ثقافات

مساءلة المقدس ومشاعية الجنس في "مشاهد مختلفة من حياة إنسان بدائي"

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

من غير المحتمل، وليس قطعا، أن يتواجد السرد داخل نص ما دون وصف، في حين من المحتمل أن يتواجد الوصف في غياب السرد. وتبقى حدود الفصل بينهما غير واضحة، ويشكلان طريقتين لنسج لقصة ما. وفي المجموعة القصصية "مشاهد مختلفة من حياة إنسان بدائي"، المجموعة الأولى، للقاص محمود منسي، تنحصر مساحات الوصف، وتنكمش مناطق "التأمل"، ليتمدد السرد ذو الطبيعة "العملية" كما يشير جيرار جينيت. وبتحليل الخطاب السردي لقصص المجموعة، المكونة من ستة عشر قصة، نلاحظ دوران هذا الخطاب بين محورين أولهما: مساءلة المقدس "الديني" التي تصل حدّ العصف بقداسته في بعض المواضعات القصصية. أما المحور الآخر، مشاعية الممارسة الجنسية، التي اتخذت في نصوص المجموعة خمس صور، وجاءت كإشارة دالة لبحث الشخوص عن المصارحة في إطار ثقافي أولا، وتجسيد هذا الثقافي النظري في صورة ممارسات عملية.

مساءلة المقدس
تتطلب عملية مساءلة أي موضوع معرفة بهذا الموضوع، وحدوده، ومدى سلطته وتأثيره في الآخرين. ومساءلة المقدس الديني تحديدا تتطلب ضرورة وجود عمليات اختبار عملية، بجانب مساحات نظرية تأملية في تحديد نفعية هذا المقدس، ومدى استجابته في تحقيق مصالح الأفراد. ولأن محمود منسي قاص في المقام الأول، فإن آليته الأساسية في عملية المساءلة آلية عملية، هي السرد التي اتكأ عليها في تعرية التقنع الأخلاقي؛ إذ تتمنى مجموعة من المراهقين أن يكونوا في مكان نبي الله "يوسف" إذ قالت له امرأة العزيز "هيت لك" ليقولوا لها "هيت لكِ"، ثم نكسوا عيونهم خجلا عندما تذكروا أن يوسف نبيُّ، وبدءوا يستغفروا الله، بينما عقولهم مازالت تتخيل كيف كان جسد امرأة العزيز!!
تتخذ عملية العصف بقداسة المقدس، وتحويله أمرا عاديا، مسارات متنوعة، أولها تجاهل أهمية هذا المقدس، ففي قصة "ملخص ما تم شرحه" بعدما ينظر السارد في نتيجة المواقيت اليومية كعادته، "يتجاهل مواقيت الصلاة"، وفي قصة أخرى يتجاهل تخبط زميلاته في فوضى دينية ما بين السفور المبالغ فيه والحجاب المبالغ فيه أيضا. كما أنه يتجاهل عراك خطيبين يسفه كلاهما كلام الآخر، فضلا عن تجاهله لطلبات الأم بأداء صلاة الجمعة.
ثمة مسار ثان لتفكيك هذه القداسة، تتمثل في مواجهة نسبية من السارد كما في حوارية "ماما"، وهنا يكتسب المقدس سلطته ليس بوصفه سلطة أبوية كما هو معتاد، وإنما كسلطة متطرفة من قبل الأم التي يحاول الطفل تطرفها فتفشل محاولاته.
ويأتي بعد ذلك السؤال المهم، على لسان الطفل مينا ربيب أحد ملاجئ "مصر الجديدة" "طب ليه خلوني مسيحي وخلو أصحابي مسلمين؟ ليه ما خلوناش كلنا نحب ربنا ونخش الجنة؟". وإجابات مساءلة المقدس ليست أبدا كاملة، فهي بداية لسلسلة تساؤلات قد لا تنتهي ولن..... وإدراكا من السارد هذه اللعبة الملغزة، يقوم بالسخرية من "شبح" خادم المسجد الذي يمر بجوار السارد متلحفا بـ"عتمة الليل"، فيتألم السارد من قدمه من أثر الطرقات "المتعرجة" وتختلط أصوات البكاء بآهات النشوة. ويجدر الإشارة بنا إلى اللمحة الذكية من السارد الرابطة بين "شبح" خادم المسجد والطرقات "المتعرجة" غير المستقيمة.
وتبلغ عملية العصف ذروتها بتداخل المقدسات واختلاطها، ثم ترجيح "الجنس" كعامل "مدنس" على المقدس ذاته. يقول السارد "يعرب النوم منين، أتذكر ما جاء في خطبة الجمعة، أنام على جانبي الأيمن، أفتح كفيّ أمام وجهي، أهم بقراءة آية الكرسي، ألمح بعض كهنة هليوبوليس يتربصون حولي، أتراجع، أتمتم ببعض تعاويذ كتاب الموتى المقدس ومختارات من الفردوس المفقود، تهدأ الأوضاع، يتقدم النوم مني، تسبل جفوني، تبدأ "انجلينا جولي" في مداعبتي بشفتيها المكتنزة.."
بقاء السارد في معزل عن هذا الاختلاط بين المقدسات في صورها المتباينة، ونجاحه في الفرار إلى شط أحلامه، حتى لو كانت في صورتها المدنسة، تذكرني بمقولة برجسون "سئل رجل: لماذا لا يبكي عند سماع موعظة يبكي فيها كل الناس؟ فقال: لست من هذه الأبرشية".

مشاعية الجنس
أما المحور الثاني لقصص المجموعة فهو مشاعية الممارسة الجنسية، وجاءت أولى صوره بالإشارة "الممارسة الطفولية" في أولى فقرات القصة الأولى، وعنونت الفقرة ب"الطفولة تبدأ باللعب"، وتحكي عن طفل يلعب مع طفلة أخرى لعبة "عريس وعروسة"، ثم تأتي "واحدة" أخرى تقوم بضرب الطفلة الأولى، ويظن المتلقي أنها أم الطفلة مثلا، ليكتشف أنها طفلة أخرى، تبكي وتقول "أنتَ قلت أنا مراتك وأنت جوزي، ليه تلعب مع واحده غيري؟!"
ويتحول السارد من الطفولية إلى وحشية الممارسة؛ ففي الفقرة الرابعة من القصة التي حملت عنوان المجموعة نجد أحادي القرن يحتفل بوضع تمثاله في ذكرى حكمه، "الأجسام عارية، الأعضاء متحفزة للالتقاء، تطفأ الأنوار، تتداخل الأعضاء، تصل التأوهات للذروة ثم تبدأا في الانخفاض، تضاء الأنوار تدريجيا، يقف أحادي القرن، نسجد جميعا فيمر فوقنا متغوطا".
هذه العلنية مجرد مقدمة لممارسة وحشية وفوضوية؛ حيث في ذروة الممارسة "يقوم، يشدها للغرفة المجاورة، يفتح الدِش على أشد القنوات إباحية، يمارس أمامها، يضحك بسخرية، تحمر عيناها، تتجه نحو المطبخ، تأتي بسكين، تقتله ثم تقطع عضوه وتمارس به.."
ثم يطور السارد فكرة "أحادي القرن" في قصة كاملة بنفس العنوان، وتدور أحداثها حول إمرأة أجبرت أن تدخل حضرة "أحادي القرن" عنوة، وتتعرى من ملابسها الداخلية، بعد الركل والضرب، واختلاط الدموع بالدماء، لتستسلم في النهاية للإنشاد مع المجموعة، وبعدها يقف أحادي القرن، يتوقف كل شيء، يشير على المرأة بقرنه، فترفعها المجموعة، هاتفة "لقد رضي عنك الإله".
ذلك الإله الذكوري، صاحب السلطة الذكورية، الذي انتصر له السارد في نهاية القصة؛ حيث رفضت المرأة أن تجاور أحادي القرن، بعدما أحاطت بها عدسات الكاميرات، "يشر بقرنه فيسجد الجميع، يجلسني بجواره لكني أقفز جالسة فوق قرنه".
أما الصورة الخامسة للمشاعية فهي الممارسة الشاذة، وهي نتيجية طبيعية، لاستحالة مسألة خاصة جدا إلى ممارسات غير منطقية "طفولية"، فضائحية، وحشية، وفوضوية. ولا تمثل مشاعية الممارسة غاية، كما لا تمثل مساءلة المقدس في حدها، إنما مثلتا صورا للتعبير عن المدنية "المزعومة"، المدنية التي بدت إلى البداوة أقرب، وجعلت من التقدم العلمي آلية لقهر الإنسان بدلا من خدمته، وبدلا من نمو قدراته في التحكم في مصيره وصناعة مستقبله.
آليات فنية
وتنوعت آليات التعبير القصصي داخل صفحات المجموعة، ابتداء باستخدام تقنية المزج المشهدي، وتداخل المشاهد، الاعتماد على الحوار كتقنية أساسية في بعض القصص، مما جعلها أقرب إلى الحوارية منها إلى القص التقليدي، تقسيم القصة إلى فقرات ومقاطع، السرد باللهجة العامية كقصة "بنحب ربنا" وتوظيف بعض العناصر الوثائقية.
في قراءات نقدية سابقة، أشرنا إلى ما نسميه "بالتعريض السردي"، وهي تقنية إكساب الجملة السردية قدرا من التمويه، وتحويلها إلى جملة سردية "كاذبة"، فالمقصود خلاف المكتوب، حد تعريف المعجم العربي لمصطلح التعريض.
وفي قصة "بأثر رجعي" تتحول أحلام اليقظة "لرب الأسرة" واقعا وحقيقة، تزيد من مأساة هذا الأب الذي فوجئ بغريب يدخل بيته، أثناء تناول وجبة الغذاء، ويتصفح الغريب المكان، مطمئنا على الأبناء والزوجة، وفي النهاية يطرد الغريب صاحب البيت الذي يرتطم بباب الشقة، فتختلط أصوات الارتطام بأصوات الملاعق والأطباق في أيدي الأطفال المستمتعين بتناول طعام "الأب" المفضل.
"مشاهد مختلفة من حياة إنسان بدائي" مجموعة قصصية على قدر ولع نصوصها بالتجريب، واستخدام تقنيات قصصية متنوعة، على قدر عمق رؤيتها وجرأة طرحها الفني والرؤيوي، وتمثل خطوة مهمة ودالة على كاتب مبدع، وقاص لديه همه الفكري والثقافي هو محمود منسي.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
دراسة جميلة
ماهرمهران -

دراسة جميلة لناقد يخطو خطوات واثقة

دراسة جميلة
ماهرمهران -

دراسة جميلة لناقد يخطو خطوات واثقة