ملاحظات في ديوان ماهر شرف الدين: "حصاة في كليتي اليسرى"
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
باريس: صدر عن دار "الغاوون" ديوان جديد لماهر شرف الدين تحت عنوان "حصاة في كليتي اليسرى" (136 صفحة من القطع المتوسط). تضمن 23 قصيدة حيث فيضان من المشاعر، من الاندفاع، من الحنين والصياح الشعري الضروري لإيقاظ الكلمات من غفوتها لتؤدي دورها الذي هو في صلب التجاور: تأبيد المُهمل العابر على نحو يشفّ منه الحاضر بكل ما يحمل من أحلام:
"الشمس في القرية
تشرق من التنّور
ساخنة كالرغيف الذي خرج للتوّ
تترقّق بين يدَي جدّتي
كالعجين
وفجأة تصبح رغيفاً مالحاً ورقيقاً" (ص 117)
إنه ديوان متماسك بقصائد دالة تفصح عن شاعر واع لكيفية استخدام كل حيل اللغة من المباشرة اليومية إلى البلاغة المفتوحة، حفاظا على الشعرية الرهيفة؛ على الصرخة المقاسة فنيا... وذلك بأسلوب يتراوح بين الصخب والرشاقة؛ أسلوب يذكي عاطفة القراءة، ليس مسرفا البتة، لكنه مقتصد في ديناميكية الايصال:
"في الليل الشبابيك تنام
لتستيقظ المرايا" (ص 18)
"ينابيع الظهر التي
- ككل الينابيع-
تنفجر حين يبدأ الثلج بالذوبان" (ص 71)
صحيح ثم قصائد تندرج تحت ثيمة الإيروسية تسيطر على جوِّ الديوان؛ حواسّية ذات لهاثٍ إيقاعيٍّ المجازُ فيها يوثًق بقدر ما يوسّع من الصورة الشعرية. ألا أنها قصائد مليئة بلقطات حسية مذخورة للتأثير، تشكل جزء لا يتجزا من سيرة الديوان كعمل شعري واحد وما محطاته المختلفة سوى زوايا مربعٍ جماليٍّ مقفلٍ. إذ لا قيمة لوصف علاقة جنسية ما لم يرتفع بها الشاعر الى سدرة الفنّية الشعرية التي تنعش نظرتنا في ما ظنناه مألوفا وتُجددها:
"اضع يدي على فمكِ
كي لا يسمع الجيران
وكأني أضع يدي
في عالم آخر" (ص 63)
لكن ثيمات ما يجري أمام العين؛ ما يتململ في الرأس، تضارب المشاعر، الضياع، الانتظار، الغربة... كل هذا يتلامح طوال الديوان، وبشكل اوركسترالي، حيث الهاجس "في المكان الصحيح والأنسب"... ينساب مونولوغا داخليا تختلط فيه الذكريات بما لم يصبح ذكريات بعد:
"رأيتُه
يسقط
من
الطابق
المئة
كما تسقط الدمعة من العين" (ص 93)
"أنا وحيدٌ
ووجعي اليومَ وعاءٌ
ملقىً تحت دَرَجِ بيتٍ مهجورٍ" (ص 107)
في الحقيقة، هناك وحدة إيقاعية مهما اختلف موضوع القصائد، بحيث الواحدة تضيء الأخرى. كما لا يوجد بطء بين بيت وآخر، فحتى تأمل شبّاك "يعكس ما في الغرفة كالمرآة" يصبح حركة إيقاعية تكسر البطء الذي أحيانا لا مفر منه... فالشبّاك هنا سرعان ما يثير اضطرابا فينا:
"في الليل الشبابيك تنام
فلا تُريكَ الخارج
بل الداخل" (ص 18)
***
هناك شعراء همهم أن يكتبوا انطلاقا من شعور تنافسي يتحجبون وراء كلمات مبهرجة ومواضيع الساعة المنخوبة حتى ابتذلوا الشعر فيما بينهم، وهناك شعراء ينصب اهمامهم قبل كل شيء على اكتشاف الأداة الأنسب لجعل حدث عابر قصيدا يقف بذاته. ماهر شرف الدين ينتمي الى الصنف الثاني. وما يضاعف قيمته هو أنه ناشر للشعر أيضا. ومع هذا فإنه ليس شاعرا ولا ناشرا بالمعنى المتعارف عليه. إنه مزيج الاثنين: فوران وتأمل؛ سجال ومعاينة؛ تزاوج بين شاعر قبل كل شيء، وفرد أنيط بمسؤولية ترويج الشعر. وفي كلا الحالتين، لا يبحث عن مجد... وإنما عن خط شعري تسوقه المسؤولية إلى أن لا يكون الشعر مجرد "فكرة بدائية"... وإنما أن "يلوح على شكل علامة صح". وهذا يتطلب - بالأحرى تطلب لانتاج هذا الديوان- إلى كلمات مغسولة بالتجربة فيها الكثير من الموسيقى الجوّانيّة، وإلى انخراط واع في مسؤولية فتح الابواب للآخرين.
***
والآن، إلى القارئ الباحث عن رسالة:
حتى يكون ديوانٌ ديواناً شعرياً حقا، عليه أن ينطوي على حكمةِ "حصاة في كليتي اليسرى": العبرة لمن مات، والمتعة لمن يحيا!
الشعر، كما نوّه ناقد بعيد، لا يحتمل أوساط الأمور.