ثقافات

"يما قورايا": مقام عريق ينتشي بالطهر السرمدي في الجزائر

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

كامل الشيرازي: الزائر لحاضرة بجاية (260 كلم شرق الجزائر)، يجد نفسه مدفوعا بتسلق قمة جبلها الشهير بتسمية "يمّا قورايا"، هذه الأخيرة تثير الكثير من الجدل حول كينونتها في مكان يزاوج بين الغابة، الجبل والبحر، فهل الأمر يتعلق بإحدى "الوليات" الصالحات، أم محض أسطورة خيالية في مدينة ساحرة أنجبت عشرات الفطاحل واتخذها الحماديون قبل قرون عاصمة تاريخية لدولتهم.

الجزائر: بمنظور روايات أمازيغية قديمة، فإنّ "يما قورايا" هي فتاة طاهرة كانت تقيم بمنطقة بجاية، وجرى إرغامها على الزواج برجل لا تعرفه، فتضرعت إلى الله أن يخلّصها من ذاك العريس، واحتمت بقمة الجبل هروبا من قدرها المحتوم واستقرت به طويلا، فحمل الجبل اسمها وتحوّل هذا المرتفع الشاهق إلى مزار لا يزال الناس يتدافعون على زيارته منذ حقبة التواجد التركي بالجزائر منذ نحو خمسة قرون.
بيد أنّ إفادات توافرت لـ"إيلاف"، تذهب خلاف ما تقدّم، حيث شدّد الراحل "أحمد طرابلسي" الذي تخصص في تاريخ حاضرة بجاية، أنّ اسم قورايا ظهر عام 429 ميلادي، عندما احتل القائد الوندالي "جيمس ريق" مدينة سالداي (الاسم القديم لبجاية)، وظهر إثرها اسم قورايا الذي يعني باللغة الوندالية القديمة "الجبل الصغير".
لكن هذا الاسم سرعان ما اختفى مع موجة الفتوحات الاسلامية للمغرب الأوسط، وبات الجبل المذكور معروفا بكنية "أمسيون"، وهو ما أورده الشريف الإدريسي في كتابه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" الصادر بحر القرن السادس الهجري، حيث ذكر الادريسي: "مدينة بجاية تطل على البحر لكنها على حرف حجر ولها من الشمال جبل يسمى أمسيون".
ويبرز الكاتب الفذ "العيد معوش" نقلا عن أحبار بجاية، أنّ اسم قورايا ظهر مجددا عندما احتل الاسبان مدينة بجاية سنة 1510 ميلادية، واقتحم مصارعو الثيران المدينة الباسلة متحججين بكونهم أحفاد الوندال، قبل أن يحررها الأتراك لاحقا، في وقت ينفي دارسون أن يكون هناك ثمّة مقام لفتاة اسمها "قورايا"، وهو ما استشفوه من مصنّف "نزهة الأنظار في فضل التاريخ والأخبار" لـ"الحسين ابن محمد الورتيلاني"، حيث لم يذكر اسم قورايا مطلقا في رحلته إلى بجاية.
ورغم الذي تقدّم، إلاّ أنّ المخيال العام لأصلاء بجاية والسكان المحليين يراود مقام "يما قورايا" ويجزم بكون المسألة تتعلق بامرأة صالحة عاشت منذ قرون خلت، وينوّه هؤلاء أنّ كل من يعانق مقامها سيستفيد من بركات الولية وينجو من العين الحسود وتنفتح أمامه أبواب الخير الوفير، وهي ارتسامات يراها كثيرون "خرافات".
المثير أنّ العازبات المتقدمات في السن تراودنّ مقام قورايا علهنّ ينجحنّ في اقتناص فرسان الأحلام، وتندفع بنات حواء بإيعاز من حكايا متوارثة، حيث تقول أمثولة ذائعة الصيت هناك أنّ "الداي حسين" آخر حكام الجزائر إبان عهد الدولة العثمانية، كانت له صبية مصابة بطفح جلدي أعجز الأطباء، فذهب بها بعد مشورة عارفين إلى منطقة قريبة، وهناك شُفيت ابنته من داءها واستعادت نظارتها، فما كان من النسوة منذ ذاك الزمان سوى الذهاب بقوة إلى ذاك النبع، بعضهن يبحثن عن شفاء من مرض ما، وأخريات ينشدن التخلص من عقمهنّ، وفريق ثالث غالب يأتي لتحقيق هدف الظفر بشريك حياة طال انتظاره !
ويبقى مقام قورايا معلما تاريخيا يروي أشواطا من صمود مدينة أمام جحافل الغزاة على مدار الماضي، وجرى اتخاذ المقام برجا للمراقبة البحرية نظرا لعلوه عن سطح البحر. وفوق هذا، تعدّ يما قورايا كتابا مفتوحا يقع في منتصف امتداد شواطئ الجزائر، ويشكل مسرحا ضخما وبحيرة مكسوة بأريج الرمال الناعمة.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف