ثقافات

قراءة في غرام الصوت المرتجف

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

الصوت المرتجف يعشوشب في زوايا أمنا الأرض. نجده في الضلوع وبالقرب منها، لا يكاد يخرج ولا يكاد يصل. لا تكاد تعرف أنه يموت حين تراه يذوي أمامك، فأنت لم تجزم أنه ولد. خافتٌ وضعيف، يحمل الكثير رغم أنه يأتي في كبسولة صغيرة وممزقة. يخرج من بين حُطام كأنه نفثة من غبار، تولد لتتلاشى.
حيث ما ساد الصوت المرتجف، حيث اللا عدل. حيث القوة اللعينة، وحيث تترهل الأخلاق كعشب غابة أسقاهُ الوحل كثيرا. حيث الحزن الذي يأكل بعضه، كليلة حربٍ أهلية. الصوت المرتجف، صوتٌ لا مرئي، لا محكي.. الرجفة أقصى قدرته. يشبه في حالة اختفائه، صوت ذلك الحصان، الذي يقال أن الفتاة الصغيرة وقفت مندهشة في "حانوت القصاب" وهي تراقب وتسأل: إنهم يقطعون الحصان، لكن أين هو الحصان؟ لماذا لا يصيح؟
امرأة تجلبه عند قاضي، ولا تفلح به. شاب يحاول أن يتدارك به رجل الدين قبل أن يرسله إلى جهنم. شعب يستخدمه مع حاكم لم يمنحهم سوى هذا الصوت، ولا يصلوا به. لم يخبرهم أحد أنه صوت لم يخلق ليسمعه غيرهم.
الصوت المرتجف صوتٌ لا يسمّي. صوتٌ يستخدمه الشيطان ليدلل على نظريته في بني آدم. صوتٌ يعلن هزيمة قائله.. وهزيمة المقابل أيضاً. الصوت المرتجف صوت يلعن الدنيا كل ما خرج. صوتٌ لا يشبه الناس لكنه يشبه كل ما ارتعبوا منه: انكساراتهم وأفراحهم على السواء.
من عشق الدنيا ومر بتجربة الصوت المرتجف، طاحت تسعة أعشار حظه منها. الصوت المرتجف ليس معنياً بمحبة أحد، بل فقط يحاول أن يحيا ولا يحيا. لا يبقى قارّا في الداخل، ولا في الخارج. بل يخرج بارتجال لحظة، ليعبر عن نفسه بكل عريّ. صاحب الصوت المرتجف أثناء خروجه، عرضة لكل شيء. ولا يكاد يعود ليبني أي شيء ولا ليأمل أي شيء.. فمن ضمن له عدم عودة الرجفة المؤلمة.
الرجفة.. تأتي في شجار حبيب لا يودّ إيذاء حبيبه. في رغبة ضعيف. في حيي سُفك دم احترامه على عتبة أنذال. تتجلّى، في بحّة أم، تعرف وحدها أبجدية العالم ونقوش أذيته. الصوت المرتجف، ساق نبتة طرية. رعشته التواءه. وارتفاعه "نتوء" يزعم الخبراء أنه مرض. يكاد يموت من كل شيء، من الناس ومن الشمس ومن الهواء.. فبمن يحيا إذن!.
يبقى الصوت المرتجف وحيداً. لا حبل من الله ولا حبل من الناس. حتى صاحبه لا يعرف كيف يسنده. يا لعذابات كلمة، يخرجها فم بارتجاف. تتأرجح الكلمة في الهواء وتسقط قبل أن تصل. ليس من هويّة، وليس من معرّف مخلص. الرجفة، لا تعرف كيف تحمل كلمةً محددة، كثيرا ما تداخل فيها كلمتين ونصفين، فيُسقط بعضهم بعضا. ليست معنية بالحظ ولا باقترابه، فهي تسقط بعيدا. حيث المناطق الميتة. حيث جثث المواقف، و لعنة الظنون.
القلوب الحسّاسة وحدها تحس الرجفة، تسمعها كدويّ، وتحسها كارتطام يهز اللحم والدم. لن يصلح العالم إن اختفت القلوب التي تفهم الرجفة. فمن سيصلح بطلان العالم، في سياساته واجتماعه وعلوم دينه ونفسه!. لن يصلحها إلا من يفهم. ولن يفهم إلا من يصغي، ولا يصغي من لم يستمع للرجفة. ويل لثقافة يستعبدها الصوت العالي. ثقافة لا تتأمل سوى ذلك الدخان الذي يذهب متبختراً للأعلى. ثقافة اشتراها الصوت.. فنسيت صوتها

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
جميل
layla -

استرسالات جميلة ومرتجفة ...تبا للصوت العالي وشكرا لك