للذات. أصبحوا في حالة "تشييء" استهلاكي بحت. أصوات وزعق وإدمان للقفز والسرعة والجري والهياج والادعاء، كلها أسلحة "لا واعية" مقاومة لذكرى الموت، ولنسيان الوجود.
إن الحزن مستوى من الحياة الأبدية، منذ أن وضع أول إنسان كفه على خده. نيتشه كتب: "إن صوت المتشائمين بالموت يدوّي في كل مكان"، "إنهم لا يكادون يولدون للحياة حتى يبدأ موتهم وقد شاقتهم مبادئ الزهد و الملال". يصارع الناس بكل حمولتهم الزمنية، وبكل قوى الوقت ذكريات الموت. إنه جبن بشري متوارث، أن ننسى لحظات الإنصات للوجود.
الحزن حوار مع الموت، حوار الذات مع الزمن. الحزن ثقب قدسي بين الذات والوجود. ثقب لا تدركه الأجساد الهائمة المدجّنة لرخص اللذة.
كتب الشاعر الإيطالي تشيزاري بافيزي:
"يرتدي الموت نظرةً لكل منا:
سيجيء الموت وستكون له... عيناك
سيكون له طعم التخلي عن رذيلة،
سوف يشبه رؤية وجه مضيء
ينبثق من المرآة،
كما الإنصات إلى شفةٍ مضمومة
سيكون
آنذاك...
سوف تنزل إلى الهاوية بسكون".

shoqiran@gmail.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف