ثقافات

هوليوود والبحث عن الزمن الضائع

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

يوسف يلدا - سيدني: أكثر ما كان يخشاه مارسيل بروست، أن يكون بعيداً عن أمه. هكذا أجاب الروائي الفرنسي، البالغ حينها 14 عاماً، على إستبيان خلال حفل عيد ميلاد صديقته أنطوانيت فور، إبنة الرئيس الفرنسي فيليكس فور. ومع الأخذ بنظر الإعتبار أن مؤلف رواية "البحث عن الزمن الضائع" لم يترك منزل أمه أبداً، فقد كان هاجس الخوف من أن يبتعد عن عنها أكثر ما يعذب وجوده لسنوات طويلة. لكنه كان أيضاً ممن يعشقون حفلات المجتمع الراقي. ولم يكن يخفي إعجابه بطبقة النبلاء، التي أحاطت به، مستغلاً بذلك صداقته لآنا دي نواليس، وروبرت دي مونتسكيو، وإليزابيث دي غرامونت، وغيرهم من الكتاب ذوي الدم الأزرق.
وفعلاً، إن الإعجاب بالسلوكيات الجيدة أدت، في نهاية الأمر، الى القضاء على "الرجل الذي مات نتيجة إصابته بالبرد"، لمجرد رغبته في أن لا تفوته مأدبة عشاء في ليلة جليدية بباريس. إلاّ أنها خلّدت إسمه ايضاً. وعلى أبواب القرن العشرين، بعث بروست، المتعب، الروح في "كتب الإعترافات"، عبر لعبة قديمة تقام في صالونات النبلاء الإنكليز والفرنسيين، فحواها أن يتم تسجيل الأفكار الحميمية لعلاقات الصداقة في دفتر ملاحظات، من خلال طرح أسئلة بسيطة وجريئة في ذات الوقت. مثل "ماهي الصفة المفضلة لديك؟"، و"كيف تتمنى أن تموت؟"، أو "ما رأيك بالبؤس؟"، و"ما هو شعارك؟"، و"ما هو أغرب شئ فيك؟". وقد نشر بروست ردوده في مقال بعنوان "أسرار صالون بقلم بروست"، الذي ظهر في "لا ريفيو إيلوستر" عام 1892. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن، لا يزال إسمه مرتبطاً بالإستبيان الذي ترتعد منه فرائص نجوم "الشو بيزنس" اليوم.
وفي العام 1993 عملت المجلة الأمريكية "فانيتي فير" على إخراج صفحات التسلية بحلّة جديدة متأثرة ببروست، وعلى شكل لقاءات مع شخصيات ثرية وشهيرة ومتنوعة. واليوم، يعد قسم التسلية في المجلة، من أبرز ما يميّزها. وفي ردّها على سؤال "إذا كان بمستطاعك أن تغيّرين شيئاً واحداً فيك، ماذا كنت ستختارين؟" قالت جين فوندا: "عدم قدرتي على إقامة علاقات دائمة". وعندما تم طرح السؤال التالي على هيدي لامار "كيف تفضلين الموت؟"، أجابت: "يفضل أن يتم ذلك بعد الجنس". في ذلك الوقت، كانت المرأة الأكثر جمالاً في تأريخ السينما تبلغ من العمر 85 عاماً.
وبعد مرور 20 عاماً على إجراء العديد من اللقاءات، تقوم دار النشر "نورديكا ليبروس" بإصدار "فانيتي فير" في إسبانيا. الإستبيان بروست: 101 شخصية على حقيقتها، تدلي بآرائها حول الحب، والموت، والسعادة، وماهية الحياة. إبتداءاً من مارغريت أتوود وحتى غور فيدال، مروراً بلورين باكال، وكاثرين دينوف، وجوآن ديديون، ونورمان ميلر، وآرثر ميلر، وبول نيومان، إستطاع ناشر المجلة غريدون كارتر أن يعيد جمع أؤلئك المشاهير من عالم "الشوبيزنس" الأمريكي، مع رسوم روبرت ريسكو التوضيحية، وعرضها بإسلوب متنوع، وبلا شك، في غاية الروعة.
عندما سُئل آرنولد شوارزنجر، محافظ ولاية كاليفورنيا، عام 2003، عن أغرب ما يميّزه؟ أجاب: "أنا مجنون أحذية". وأهم شئ يخيفك؟، "تخيفني جداً إزالة الشعر على الطريقة البرازيلية. لقد خضت تجربة قاسية معها في عام 1978". وأما يوكو أونو، أرملة جون لينون، فقد حاولت أن لا تكشف إلاّ القليل من ما يتعلق بحياتها. وعندما طرح السؤال التالي عليها "من هم أبطالك في الحياة الواقعية؟"، أجابت "أنا". ومن هو بطلك الخيالي؟، "أنا"، "وأعظم حب في حياتك؟"، "أنا". و"من هم أفضل الكتّاب لديك؟"، "أنا، أنا، أنا وجون". فيما تميّز رد الكاتب البريطاني سلمان رشدي بصراحة شديدة، عندما سُئل "متى تلجأ الى الكذب؟"، قال "في مثل هذه المناسبات".
في أحد لقاءاته الأخيرة، في مايس من عام 1922، جلس مارسيل بروست على طاولة واحدة الى جانب إغور سترافينسكي، وجيمس جويس، وسيرج دياغيليف، وبابلو بيكاسو. كانت المناسبة مأدبة عشاء خاصة في فندق ماجستيك الراقي بباريس. حاول بروست، الذي لم يكن قد خلع القفازات من يديه، ولا معطفه الجلدي طوال الأمسية، أن ينتزع بعض الإعترافات من سترافينسكي، بينما كان جويس نائماً على الطاولة. " من هم أفضل الموسيقيين لديك؟، أنا أعبد بيتهوفن"، سأل وأجاب الكاتب على سؤاله في الحال. كان جواب قائد الأوركسترا بكل برود "أنا أبغض بيتهوفن". ربما هناك أسئلة غير رصينة ، حتى بالنسبة لعبقري مثل بروست.


التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف