ثقافات

ماذا لو تغيرُ الأعمالُ الإبداعية مؤلِّفيها؟

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

عبد الله كرمون من باريس: لا يمكن أن يكون هذا العنوان سوى إشارة إلى حلقة أخرى تضاف إلى مشروع بيير بايار النقدي المتميز. بل هو تحديدا عنوان كتابه الجديد الذي سيصل إلى المكتبات في نهاية الأسبوع الثاني من الشهر القادم، وبالضبط في 14 أكتوبر/تشرين الأول. وهو بالفعل تتمة طبيعية للمقاربات التي اجترحها بايار منذ سنوات على طول الدراسات التي خصصها للشأن الأدبي. سواء تعلق الأمر بمبحثه حول إمكان تقويم الأعمال الفاشلة، إذ أكد فيه حينها أنه بمقدورنا تغيير بعض نصوص الكتّاب، دون الإساءة إليهم، إذا ما بدت لنا بأنها ليست في مستوى مجموع تجربتهم. أو في نظريته حول السرقة عن استباق والتي تخلخل هي أيضا ما أرسته نظرية تاريخ الأدب التقليدية في خطيتها. وقد سبق لنا أن تعرضنا غير ما مرة، ومنذ سنوات لإنتاج الناقد والمحلل النفساني بيير بايار هذا.
ترجمنا الكلمة الفرنسية بالأعمال وليس بالكتب، لأن الأمر يتعلق في هذا الشأن بالفن، السينما والفلسفة أيضا، مما يجعل مفردة العمل مضافة إلى المجال المعني تؤدي هنا المراد بشكل أفضل.
بدأ بايار بالقول بأن هناك بواعث كثيرة لا تجعلنا نترك المؤلفين على حالهم، وكما هم عليه، بل تدفعنا إلى تبديلهم وتحويلهم، سواء بشكل كلي أو جزئي. وشاء من جهته أن يقتصر فقط على ذكر ثلاثة حوافز لذلك. السبب الأول، في نظره، هو أننا لا نحسن جيدا معرفة المؤلفين، وتبدو، بهذا الشأن فكرة الإخلاص إليهم عبثية. إذ أنه،كما يذكرنا، فالكل يدرك اليوم، بحسب ما علّمنا إياه بروست وفاليري، بإن مبدع عمل مّا يختلف في الغالب عن الشخص الحقيقي الذي بوسعنا لقاءه في الحياة اليومية. وكما يحدث لنا عادة أن نبدل مؤلف العمل، الذي يصعب علينا كثيرا التوصل إلى معرفته، بالشخصية الفيزيائية التي يتوارى خلفها، فلماذا _يحرضنا بايار_ لا نتجرأ على فعلٍ أكثر جسارة، وأن نتحمل هذه المرة بشكل واضح مسؤولية ذلك، بأن نبدله بمؤلف آخر، قد يبدو لنا، لسبب أو لآخر، بأنه أكثر مواءمة لأحقيته بنسبة العمل المعني إليه؟
من هذا المنطلق، كحافز ثان، اعتبر بايار أن الخطأ الناجم عن نسبة الأعمال لغير أصحابها الحقيقيّين، ليس عملا شائنا، إذ يمكن أن تصدر عنها إيجابيات هائلة، ويكون الخطأ هاهنا مقابلا بالتالي للانفتاح، كما بينه بايار، إذ يتم تلقي العمل بذلك مثلما قد يفعله قراء زمن آخر ومكان مخالف. ويعتبر السبب الثالث في مبادرة بايار، في العلاقة مع الباعثَين السالفين، في كون العملية تشكل خلقا حقيقا، وبأن ذلك التدخل في مصائر تلك النصوص يمنحها معاني جديدة ليس بإمكانها أن تحصل عليها في ظروف مغايرة.
شهد بايار بقوله بأن هذه الممارسة لا يمكن اعتبارها خطأ محبذا فقط، ولكنها تشكل نوعا من الخلق، ما يعني الدفاع عن الحق في التخييل. وبما أنه لا مناص من شيء من المخيال بشأن المؤلفين، لأن من الاستحالة بمكان التمكن من تحصيل معرفة عميقة بهم. يتساءل بايار مرة أخرى، لماذا لا نلجأ بالتالي بذلك إلى الخيال؟ في الوقت الذي يعتبر فيه هذا الحق أكثر مشروعية، حسبه دائما، إذا ما نحن سلّمنا بأن اللاوعي يلعب دورا حاسما في تلقينا للأدب، ويكون النشاط التخييلي بهذا المعنى ليس فقط عنصرا ثانويا في القراءة أبدا، وإنما يمثل لب العلاقة التي نربطها بالعمل.
وسوف نثير هنا بإيجاز بعض العناصر التي أتى عليها بايار في كتابه الذي أحكم بناءه، كعادته، في تدرج منهجي منظم.
عمد إذن منذ البدء إلى بسط محتوى نظريته حول أهمية تبديل أو تغيير مؤلف كتاب، بأن ركز على الصعوبة التي قد تعترض أحيانا مسعى نسبة عمل معين إلى مؤلِّف بحد ذاته. وانطلق من أمثلة معروفة في المجال الأدبي، والتي دار حولها نقاش لم تخمد فورته بعد. لم يتوجه مباشرة إلى استنطاق تلك القضايا في ذاتها، بل عرج أولا على وسائط أثارت الموضوع في الماضي، وذلك في أشخاص أدباء شأن بيير لوويس بخصوص موليير على سبيل المثال. وذلك لمحاولته فرض مفهوم الكاتب المتخيل الذي لا يظهر بتاتا في سجل نظرية الأدب كما هو متعارف عليها. لأنه لا يهمه هذا النقاش في إطاره القديم الذي يسعى إلى استبدال مؤلف حقيقي بمؤلف حقيقي آخر. فإذا كانت الأعمال التي أراد التدليل بها على موضوعه هي "الأوديسة"، "هاملت" و"دون جوان" التي نسبت على التوالي من طرف كتّاب سابقين إلى كل من كاتبة يونانية مجهولة، إدوارد دوفير وكورنييْ. فإن ما يهم بايار إنما هو جانب الكاتب المتخيل فيما يتعلق بالمؤلفين الثلاثة الأخيرين.
إن اسم كل مؤلف كما يؤكده بايار هو مجرد نوع من التخييل أي أنه يصدر عن صناعة خيال. فهو، كما يقول، يثير لدى القارئ، إضافة إلى جرس اسمه، عناوين كتبه، النوادر الملتصقة بسيرته، ما نعرف عنه وما يمكننا أن نخمنه بشأنه عملا تخيليا كبيرا. لأن كل قارئ حسب هذا المعنى ذاته يحلم ويمضي في هذيانه لدن قراءته لعمل ما في اتجاه بناء صور ذهنية خاصة به للمؤلف الذي يقرأ له.
فما أثاره صموئيل بوتلر في قوله بكون الأوديسة لم تكتبها إلا امرأة هو مفهوم الكاتب المتخيل الذي يحدثنا عنه بايار. بغض النظر عن الأسس المتينة التي بنى عليه الأول حكمه ذاك. ما يهم هو أن الكاتب المتخيل لا علاقة له نهائيا بالكاتب الحقيقي. مثلما هو الشأن بخصوص شكسبير حيث نسب توماس لونيي كتابة مسرحياته إلى إدوارد دوفير، أو كورنيي الذي تحوم الشكوك حول كونه صاحب عدد هام من مسرحيات موليير.
ما يهم بايار في هذه الوضعية هو فرزها لسياق نقدي هام وهو التمكين من تبيان ملامح ودرجات الخلق الأدبي وملابساتها التي لا تبين في الغالب الأعم. سمح له ذلك بالتالي بتعيين ثلاث مستويات في التعامل مع المؤلف والعمل الإبداعي ألا وهي الكاتب الحقيقي أي الرجل الذي قد نصادفه في الشارع وفي الحياة اليومية. والمبدع، الذي يسميه بايار بالمؤلف الباطني، الذي استمد منه فرويد، بشأن هاملت بالخصوص، ما يشكل لاوعي الأعمال الأدبية، أي عنصر الخلق. ثم أخيرا، الكاتب أو المؤلف المتخيل. وقد عمد فرويد من جهته إلى خلق هذا الجانب من المؤلف بعدما امتنع عليه كلية الوصول إلى الكاتب الحقيقي وكذا الباطني. وينطبق هذا الجانب على الصورة التي يبنيها القارئ في ذهنه لكل مؤلف.
بهذا الشكل، كما كتب بايار، نغير تلك السلسلة المتحجرة المشكلة مما تم تلقينه بخصوص كاتب معين، ويتم بهذا فك كل حصار تأويلي حوله، بأن تمنح له حياة جديدة، وتُتَلقى بذلك أعماله بشكل مخالف عما كان عليه حالها من ذي قبل. ولا يتم هذا سوى بتغيير مؤلف خيالي بمؤلف خيالي آخر، وليس بإلحاق مؤلف خيالي بمؤلف حقيقي.
كتب بايار مسندا هذا الأمر، ومفسرا له وذلك "...آملا في التدخل، ليس في جسد النص نفسه، ولكن في ذلك الجزء المرن من التهويم المرافق لقراءته والذي يدعى بالمؤلف"!
إن الصعوبة المترتبة مع ذلك عن نسبة هذه الأعمال إلى مؤلفين آخرين هو ما جعل بيير بايار يقفز إلى مرحلة أخرى من عملية تغيير وتبديل المؤلف والتي قد تكون أنجع.
في الفصول التي أتى فيها على الاستبدال الجزئي للمؤلف، ركز على ثلاثة أمور هي استبدال الاسم، استبدال الجغرافيا، ثم استبدال العصر. ويأتي المؤلفان الأوليان الأمرَ بنفسهما في الحالتين الأولتين، غير أن الحالة الثالثة وإن لم يتدخل المؤلف في إحداث التغيير المعني بنفسه فإنه مثله مثل المؤلفين السالفين فلم يستفد مؤلف آخر غيرهم من العملية بتاتا، بأن يلحق إليه إرثه مثلا. يتعلق الأمر: أولا، برومان غاري الذي تخفى يوما وراء قناع إميل أجار، وذلك كي يجدد صورته ككاتب، ضدا على الصورة الأحادية التي ارتبطت به وبعمله، ويحقق في سبيل ذلك أفقا جديدا لتلقي عمله الإبداعي. ثانيا، ببوريس فيون الذي توارى خلف فيرنون سيليفون، زاعما أنه كاتب أمريكي يترجم عمله الذي قد أطلق عليه تجاوزا "سوف أبصق على قبوركم" والذي ادعى بأنه نُقل من الإنجليزية. بغض النظر عن البعد التجاري في هذه العملية إذ انتبه بوريس فيون إلى رواج كل ما هو أمريكي في فرنسا فيما بعد الحرب العالمية الثانية للأسباب المعروفة، فإنه قد عبر بتغييره للجغرافيا والثقافة عن اللحمة الأمريكية التي تلتصق بجلده، وبكونه يمتهن الموسيقى ويحب الجاز إلخ. ودون أن أذكر كل التفاصيل المتعلقة بنشر هذا الكتاب، فإنني أخلص إلى أن هدف بايار هو التأكيد من خلاله بأن اسم المؤلف متى كان واحدا فهو يظل محفوفا بالسلبيات، إذ يجعل هويته مجمدة، غير أن تبديل الاسم بهذا الشأن يفتح المجال للشخصيات العديدة التي تسكن المؤلف كي تعبر عن نفسها. ثالثا، لويس كارول الذي شاء بايار، تماشيا مع نظريته السابقة بخصوص السرقة عن استباق أن يكون قد تأثر بالسريالية، لذلك عمد إلى نقله من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين كي تبين خيوط هذه العلاقة، وقام بوضعه زمنيا مع السرياليين كي ينجو من سوء الفهم الذي قد يطاله لولا ذلك، ثم ليتبوأ مكانته من بين الكتاب الحديثين، مجاورا إياهم في سياقات ثقافية مخالفة. ما يمنح لعمله معاني فكرية وسياسية ما كان لتتاح له دون هذه الإزاحة التي يدافع عنها بيير بايار.
غير ذلك عمد إلى نسبة بعض الأعمال إلى كتّاب تنسجم مع شخصياتهم ومحاور إبداعهم، مبدلا أصحابها بأسماء أخرى يرى أنها هي الجديرة بأن تثبت هذه الأعمال الجديدة في قائمة منجزاتهم، لأسباب كثيرة ترتبط بالخصوص بتوجههم الإبداعي وبالبصمة الذاتية التي تقترب منهم والمتروكة في العمل المعني. كما فعل الشيء نفسه في مجالات أخرى من قبيل الفلسفة، الفن، والسينما. إذ نسب فيلما معروفا لإزنشتاين مثلا إلى هيتشكوك، وفعل شيئا مماثلا بأن حول روبير شومان من موسيقي إلى رسام لوحات، ونسب له لوحة الصرخة الشهيرة لإدوارد مونش. كل ذلك لأن هناك روابط عضوية عميقة تربط المؤلفين المستفيدين في هذه الحال بالأعمال المنسوبة إليهم، ولأن الأمر يفتح صفحة جديدة لتلقيها، وتكتسب بالتالي قراء ومتلقين جدد، ينظرون إلى العمل بمنظار عصري خاص. ما يفتح آفاقا جديدة أيضا بالنسبة للنقاد متى تحرروا من قيود النظرية الأدبية الكلاسيكية، وانخرطوا في المغامرة النقدية والمعرفية التي يدعوهم إليها بيير بايار. ذلك أن كل كاتب وإن كان يعتقد في خضم هوسه النرجسي بأنه واحد وفريد، فهو ليس إلا ناطقا باسم عائلة كبيرة من العقول لا يمكن حصرها نهائيا في نطاق زمني محدد!
kermounfr@yahoo.fr

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف