مراجعات لأزمنة تشكيلية عراقية ماضية
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
السطو الثقافي التعبوي كان نهج سلطة الحزب والدولة وكلاهما واحد. في ذلك الزمن. في الستينات شكل الشعر الشعبي العراقي ظاهرة تجديدية مثلما زحزحت شكلانية القصيدة الشعبية لما قبل هذه الفترة الزمنية فإنها أدخلت مفردات وصور جديدة لا تبتعد عما استجده الشعر الحديث والعراقيون رواده. لكن المفارقة تكمن بان معظم هؤلاء المجددين يساري الثقافة وحتى انتماء بعضهم لأحزاب اليسار. في السبعينات ومع النشاط الملحوظ لفعاليات هؤلاء الشعراء الاجتماعية. تنبهت سلطة حزب البعث التي بدأت تمارس سطوتها بالتدريج إلا أهمية وخطورة خطاب هؤلاء الشعراء ونأيهم عن منهج سلطتهم. فتحججت بمبادئها القومية العربية (وأصالتها) ومنها نقاء اللغة. وشنت حملة ضد الشعر الشعبي والشعراء. وتفرق الشمل حد هروب وهجرة بعضهم لخارج العراق. ثم وبفعل قادر، تم لم شمل كل الشعراء والشويعرين الشعبيين ولم شملهم في جمعية من اغرب الجمعيات الثقافية في العالم، لحد إطلاق نعت الشعراء المليون عليهم، وما يتبع ذلك من هبات السلطة المستقطعة من حصة الشعب. في زمن سنوات الحروب العبثية التي أكلت الأخضر واليابس.
استشهادي بالشعراء الشعبيين لم أورده عبثا. بل من اجل تفكيك بعض من المنظومة الثقافية الميكيافلية لسلطة الحزب الواحد التي أوردتنا مهالك اليوم وأمس. ومثلما حدث للشعراء حدث للتشكيليين مع الأخذ بالنظر الفوارق الأدائية والسوسيولوجية لكل من هذين النشاطين الثقافيين الإبداعيين ووسائلهما ووسائطهما الأتصالاتية. ان كان الشعر الشعبي محكوما بوسط ثقافي محلي واسع وعام. فان التشكيل محكوما بذاتية منتجه أولا وبوسط مهما يكن فهو انتقائي. لكن خطابه الجمالي والدلالي أكثر عالمية. لذلك حاولت السلطة استغلاله في أنشطة بعضها يحمل طابعا مهرجانيا عالميا (رغم تحفظي على هكذا مصطلح، كونها موجهة لفئات محدودة استضافتها المؤسسة الثقافية التشكيلية السلطوية وبدون منهجية ثقافية واضحة كما هو حال المهرجانات أو البينالات التشكيلية العالمية وخاصة في زمن حرب ألثمان سنوات. مع ذلك فلم نشاهد في هكذا عروض أعمالا تمجد القائد ولا أي تأثير أو اسلبة واضحة أفرزتها الثقافة القومية. بل ظهرت نتاجات التشكيليين كما هي دوما متنوعة ومتشعبة وفردية، ما عدى قلة لا تذكر استغلت عنوان عملها جسرا لنوايا انتهازية معروفة. وبقي التشكيل عصيا على المطاوعة، لكنه أتقن سبل المناورة وظل كذلك ولحد الآن.
درس جمعية الفنانين التشكيليين هذا لم يمر سدى، بل اعتمد من قبل سلطة الحزب والدولة كممارسة سلطوية فرضت سطوة قانونية اضمارية في تطبيقها على واقع حال الثقافة الفنية المستقبلية. واتبعت نهجا صارما كرس الانتماء الحزبي شرطا للقبول في المعاهد والكليات الفنية في عراق الثورة والحرية والاشتراكية. وما تمخض عن هذا السلوك السلطوي لم يرتقى لمستوى نوايا سلطته بالنسبة للفن التشكيلي. وان كنا نحاسب على نوايا هذه القوانين العرفية. فعلينا تقليب نتائجها العملية. فهل خضع دارسي الفن (ومن ثم الفنانون بعد التخرج) لسلوكيات سلطة هذه القوانين الجبرية لحد تبديل صياغاتهم التشكيلية وقناعاتهم الثقافية الذاتية. وهل أنتج هذا السلوك السلطوي الجبري معادلته المضمرة. النتائج النهائية لأكثر من ثلاثة عقود ممارسة تكشف فقر هذه الممارسة السلوكية الفوقية. فدارسي التشكيل معظمهم انحدروا من الطبقات الفقيرة المهمشة، ووازعهم الفني في معظمه ذاتيا طاغيا لم يستطع التنازل عن سلطته الإبداعية الذاتية لسلطة القهر الخارجية. إلا في حدود مساومات تمس مصير الذات ومستقبلها. ربما كانت للقاعدة الثقافية والعملية التأسيسية للفن العراقية وسلوكيات شخوصها وتقاليدها التي ورثتها الأجيال الجديدة، وكذلك لطبيعة النتاج التشكيلي المحلي والعالمي ومصادره الإبداعية الأثرية والمحلية. اثر في تصاعد ادراكات النوازع أو المحركات الوجدانية الذاتية للفنان للحد الذي تمكنت آليات نواياها اللاإرادية أحيانا في تجاوز الكثير من محنه. وهذا ما تؤكده الحرفية التقنية التي تجاوزت الشروط السياسية وأسست من
خلال تقنياتها مناطق إبداعها خارج منطقة الهذر السياسي الذي هو في معظمه غائم وعائم وملتبس إدراكيا. ولم تكفي الشعارات لتأسيس ذائقة تشكيلية معادلة لنواياها.
ان عانى شعبنا من ضغط ثلاثة حروب مدمرة. فهل أنتجت هذه الحروب أعمالا تشكيلية تحتفي بسلطة الحرب أو تروج لها وبمستوى متميز. اعتقد بأنه ما عدى طبيعة وأهداف الحرب الأخيرة وما صاحبها من احتلال معلن ومن مجال أوسع للتعبير عن الرأي. فان حربي الخليج لم تنتج أو تؤسس لفن تشكيلي حربي تعبوي، كما هو حال بقية الحروب الكونية. فما عدى عروض الفوتو المخزية والمقززة لجثث القتلى والقائد ونخبته العسكرية الاستعراضية. فإننا لم نشاهد أعمالا تشكيلية توثيقية أو ملحمية تمجد الحرب وأبطالها. ما عدى عدة تماثيل لبعض الضباط العراقيين القتلى التي تلهت القيادة من خلالها بعملية استفزازية مقصودة للجانب الايراني من عشتار البصرة. هذه التماثيل الركيكة الصنعة والمؤدلجة والتي استغلت حاجة بعض النحاتين المادية زمن الحصار لتنفيذها. اعتقدها لا تشكل أي ملمح فني نصبي مميز. ولا تتعدى شروط إنتاجها حدود مساومات الطرفين على مردود مادي سرعان ما تبخرت فائدته ضمن غول الحصار ولتبقى نتائجه محض إدانة لكلا الطرفين رغم اختلاف ظروفهما ونواياهما. لقد كانت حربنا كلها فوقية خضعت لتسلسل قراراتها التي أدت إلى نتائجها النهائية والتي طحنت أرواح أناسنا برحاها وعجلتها الغاشمة وبنت أمجادها المخزية فوق أكداس جثثهم.ولم يكن لأناسنا دخل بها وتشكيليينا من ضمنهم. بل الكثير منهم كان لها وقودا وأداة مستضعفة بيد بلداء التوجيه السياسي العسكري الحزبيين في زمن العسرة اللامجدية.
ومحنة التشكيل والتشكيليين العراقيين بعد حرب الخليج الثانية وكارثة الحصار الغريب والأول من نوعه في العالم والذي ضرب مصالح الشعب العراقي وسبل عيشهم بالصميم، مثلما لوثت الحروب الدكتاتورية والأممية بيئتهم وانتهكت خيراتهم وأجسادهم ولحد الآن. والتي ساهم ويساهم فيها حتى من كان يدعى العروبة والإسلام وما شابه من الدول العربية والمجاورة في تفاصيلها المقيتة. في محنة استهدفت في ضرباتها الأولى المفصل الضعيف من الشعب العراقي، الفئة التي لا تملك سوى إبداعها النظري والعملي الثقافي والفني والتي استغلت حتى النخاع واركنت لمصيرها المجهول وسط صراع اقتصاد الحصار وسوقه السوداء وفقدان القيمة النقدية للحد الذي أصبحت فيه مكاييل العطار وزنا بدل العد المصرفي. مما اضطر غالبة التشكيليين للهجرة إلى عمان أولا، وعمان كانت العاصمة الوحيدة التي فتحت أبوابها لاستقبالهم في زمن الحصار ألأممي! (ولا ندري لماذا؟ ويبقى تساؤلنا ينتظر إجابته). ولم يكن أمام التشكيليين الشباب وغيرهم سوى التسول بهداياهم للسيد الرئيس كي يمن عليهم بفتات مائدته التي لا تغني ولا تشبع، والتي شيع أنصاره سبل طرقها الموبوءة إغراءات وإرهاب متزامن. مثلما هو الحال في رسوم صوره ومعارضها.
يبقى السؤال مشروعا حول دور التشكيليين العراقيين المهاجرين في ذلك الزمن الحرج، وهجراتهم الزمنية عديدة. وبشكل خاص من عارض الدكتاتورية وهم ليسوا بقلة. هل شكلت نتائجهم منطقة اعتراض أسلوبية وتقنية واضحة للحد الذي أوصلت رسالتهم الاعتراضية الفاضحة لوسطهم الاغترابي العالمي، هل شكلوا مثلا رابطة ولو سرية توحد نشاطاتهم في زمن استهدافهم من قبل أجهزة مخابرات الدكتاتورية وأزلامها المنتشرين والمتنفذين في بقاع العالم، وهل ساندت الأحزاب المعارضة هذا التوجه. او بالأحرى هل لدى هذه الأحزاب الوعي الكافي بهذا التوجه. أقول هذا ولي علم بأنشطة
فنانين معارضين من دول شرقية في الخارج ومدى تأثيرهم على الرأي العالمي لقضايا شعوبهم، والأسماء عديدة والأنشطة متنوعة. وان كان للبعض من نشطاء التشكيليين الكورد العراقيين من دور. فهل للتشكيلين الآخرين نفس الدور. أسئلة تنتظر الإجابة قبل إطلاق التهم الجاهزة على فناني الداخل زمن الدكتاتورية وان كان لبعض التشكيليين العراقيين المعتربين من دور في القضية الفلسطينية ويتبجح به لحد الآن، فهل دوره هذا مواز لدعم ما تعرض له الشعب العراقي من عدة إبادات بآلات الحروب وغيرها. وهل يتوازى دوره وتبجحه بالشعارات أو الانتماءات. وعلينا مراجعة سقطات أزمنتنا كي لا نكرر سقطاتنا أو عثراتنا ولو من خلال النوايا، والنوايا هي في الأخير لابد من ان تقود خطواتنا.
(*)ـ ذكر حميد المشهداني في مقالته الأخيرة المنشورة في موقع إيلاف الالكتروني: بما معنى، انه تم إقصاء أو منع أعضاء هذه اللجنة الإدارية من المشاركة في إدارة الجمعية لاحقا. والحقيقة هي ان من كان ينتمي إلى الحزب المعارض والمؤتلف في الجبهة الوطنية ظل يتقاسم إدارة الجمعية وبقية الكادر ألبعثي حتى انفراط عقد الجبهة(التي كانت معبرا لتركيز السلطة البعثية الميكيافلية) ومن أقصي نفسه عن هذه المساومات، فهم الفنانون المستقلون سياسيا.
(**)ـ وللتأكيد على هذا الوضع الشاذ دوليا وعربيا، اذكر هذه الحادثة التي رواها لي فنان تشكيلي صديق في عمان عام(1998)، ذكر الفنان بأنه حصل على فرصة عرض لأعماله الفنية في القاهرة، وكانت تربطه بأحد شيوخ العشائر الأردنية علاقة صداقة حميمة.وكانت لهذا الشيخ أيضا علاقة حميمة بسفير مصر وقتها. وفي حادثة توسط الشيخ للحصول على فيزه للفنان لدخول مصر بعد ان ابرز العقد. أجابه السفير الموقر. بأنه إذا أراد الحصول منه على فيزة لإسرائيلي فلا مانع. لكن لعراقي فينصحه بأنه إذا كرر رجائه فسوف يخسر صداقته للأبد.