ثقافات

صاحبة الجلالة تكسر الأصنام بقلم جمال دملج

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

إيلاف: قد تغيب عنك الحقيقة بأبعادها المتعدّدة لحظة وقوع الحدث، ولكن فرصة معرفتها وفكّ رموزها ستظلّ بيدك إلى الأبد.. مقولة تنطبق على إصدار جديد للكاتب الصحفي والإعلامي اللبناني جمال دملج الذي يبوح في كتابه "أصنام صاحبة الجلالة" بمشاهدات عايشها خلال تغطياته الإخبارية لأبرز الأحداث والتحولات التي شهدها العالم على مدى أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، حيث عمل مراسلاً ميدانياً لأهم المحطات الإخبارية العربية، متنقلاً بين دوائر الأحداث الخطيرة والمناطق الساخنة، ممّا جعله المراسل الحربي الأوّل، وكذلك المغامر في طرح معلومات ومجريات لا تطرب لسماعها سياسة هذه المحطة التلفزيونية أو تلك، على خلاف ما تسعى إليه صاحبة الجلالة (الصحافة) .. ومن هنا يحاول الكاتب كسر أصنام مهنة المتاعب متسائلاً عن كيفية بناء منظومة إعلامية عربية نزيهة ومستقلّة في ظلّ إستشراء وباء "العولمة الصحفية"الناجم، في الأساس، عن النتائج التي ترتّبت على قيام الولايات المتحدة الأميركية بالتحكّم عن بُعد في آليات العمل المعلوماتي، من أجل تسويق سياساتها ومصالحها، على حساب سياسات ومصالح الآخرين، وربّما على حساب آمالهم وأحلامهم؟

الكتاب الذي صدر حديثاً في بيروت، يأتي في إطار محاولة جادة تستهدف تقديم إجابات منطقية على هذا السؤال الذي ظلّ يتردّد بإلحاح في الوسط الإعلامي العربي على مدى سنوات طويلة من الزمن، بدءاً من صعود نجم محطّة "سي إن إن" الأميركية في غمرة تداعيات الغزو العراقي للكويت وعمليّة "عاصفة الصحراء" في بداية عقد التسعينيات من القرن المنصرم، مروراً ببروز ظاهرة إفتتاح الفضائيات العربية وإنتشارها خلال العقد نفسه وما تلاه من عقود، ووصولاً إلى الجدل الذي تثيره هذه الفضائيات في يومنا الراهن على خلفية الشكوك التي تراود مشاهديها حول الطريقة التي تقوم على أساسها تغطياتها الإخبارية في غمرة تداعيات الحالة الناجمة عن "ربيع العرب".يقدّم الكاتب في "أصنام صاحبة الجلالة" سرداً مفصّلاً للكثير من الأحداث الهامة التي شهدها التاريخ المعاصر، بدءاً من نشأته في بلاد الأرز ومشاهداته الجريئة حول مسؤولية سوريا في الحرب الأهلية اللبنانية، مروراً بالدور الذي لعبته الولايات المتحدة الأميركية في تقسيم جزيرة قبرص، وحيثيات وقوفه ضدّ الماكينة الإعلامية الغربية خلال تغطياته الميدانية لكلّ من الغارات الأميركية ـ الأطلسية على يوغسلافيا عام 1999، والحرب الروسية في الشيشان عام 2000، والحرب على الإرهاب في أفغانستان عام 2001 ثمّ في الصومال عام 2002، وغزو العراق عام 2003، ووصولاً إلى قراءاته البراغماتية للمشهد الروسي في ضوء وصول الرئيس فلاديمير بوتين إلى سدّة الحكم في قصر الكرملين في اليوم الأوّل من أيّام القرن الحادي والعشرين، وتوقّعاته بشأن المشهد المستقبلي العربي في ضوء "فورة ربيع العرب" التي دفعته إلى إعتزال العمل الصحفي منذ مطلع عام 2011 إحتجاجاً على عدم نزاهة الإعلام العربي في التعاطي مع هذه الفورة، وذلك بأسلوب شيّق لا يوحي بالتركيز على سيرته المهنية الشخصية التي تضمّنت محطّات عمل خلالها على مدى 35 عاماً بصفة مراسل ميداني متجوّل لدى مؤسسات كبرى مثل "إم بي سي" و"بي بي سي" و"الجزيرة" و"أبو ظبي" و"العربية"، قبل أن يترأس إدارة الأخبار في كلّ من "قناة صانعو القرار" و"تلفزيون أورينت"، ويحاول تأسيس ماكينة إعلامية عربية نزيهة تخرج عن فلك سياسات الماكينة الإعلامية الغربية، وإنّما من خلال إجراء مقارنات واضحة بين مشاهداته حول الأحداث التي قام بتغطيتها وبين الطريقة التي سوّقت بها المنظومة الإعلامية الغربية تلك الأحداث بما يخدم سياساتها ومصالحها، بغية التأكيد على شراسة دور هذه المنظومة في مجال تزييف الحقائق وقلب الموازين في العالم، وتحويل الجزّار إلى ضحيّة والضحيّة إلى جزّار، وذلك كلّه إنطلاقاً من إيمانه الراسخ والعميق بأنّ الصحفي، وفقاً لما قاله ألبير كامو، هو مؤرّخ اللحظة، ويفترض أن يكتب تاريخاً نظيفاً.المشهد السياسي الروسي في ضوء التطوّرات الإيجابية التي إستجدت عليه منذ وصول الرئيس فلاديمير بوتين إلى الحكم في قصر الكرملين عام 2000، بكلّ آفاقه الداخلية والخارجية، أخذ حيّزاً كبيراً من كتاب "أصنام صاحبة الجلالة"، وبنى عليه المؤلّف قراءة براغماتية للأسس التي يفترض أن تقوم عليه السياسة التي تقوم في الأصل على مبدأ الأخلاق. والمعروف أنّ جمال دملج أمضى ثلاث سنوات من حياته المهنية في العاصمة الروسية موسكو، قام خلالها بتغطية ميدانية للحرب في الشيشان، ركّز خلالها على إقناع المشاهد العربي بأن هذه الحرب لا تحمل أي طابع ديني موجّه ضد الإسلام، بل هي حرب ضدّ الإرهاب المتمركز في شمال القوقاز الذي أودى بحياة ضحاياه من المدنيين الروس، كما أنّه دعا الدول العربية منذ عام 2000 إلى الإسثمار سياسياً وإقتصادياً في روسيا، وكان أوّل من أطلق في ذلك العام مصطلح "البوتينية" نسبة إلى ركائز العقيدة السياسية التي يقول في كتابه إنّ الرئيس فلاديمير بوتين أرسى دعائمها في اليوم الأوّل من أيام القرن الحادي والعشرين عندما دعا إلى إقامة عالم متعدّد الأقطاب.يبقى القول إنّ كتاب "أصنام صاحبة الجلالة" يقع في 306 صفحات من القطع الوسط، ويتألّف من عشرة فصول لا بدّ وأن تجعله مرجعاً هاماً للعاملين في الميدان الإعلامي، وكذلك للمهتمّين بالشأن السياسي في المجالين العربي والدولي، نظراً لما يحتوي عليه من مادة دسمة وغنية، من شأنها إعادة الإعتبار لأسماء وقضايا ومواقف بقيت مهمّشة في تاريخنا المعاصر، ولو إلى حين.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف