ثقافات

محمد لفتاح: حكايات عالم زائل

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

عبدالله كرمون من باريس: يكمن عزاؤنا في وقوع محمد لفتاح مبكرا فريسة خبط عشواء، وسلواننا لقرب العهد بانفتاح جرح فجيعتنا به، في استمرار دار لاديفيرونس في إصدار إرثه المخطوط. فهاهي تنشر له بداية هذا العام مثلما فعلت خلال العام الماضي تماما، رواية ومجموعة قصصية.
تندرج نصوص هذه المجموعة الجديدة التي تحمل عنوان "حكايات من عالم زائل" ضمن أسلوب الكتابة الذي عرف به لفتاح. بالرغم من أن عنوانها مأخوذ من مفهوم ياباني يعود إلى القرن السابع عشرة، جد معقد ولا تفي ترجمته بهذا الشكل كما يلزم بالغرض، إذ يتعلق الأمر فيه بجانب هام من تصورات تعود إلى عهد الهاين. وإن ظهر أول ما ظهر بمعناه الحالي في كتاب أزييه ريوا، لن نحيط هنا بتفاصيل ذلك.
فإن تخلى لفتاح في غالبية هذه النصوص عن المنحى الذاتي المباشر في سرد الأحداث اللصيقة به كشخص روائي متكلم يمتاز بخصيصة الحقيقة التخيلية الأكثر قربا من الذات، فإن أسلوبه الشاعري لم يزدد إلا نضجا واختبارا لمهارات تعبيرية ولغوية أشد كثافة.
هناك أكثر من سبب لاعتبار محمد لفتاح من طراز الكتاب المجبولين من معدن خالص. إن كتابته ليست معزولة عن نمط الحياة، المادية والمعنوية التي كان يحياها. ففي كتاباته المنشورة حتى الآن مطاردة لنفس المعنى. تتضافر فيها إشكالات الحياة، الموت، الحب، الجنس، الدين وتضاريس العزلة. وعلى ذكر العزلة ألم يكتب في الصفحة 106 من المجموعة ما يلي: "تذكرت فجأة، وقد سحقتني الوحدة والهول، الاسم القديم الذي كان يطلقه الجغرافيون العرب القدامى على المحيط الأطلسي: بحر الظلمات!"
إذا لم يتعلق الأمر في نصوصه بتجربة واقعية يومية ذاتية، فإنه يعمد إلى تلمس تجربة فكرية عبر حيوات أشخاص يخلقهم من ضلعه الأيسر، وينفخ فيهم من ارتجاجات روحه روحا. وتتنافس طريقتا اشتغاله الفنيتان من أجل صياغة أثر مروره_المنقوش في الصخر_ على الأرض.
تمتاز هذه المجموعة بالتنوع الظاهري لموضوعاتها، بكون أزمنتها وأمكنتها مشتتة عبر أصقاع ترابية متباعدة، وأزمنة تتراوح بين تماهي زمن الكتابة بزمن السرد، وبين تراميه في عصور سحيقة. لكن الأمر في النهاية لا يدل سوى على تأرجح ذبالة روح لفتاح، واستناده إلى كل هذه القوالب الفنية الخاصة كي ينكث بنفس العصا في نفس التربة.
فإذا كنا قد قرأنا له من قبل كثيرا حول مدينة ولادته سطات ومدينتي إقامته الدار البيضاء وباريس بما فيه الكفاية، فإنه لم يتح لنا أن نقرأ له بنفس الطريقة عن مدينة موته، مدينة منفاه الفرعونية. أتيح لنا في هذه المجموعة، لحسن حظنا إذن، أن نقف على انزوائه في القاهرة ومُدَارته كغريب للوحدة هنالك. يصور لنا نص "ثلاث ليال رائعة" جانبا من تجربته الخاصة مع المسماة فايزة، التي التقاها المتكلم في نصه عقب سفرة جماعية على متن حافلة خارج القاهرة. وحَالَ تشبثها الأعمى بالشريعة دونها وتحقيقها للرغبات المشتعلة في جسدها، والتي خنقتها في مهدها لأنها لم تستطع أن تنطلق من عقال الدين كي تلبي نداء الدم الحار. اكتفت بأن كلّمته لثلاث ليال، وغنت له، وباحت له بأنها عارية ومستلقية على سريرها وهي تتلفن له بعدما تحممت وتطيبت وتخيلت جسده يلف جسدها. لم تتجرأ أن تمض أبعد من ذلك. بغض النظر عن إحاطته بوحدتهما معا، أراد لفتاح أن ينتقد مرة أخرى، هيمنة ما يسميه بكاتالوغ الأوامر والنواهي مكنيا بذلك عن الدين. تناول نفس الشيء تقريبا بشأن عبد الدين المزارع المصري الذي لم يأبه كثيرا بالتدين؛ بل إنه طالما يجدف بهذا الخصوص. إن ما لم يتخلف عنه يوما هو ضيعته، وكده في الزراعة والسقي وغيرها من أشغال الحقول. لم يطق هذا المزارع قط أولئك الشبان الذين لم يخبروا في الدنيا شيئا، وأطلقوا لحى أمازونية معتقدين أنهم هم من يملكون الحقيقة المطلقة. كان يشاكسهم ويشاكس فقيه الجامع أيضا، الذي قال عنه أن يديه لم تمسا قط صلابة قصب السكر ولم تجرحا ثمة أبدا. كان إسلام عبد الدين شعبيا، فاتفق أن حج كغيره من عامة الناس. لدى عودته من الديار المقدسة، أثارت إجابته لحفيده ولابنه عن أخبار الحج حفيظة المتحلقين حول بيته لاستقباله. إذ أجاب حفيده بعدما سأله عن أرض الحج، بأنها "جبل تبلو فيه الجوع والعطش"، وأضاف أنه لا يتمنى له أن يراها أبدا. وشكك ابنه في كون أبيه قد حل، مثل باقي الحجاج لإتمام مناسكهم، بجبل عرفة إذ لا تكتمل إلا بذلك، فسأله عن ذلك. أجابه بما يلي: "هل تظن أن الله بطيبوبته وجوده، يحتاج أن يبصر شيخا مثلي ينزف دما وعرقا، معرضا نفسه للشمس حتى يصاب بضربة شمس؟ لا. لقد بقيت جالسا في سفح الجبل. لكن، كما تعلم فالنية هي التي تهم". ص. 71. تحدث فيما بعد عن مركزية النية في الدين، وعوض أن يسمي أولئك الناس بالحمير، ما فكر فيه برهة، فقد أعرض عنه وتوجه إلى غرفته كي يستريح. وفي الصباح الباكر وُجد مذبوحا في غرفته!
يطالعنا في مجموع كتب محمد لفتاح همٌّ فيلولوجي خاص لديه. يسعى منطلقا من مفردة تكون في الغالب اسم علم مؤنث على العموم، كي يبني على مباهجه، أو على غموضه الإطار الرمزي الشامل الذي سيجعل كائناته تتحرك فيه وتتخذ لها من علاماته مبتدى ومنتهى. سبق أن رأينا شيئا من هذا القبيل في روايته الأولى وبخصوص "عنبر". ثم في "شهيد زماننا" بخصوص المذكر. يتقاطع العالمان ويؤديان إلى نفس المصير في الغالب الأعم. سواء كان غلاما أو انتحاريا، أو كانت مومسا أو رابعة العدوية.
أهم ما يدل على هذا الأمر في المجموعة الجديدة هو نص "المَلَك مورد الخدين". الذي يظهر فيه غلام يكنى باسمٍ جميل هو وَرْد. شرحه لفتاح بأنه جمع ومفرده وردة. نسي أنه أيضا اسم نوع. يحاول على الدوام إلقاء الضوء على كثير من الأمور التي قد يجهلها القارئ الذي يكتب بلغته، وتظل شروحاته مع ذلك مستساغة حتى لمن لا يحتاج إليها.
وَرْد إذن هو الغلام الذي حل على الفقيه ابن المجذوب وصار يسمى فيما بعد بالدرقاوي يقترح عليه أن يكون مساعدا له. قال له الغلام معرفا بنفسه بعدما سأله الفقيه: "يطلقون علي وَرْد، أجابه هذا الأخير بصوت يشبه الهمس وقد توردت وجنتاه فجأة." ص. 32.
تذكر الفقيه فيما بعد وهو يقرأ الترجمة العربية لكتاب "بستان الورود" للشاعر والصوفي الفارسي الكبير سعدي، الإعجاب الممزوج بالقلق الذي زج به فيه اسم ورد!
كان الارتباط اليومي بين من صار شيخا ومن صار مريدا، وإن كانا يتبادلان الأدوار، محط إشاعات لا نهاية لها في البلدة. لم يتحمل الدرقاوي جمال ورد ولم يكن بمقدوره أن يقاوم ميله إليه. خفق الدم في عروق يديهما المتشابكتين، وختما معا على السر الذي لا يذاع.
كان ورد يخدم شيخه في كل تفاصيل حياتهما المشتركة. يطبخ، ينظف، ويغسل له حتى ملابسه الداخلية، ما لم يطقه الفقيه أول الأمر، إلى أن خاطبه وَرْد بقوله: "اجعلني يا شيخي كمريد يخدم شيخه. تعرف ما يقوله شيوخ الطريقة عن المريد: إنه بين يدي شيخه مثل ما يكون الميت بين يدي غاسل الأموات". ص. 34.
عندما قضى ورد في سن السادسة والثلاثين انزوى الدرقاوي في خلوته يتأمل في النور والحب، ويقرأ الكتب الصوفية التي عثر على جزء مهم منها في صندوق خشبي في غرفة ورد الذي سبق أن تلقى مبادئ الطريقة الدرقاوية قبل أن يتصل بابن المجذوب. مثل كتاب ريزبهان الشيرازي، الذي فصل في كون الحب وحده هو الذي يجعل المرء يصل إلى مصاف الصديقين. قرأ فيه أن "...ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا عن طريق الحب الذي نخلصه لإنسان" وبذلك يمكن التوصل إلى الجمال والحب الإلهيين. (ص. 36.).
لم يعد الفقيه يذكر إن كان صاحب الكلمات التي ستلي إباحيا فاسقا أم صوفيا منبهرا: "خلقت يا إلهي الجمال من أجلنا فتنة، وأمرتنا: لا تعبدوا سواي! أنت جميل وتحب الجمال، فكيف يستطيع عبادك ألا يحبونه؟" وهكذا يتحرى عن معنى الحب الآن بعدما كان يتساءل عن أسرار النور وهو يتأمل في معاني سورة النور. ثم هاهو يعثر في صندوقه على كتاب لم يقرأه بعد يحمل عنوان : "الملك المورد الخدين" أو الحَيِي، وضعه فارسي عاش خلال القرن الثاني عشرة، وكان يطلق عليه: "الشيخ الأشرق"، واسمه الحقيقي هو السهروردي، ونسي لفتاح أن ينسب إليه صفة المقتول، هذا الشيخ الذي جدد المبحث الصوفي الإسلامي، مهتما بموضوعة النور. قتل السهروردي في قلعة حلب سنة 1191 في سن السادسة والثلاثين أي نفس السن التي مات فيها وَرْد.
عندما مات الدرقاوي بعدما تزهد واعتزل العالم بعد رحيل مرافقه، شاهد أهل البلدة علامات كونه واليا، فرفعوا على ضريحه قبة وسموه بالشيخ الضاوي أي "المنير"، نسبة إلى الضوء في الدارجة المغربية.
تتوغل هذه النصوص بهذا المعنى في نوع من الصوفية العميقة التي تزف بشارات شعرية جميلة. مثال النص الذي جاء منه عنوان الكتاب "العودة إلى العالم العائم"، والذي جاء هو أيضا من عنوان كتاب ياباني يعود إلى القرن التاسع عشرة. أثرت بعض مقاطعه على المسمى أوكيو والذي سوف يتخلى يوما عن فكرة الاستمرار في حياة المعبد، ودون أن أعرض كل تفاصيل تجربته، كي يعود إلى العالم غير الثابت الذي وسمه بأنه عائم وطاف بمعنى ما، مثلما تطفو القربة على سطح الماء.
تحمل نصوص هذه المجموعة بحق عنوان حكايات من عالم مضطرب هو العالم الذي قاساه محمد لفتاح، وكأنه هو نفسه هيراقليطس أو "الفيلسوف الذي نهشته الكلاب". كتب في هذا النص: "ومنذ عهد هيراقليطس بدأت (الآلهة) تفر واحدا واحدا من سماء الأولمب. تاركين الإنسان وحيدا حيال قدره وشرطه، عاجزا وزائلا، كقطرة صغيرة في لجة التحولات".
kermounfr@yahoo.fr

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
ملاحظة
كرمون -

أكتب دائما اسم الكاتب بالحرف العربي هكذا "لفتاح". وهناك من يكتبه ب: "الفتح". والحقيقة أنني لا أدرك أيهما أصح..

ملاحظة
كرمون -

أكتب دائما اسم الكاتب بالحرف العربي هكذا "لفتاح". وهناك من يكتبه ب: "الفتح". والحقيقة أنني لا أدرك أيهما أصح..