عودة الى كلاسيك السينما (23): الاحتضار والنشوة: مايكل انجلو
قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
برشلونة: في فيلم "الرجل الثالث" يقول تاجر الحرب، هاري، "اورسون ويلز" لصديق طفولته جملة ربما ستكون بذرة الفيلم الذي نحن بصدده، و ربما المساعدة في فهمه، يقول هذا "انظر الى سويسرا...500 عام من السلام و الرفاه و لم تقدم للعالم غير "ساعة الكوكو"، و أنظر الى ايطاليا، فرغم حروبها القاسية قدمت للتأريخ عصر النهضة و فنانيه و شعرائه، مايكل أنجلو، دافنشي.و دانتي و رافائيل".
و من الصدف، ان مخرج الرجل الثالث هو "كارول ريد"1906-1976 المخرج البريطاني الرائع الذي سيقوم بأخراج و انتاج فيلم "الاحتضار و النشوة" في عام 1965، الفيلم يتبنى الرواية بنفس العنوان للكاتب الاميركي "أرفنغ ستون"1906-1976 .المتخصص في الرواية التأريخية، في طرح انفعالي و فلسفي عميق من خلال تحليل شخصيتين حاسمتين في عصر النهضة الايطالي من حيث التناقض بين السلطة و الفن و النزاع الازلي بين قسوة السلطة و حرية الفنان، هنا "بابا" الكنيسة الكاثوليكية "يوليوس الثاني" و "مايكل أنجلو" 1475-1564، و هذا الاخير كان من اهم رموز عصر النهضة، و سيد النحاتين في كل العصور، ثم رساما رائعا، ثم شاعرا عليه معاناة سلطة و غرور ممثل الرب امام عباده، "يوليوس الثاني" كان رجل دولة، و عسكريا محنكا، و قاد العديد من الحروب ضد الدويلات الاقطاعية المجاورة و صد غزوات المانية و فرنسية كان يعتقد ضرورتها لارساء السلام المدني، يلتقي الشاب "انجلو" أشهر نحاتين "فلورنسا" و يكلفه تنفيذ فكرة كانت تداعب خياله، و هي تزيين قبة كنيسة البابا "سيكستو الرابع" الذي قام بتشيدها في 1477، و هذه كانت مقر اقامة الباباوات لتشتهر فيما بعد بهذا الاسم "السيكستين" لتصير ايضا مقر الادارة الدينية و العسكرية لدولة "الفاتيكان"، و يطلب من النحات رسم قصص صحابة السيد المسيح كما كان يتخيلها، و هذا يتحجج في كونه نحاتا و ليس رساما، و يعتذر من قداسته، ولكن هذا البابا العنيد واعيا قدرة الفنان يصر على الفكرة و الفنان يحاول الاحتجاج، و الامر ينتهي بقرار صارم تنتصر فيه السلطة على الفن، و يذعن النحات لامر البابا. الفيلم يعتني بفترة قصيرة من حياة "مايكل أنجلو" و التي تبدأ بهذا التكليف، و تستمر 4 سنوات، المدة التي استغرقت الفنان أنجاز أجمل الاعمال الفنية على مدى العصور في زمن الحروب و عدم الاستقرار السياسي في ايطاليا، و الغرابة هنا هي نضوج الفكر النهضوي في كل المجالات الثقافية و الفنية تحت رعاية سيد و حاكم مقاطعة "توسكانا" الذي عرف ب "لورينزو العظيم" راعي و حامي الفن و الفنانين، و المولع بالتراث الاغريقي -الروماني القديم، و قصره كان يستقبل كل مبدعين تلك الفترة من كتاب و شعراء و رسامين، و "أنجلو"كان ساكن قصر العائلة ينفذ أعمالا نحتية لعائلة "ميديشي" التي ستواصل في حماية الفنانين لعدة أجيال.يختار المخرج البريطاني لدور مايكل أنجيلو الممثل الرائع، -حتى ذالك الحين-"شارلتون هيستون" 1923-1008، اقول هذا لانه بعد هذا الفيلم أتجه تماما الى السينما التجارية المربحة، ثم يجرب تحولا أيديولوجيا غريبا، فهو كان من المحسوبين على المجموعة اليسارية من نجوم هوليوود مثل "غريغوري بيك"و "مارلون براندو" و اخرين من الذين ساهموا بنشاط في حركة الحقوق المدنية في الخمسينات و بداية الستينات، و يبدأ بدعم المحافظين من الحزب الجمهوري، و في سنواته الاخيرة يزداد في تطرفه اليميني، و لم يقم بادوار تذكر.في هذا الفيلم يؤدي "هيستون"أخر، و أجمل أدواره، و يقترح "ريد"احاطته بمجموعة من الممثلين الثانويين لابراز أدائه اذا اسثنينا "ريكس هاريسون" 1908-1990 البريطاني و ابن المسرح "الشيكسبيري" في دور البابا "يوليوس الثاني" و أحياتا يكاد يفوق الممثل الاميركي في أداء جميل لا يجيده الا من ترعرع في كواليس هذا المسرح العتيد.و يختار البريطاني ايضا "هاري أندريوس"1911- 1989 الذي أعتاد لعب أدوار العسكري البريطاني الشديد الانضباط و القاسي، يلعب دور الكاردينال "برامانتي" مستشار، و معمار البابا الذي سيكون في نزاع دائم مع "انجيلو" بسبب أختلافهم في امور الدين و الدنيا، و هذا كان دائما خلف مؤامرات أفشال الفنان في مهمته خصوصا بعد تقديمه الرسام الشاب "رافائيل" الى البابا بعد انتهائه من رسم لوحته الخالدة "أكاديمية أفلاطون" الشهيرة، و يقترح على رئيس الكنيسة التخلي عن خدمات النحات و التعاقد مع الفتى "رافائيل" الذي يلعب دوره الممثل الكوبي الاصل "توماس ميليان"1933 الذي سيتفرغ بعد هذا الى "السينما سباغيتي" الرخيصة التي أشتهرت صناعتها بين أسبانيا و أيطاليا في منتصف الستينات .شخصيتين، في حياة الفنان كانت حاسمة في قراره و تقرير مصيره، هما "جوفاني دي ميدشي" و شقيقته "كونتيس دي ميديشي"أصدقاء طفولته، و سادة العائلة العريقة في "فلورنسا"، و الدورين على التوالى يقوم بهما الممثل الايطالي الاصل "ادولفو سيلي"1922-1986 و الممثلة الجميلة "دايان سيلينتو" 1933-2011، حيث كان يلجاء الفنان كلما شعر يشعر قلقا او خوفا من البابا، أو من استقراره العاطفي الملئ بالغرابة و الازدواجية، فهو كان عاشقا لشقيقة الدوق "تيسينا"منذ الصغر، و لا بد من الاشارة الى ان من هذه الاخيرة لايتذكر المشاهد الا وجهها الجميل، بمعنى انها كانت شئ يشبه "مزهرية" ديكورية على طول الفيلم،ببراعة ينجح المخرج في تحليل قيميتين رافقت تأريخ الانسانية على مدى العصور، الاولى هي ولع رجل السلطة في "الخلود" عبر اعمال فنية و نحتية تذكر أنجازه، و الثانية هي عذاب الفنان و معاناته في تلبية رغبات "المتسلط" أو الدكتادور، ثم تمنع هذا تنفيذ كل رغباته، و هنا يختار أروع نماذج هذا الصراع التأريخي، فحينما يطفح الكيل يهرب الفنان، و "مايكل أنجيلو" يتمكن الفرار من براثن الباابا 3 مرات، أثنين منها الى فلورنسا حيث يعود بعد أقناع عائلة "مديشي"، في واحدة من لقطات الفيلم الرائعة نرى الفنان يذهب الحانة القريبة بعد عمل شاق في قبته، و بعد تذوقه أول كأس نبيذ يحتج و يعنف صاحب الحانة ردائة النبيذ هذه الليلة، و هذا يجيب ان برميل النبيذ جديد و لا يمكن تحوله الى "خل"في فترة قصيرة ولكنه بعد تذوق شرابه يعطي الحق للفنان و يتناول فأسه و يحطم براميل النبيذ المخلل، و هنا يتعلم الفنان درسا جديدا و لا يتأخر العودة الى قبته و تدمير كل ما رسمه حتى ذالك الحين و يقرر الهرب، و هذه المرة لم يعود الى فلورنسا و انما ذهب الى "مقالع مرمر كارارة النبيل" مكان عمله منذ صغره، و "كارارة" كانت تزود نحاتين النهضة بكل أنواع المرمر النبيل، و يختفي هناك متأملا بينما حراس البابا يبحثون عنه بأمر من هذا، هناك يعود السلام قلب الفنان المتعب في شروق صباح، يستيقض فجرا جميلا و خيوط الشمس ترسم و تلون الغيوم في الافق في أشكال غريبة يفسرها الفنان الهاما و تجليا، و يرى في في انشائات نلك السحب لحظة الخلق، و يستكين قلبه، و يغزو الايمان قلبه من جديد، و يعود بأرادته الى روما للعمل من جديد، و يتوسل البابا ان يتركه حرا في عمله، و أن فكرة هذا في رسم صحابة السيد المسيح ليست صائبة، و يقنع هذا في رسم الخلق و تسلسل ما حدث بعده حسب الكتب السماوية.و في السنوات الاربع التي أستغرق فيها أنجاز هذا العمل الفريد لم يترك النقاش و الاحتجاج في كل مناسبة تدخل سيد الكنيسة في شؤون العمل، و بسبب من طبعه الحر كمبدع كان يرد و يختلف مع أقوى رجل "سلطة" في اوربا، وهذا يلح عليه في سؤال على طول الفيلم "متى ستنتهي هذا العمل؟" ليجيب الفنان ببرود "حينما انتهي منه" لان البابا كان يخشى موته فبل رؤية العمل كاملا، و يصل أحيانا الى السخرية من بساطة هذا في فهم العمل الفني، وهذه كانت سنوات مريرة حيث ناصب له العداء كل مستشاري البابا بسبب العري الفاضح لبعض أشخاصه الانجيلية، و يجيب، انه قرأ الانجيل و حفظه، و أن الله خلق ادم عاريا، و يقتنع "يوليو الثاني" ان الفنان هو اكثر أيمانا من كل القساوسة و يأمرهم ترك الفنان بسلام، و هو يراقب في خفاء الليل ابداع "أنجيلو".و الرائع في الفيلم هو تركيز المخرج "كارول ريد"في لقطات أيضاحية و طويلة على تقنيات الفن الجداري، "الفريسكو" في كل مراحله من التخطيط الفحمي، الى الطلاء الجصي، ثم أستنساخ هذا على الجدار و تلوينه فيما بعد، يصور بكامله في ايطاليا، في "مدينة السينما"العريقة و كان بناء الديكورات بالحجم الطبيعي و هذا استنزف ميزانيته التي بلغت أكثر من 10 ملايين دولار، و الغريب انه لم يحصد اي جائزة "أوسكار" من تلك الخمسة التي رشح لها، فيلم رائع من كل جوانب صناعته و لكنه فشل تجاريا، و بعد سنوات عاد النقاد اكتشافه من جديد ليوضع في قائمة أجمل الافلام.السيناريو الذي كتبه "فيليب دون" 1908-1992 عن رواية "أرفنغ ستون" يحسب على روائع الكتابة للسينما، فيه يحاول التركيز على فترة محددة من حياة الفنان، و يتجنب اللغط حول الشرط الجنسي للنحات بسبب من ولعه في كمال جسم الانسان، لذالك لا يفوت على المخرج تقديم فيلما وثائقيا مدته لا تزيد عن ربع ساعة، يستعرض فيه سيرة "مايكل أنجلو" بجانب عرض لاشهر أعماله الفنية من نحت و تشكيل.تصوير الفيلم كان من حظ المصور المحترف المخضرم "ليون شامروي" 1901-1974، فيه يستخدم أحدث الكاميرات و أجهزة التصوير في أعتبار لاهمية هذا في تصوير لوحات تأريخية عالقة في ذاكرة الملايين من البشر على مدى قرون، و المخرج كان واعيا هذا الشرط، و حتى في تصوير حروب البابا نلاحظ تحرك الكاميرا الشمولي و الواظح في أعلى درجات الدقة، و هذا ايضا بأعتقادي كان مهما في نجاح صناعة الفيلم فنيا.موسيقى الفيلم التي كتبها "اليكس نورث"1910-1991 لا تختلف كثيرا عن كل أنجازات الموسيقى التصويرية التي أعتادها هذا العبقري سوى في محتواها الديني، و يعود كتابة و توزيع العديد من مؤلفات الكلاسيكيين الخاصة في المناسبات الدينية، "نورث" دخل السينما على يد "أيليا كازان" في فيلم "عربة أسمها الرغبة"، و يقود لاحقا الموسيقى التصويرية لمعظم أفلام "كازان".ثم يختاره "ستانلي كوبريك" لوضع موسيقى أهم أفلامه مثل "أوديسيا الفضاء2001 " و أفلام أخرى.أوصي محبي التأريخ و الفنون مشاهدة هذا الفيلم الايقوني.التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف