عمارة مكتب "سنوهيتا"
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
خالد السلطاني: يعيد مكتب "سنوهيتا" المعماري، الحدث الذي امسى "مألوفاً" في الخطاب المعماري العالمي، المتمثل بارتقاء مفاجئ لمعماريين شباب، غالباً ما يكونوا مغموريين، ناصية "المجد" المعماري، وببزوغ مهني يعشي الابصار!. فعندما فاز مكتب "سنوهيتا" في المسابقة الدولية لتصميم مبنى مكتبة الاسكندرية بمصر في عام 1989، لم يكن احد يعرف من قبل هذه المجموعة المعمارية، تماما، مثلما لم يكن احد قد سمع باسم "يورن اوتزن" الدانمركي، عندما نال في عام 1957، الجائزة الاولى في مسابقة مبنى دار اوبرا سدني، باستراليا، ومثلما، ايضاً، لم يك احد يعلم بوجود "زهاء حديد"، حينما فازت، هي الآخرى، بالجائزة الاولي في مسابقة "القمة" عام 1983، وغير ذلك من الامثلة، التى عدّ وقع احداثها (وإن كان نادراً) امراً معروفاً ومتداولاً في اوساط مهنية عديدة. وبخصوص "سنوهيتا"، فاننا نتحدث عن شباب في العشرينات من اعمارهم، وقتذاك، اجتمعوا في لوس انجيلوس بالولايات المتحدة، ليحققوا مثل ذلك النجاح المرموق والاستثنائي في آن!.
تعود فكرة تأسيس مكتب "سنوهيتا" الى مجموعة معماريين نرويجيين شباب، كان من ضمنهم المعمار المتخرج تواً (والذي سيضحى، لاحقاً، شخصية محورية في مكتب سنوهيتا)، كيتل تورسين (1958) Kjetil T. Thorsen. اجتمعوا فيما بينهم في مستهل عام 1987، وقرروا انشاء مكتب استشاري، وجدوا مكاناً له في فضاء غير مشغول يقع على سطح حانة للجعة، باحد احياء اوسلو العاصمة النرويجية. كان اسم الحانة اياها "دوفري هولين" Dovrehallen (قاعة دوفرى)، على اسم سلسلة جبال "دوفرى" الواقعة بوسط النرويج. وقد قررت المجموعة الشبابية ان تسمى مكتبها "سنوهيتا" Snoslash;hetta، وهي اعلى قمة في تلك السلسلة الجبلية، وتعني: "القبة الثلجية". وبهذة الصيغة فقد ولد مكتب (سنوهيتا للعمارة وتنسيق الحدائق)، الذي قدر له ان يكون، احد ابرز مكاتب الاستشارة في المشهد المعماري العالمي. بيد ان ذلك سيحدث "فيما بعد"، اما الآن، في 1987، فلم يميز احد مشاريع هذه المجموعة. ومثلما ليس هناك جرد محدد بتلك المشاريع، فان شكوكاً تثار فيما اذا نفذ احد منها بالفعل!. لكن الامر، سرعان ما تبدل جذرياً، عندما تقابل، "كيتل تورسين" مع "كريغ دوكاس" Craig Dykers، (المولود في سنة 1961 بفرانكفورت /المانيا، والحاصل على بكالوريوس عمارة من جامعة تكساس)، في لوس انجيلوس، وقررا، بالاشتراك مع آخرين، ان يساهما في المسابقة المعمارية الدولية لتصميم مبنى مكتبة الاسكندرية بمصر، هي التى اعلن، تواً، عنها في 1989؛ على ان تكون تلك المشاركة تحت مظلة اسم "مكتب سنوهيتا للعمارة وتنسيق الحدائق" النرويجي. وفعلا جرى تسجيل المكتب في صيف عام 1989، كمشارك رسمي في المسابقة. وعلى اثر ذلك تم على عجل جمع فريق عمل تصميمي من النرويج
وعمارة هذا المكتب المميزة، هي الآن موضوعاً لمعرض معماري مقام على قاعة المعارض بمدرسة العمارة في كوبنهاغن بالدانمرك. بالطبع، عماد المواد المعروضة هي مشاريع المكتب. لكن عرض المعارض المعمارية في الوقت الحاضر، يختلف عن ما كان سابقاً. ولئن كانت المخططات التصميمية للمشاريع، في الماضي، هي المادة الاساسية مع "موديلاتها"، فان محتويات العرض الآن مختلفة جذرياً. صحيح ثمة "ماكيتات" لا تزال ترُى من بين المعروضات، لكن جوهر العرض يبقى متمثلاً في الوسائط التفاعلية، وخصوصاً البصرية منها: مثل السينما والفيديو والبوسترات الضوئية. ومعرض مدرسة العمارة في كوبنهاغن، بالطبع، لا يشذّ عن ذلك.
في المواد المعروضة بمعرض عمارة سنوهيتا، ثمة اهتمام كبير للمشاريع "العربية"، اولاها منظمو المعرض. وهي المشاريع المصممة والمخصصة الى البلدان العربية من قبل المكتب النرويجي انها: "مكتبة الاسكندرية" بمصر، و"المركز الثقافي" في الظهران بالسعودية،
واذ ندرك طبيعة المقال وخصوصيته التى لا تتيح الحديث مطولا عن قيمة المشاريع المعروضة وتقييمها، ولاسيما "العربية" منها؛ فان كلمات سريعة عنها، سيكون امراً مواتيا وحتى ضرورياً في مثل هذه الاحوال. ونرى ان "العنوان" الرئيس الذي تندرج المشاريع "العربية" تحته، يكمن في توق المصمميين، وتطلعهم نحو حضور ثيمة "الحوار مع الآخر"، الآخر المختلف، لكنه المميز ثقافيا وجغرافيا، والاهم في هذا الحوار، النأي بعيدا عن أوهام "التمركز" الذاتي، والتغاضي، بل ونبذ اي شكل من اشكال التراتبيات. بعبارة آخرى ثمة اهتمام كبير يوليه معماريو "سنوهيتا" الى مفاهيم المكان، والزمان، والآخر. وليس من باب الصدفة ان المشاريع التى تحضر بها مثل تلك المفاهيم، تكون عمارتها المبتدعة، ذات بعد جمالي مضاف، يكون قادراَ على اجتراح تكوينات معبرة ومميزة؛ وبالطبع استثنائية في معالجاتها التصميمية.
ويظل حدث تصميم وفوز، ومن ثم تنفيذ مكتبة الاسكندرية، يظل يمثل الحدث الأهم في "بيوغرافيا" مكتب "سنوهيتا"، ذلك الحدث الذي به تبؤ المكتب مكانته المهنية المرموقة، واكتسب بفضله اعترافاً دوليا مقدراً. ولاتزال نوعية الحلول التصميمية التى "وجدت" في المكتبة، يوما
لقد كانت تجربة الاشتغال على عمارة مكتبة الاسكندرية، تجربة لا يمكن ان تنسى بسهولة من قبل "سنوهيتا"، انها العمل المبكر الذي سيظل محسوباً واحداً من اجمل اعمال المكتب. ولهذا فقد شغل "تاريخ" تصميم وتنفيذ المبنى مساحة واسعة من معروضات المعرض، ومُنح لعرضه وسائط متنوعة فيه. ومبنى المكتبة يستحق ذلك، يستحقها لجهة عمارتها المعبرة، ولناحية تأثيراتها الملموسة على المسار التصميمي للمكتب. وقد اشرت، في دراسة مطولة لي، عن عمارة المكتبة، نشرت في سنة 2005، واعيد نشرها في كتاب صدر ببغداد مؤخرا، من ان "... فان سلسلة التماثلات الذهنية التى يستحضرها المرء عند رؤية الفعالية التصميمية المرئية، يجعل من عمارة مكتبة الاسكندرية الجديدة لان تكون حدثا ً تصميما ً مميزا ومؤثرا ً في مجمل الخطاب المعماري العالمي. كما ان هذا الامر يدلل على ان عملية الخلق المعماري الحداثي، او بالاحرى مابعدالحداثي، هي في الواقع عملية مضنية ومعقدة، تتطلب فيما تتطلب، الالمام العميق في معرفة وادراك انجازات الحضارات المختلفة، والمقدرة الفطنة في التعاطي مع فعاليات التأويل، فضلا على استثمار معطيات الحاضر،والاشتغال على قيم تصميمية مبتكرة
نشاهد في المعرض، ايضاً، تصاميم آخرى، اشتغل المكتب عليها في الفترات الاخيرة الماضية. منها على سبيل المثال "متحف الفن في ليليهامر" بالنرويج. ويآسر التصمميم الذي نفذ في عام 1994، بلغته المعمارية الممّيزة، وقراراته التكوينية الواضحة، المتجسدة في كتلتين، احداهما تنعم بمخطط بسيط ذات هندسية منتظمة، والآخرى تنزع بفورمها نحو العضوية. وهذه الخاصية التصميمية للمبنى ذات الجذر العقلاني، التى تسمح لنفسها ان تجاور، وباتساق مقبول، السمات العضوية للتكوين، تذكرنا باعمال "آلفار آلتو"، والتى يبدو ان المعماريين الاسكندينافيين، ما انفكوا يعتبرون عمارته، وهم على حق، مرجعا تصميماً رصيناً.
يخرج مشاهدو المعرض الخاص باعمال مكتب "سنوهيتا" (وهم قلة، مع الاسف، رغم انه يعرض في في اوساط طلابية، معروف عنها شغفها الابستمولوجي)، بانطباعات اخمن إنها مفرحة لجهة اللقاء، وجهاً لوجه، بمشاريع ذات نوعية مهنية عالية، وبنفس احترافي واضح، وفرادة مقاربات تصميمية. أخرج أنا، ايضاً، مغمورا بذلك الانطباع، مضافاً اليه تساؤل اراه مشروعاً، اعيد طرحه على نفسي وعلى آخرين. سؤال عن جدوى "السرديات" الكبرى، الوهمية والخادعة، التى شغلت الديكتاتويات الحاكمة، شعوبها بها، فقط لاجل تغذية نسغ ديمومة حكمها الشمولي؛ والتى جعلت مجتمعاتها (مجتمعاتنا العربية على وجه التحديد!) تنوء تحت وطأة تنويعات راسخة من التخلف والعزلة والجهل، وبكثير من "التابوات" المشبعة بالتطرف اللاغي للآخر والمتوجس منه. فهذا "الشاب" النرويجي (وغيره من من الشباب الآخرين)، مع اصدقائه، الممتلكين حريتهم: حرية التنقل والاقامة والعمل وحرية ابداء الآراء (اياً تكن تلك الآراء!)، يبهرنا، مثلما بهرنا اصدقائه بعطاء "حريتهم" الكاملة غير المنقوصة، ليحققوا بها ما يحلو لهم من مشاريع.
اتراني متحاملا كثيرا على تلك "السرديات"؟
- لا اظن، فالوقت الضائع، الذي رعته الديكتاتوريات، بأمانة وباصرار، وجعلته وقتا ابديا، نعيش به ونتعايش مع تأثيراته المدمرة، شل ّ قدرتنا واطاح بآمالنا، وفرغ مجتمعاتنا من اية بادرة، يمكن بها ان تعي تلك المجتمعات وقتها الحقيقي، "غير الضائع!". لكن ذلك، بالطبع حكاية آخرى!. حكاية، اثارتها تداعيات سيرة مكتب "سنوهيتا" النرويجي، التى نشاهد تجلياتها الملموسة امامنا، في اعمال معمارية مميزة وجميلة.. ومفرحة ايضاً!. □□
د. خالد السلطاني
مدرسة العمارة/ الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون.