ثقافات

شداد عبد القهار ورضا فرحان: اسطورة الخيال الطليق

-
قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


بين فترة واخرى، يؤكد الفنان شداد عبد القهار، حضوره الفني المميز، وذلك من خلال مشاركاته المستمرة في المعارض الشخصية والمشتركة، التي تقام في داخل العراق وخارجه، ففي كل سنة يقيم لفنه معرضا شخصيا، يعرض فيه رؤيته للوجود والحياة، بطريقة تكشف عن مستواه الفني المتقدم، كما يعرض اخر توصلاته الادائية والتقنية، وخبراته الكبيرة في مجالات صناعة الاشكال او تقويضها، والفنان رضا فرحان، يعمل على فن النحت، بالخفاء، وان مشاركاته في المعارض الجماعية شحيحة، بالمقارنة مع الفنان شداد عبد القهار، ولكنها مشاركات فاعلة، ومؤثرة، ذلك ان رضا فرحان يشتغل بمنطقة (فن الانتباه) ذلك الفن الذي يشد انتباه المتلقي لقيم المفردات التي يمكنه توظيفها وتضمينها في العمل النحتي بطريقة توليفية وجريئة ومؤثرة.
ان هذا المعرض (المقام على قاعة مدارات) يكشف عن الوجه المضيء للفنون التشكيلية في داخل العراق، ويعيد للاذهان قيمة الفنون التي تعرضت للكثير من الانتهاكات خلال سنوات الحروب المستمرة التي توالت على العراق منذ اواخر العقد السابع من القرن الماضي، وحتى وقتنا الراهن.
لقد اثيرت الكثير من الاسئلة المريبة حول الفنون التشكيلية في داخل العراق، وهل يوجد فن حقيقي يستوفي اشتراطات فنون الحداثة وما بعدها؟
اعتقد بان هذا المعرض قدم لمتابعي الفنون ومتذوقيها، اجابات منطقية، مناسبة معنية بالتوصل لمغزى الجدوى من الفنون، وسناخذ في هذا المقال، كل فنان على حدة، وسنناقش السبل الفنية والفكرية التي عمل عليها كل فنان.
ان الفنان شداد عبد القهار، عرض مجموعة من الاعمال الفنية، على صيغتين، الصيغة الاولى مكرسة للعرض بطريقة التعليق بدون اطر تحددها، والعمل يتدلى طوليا على جدار العرض، والصيغة الثانية تكون بالاشتغال على (book art) وفي الصيغة الاولى رسم لوحات، تزواج بين الاتجاهين التجريدي والتعبيري، مستثمرا خبراته في مجالات الرسم والتجسيد الواقعي، وكذلك خبراته في مجالات تجريب المواد وسبل المعالجات الفنية والتقنية التي تفرد بها وابدع في تاكيدها الفني على اعماله لتكون سمة مميزة، تحسب له.
يبدو لي: ان سبل العرض الفني وتنويعاته، تكشف عن كون اللوحة تمثل نصا بصريا مفتوحا، وليس ثمة حاجة ملحة لتحجيم رؤيتها وموقفها باطر ربما، تضر بها، او تحدد من مقروئيتها، وبهذه الحالة فان الفنان تقصد لشد انتباه المتلقي لاهمية طرائق العرض المسوغة بفهم مسبق ومؤيدة بموقف واضح من الاحداث والمتغيرات الذاتوية والموضوعية.
حين عمل الفنان شداد عبد القهار، بمنطقة فنية تزاوج بين الاتجاهين التجريدي والتعبيري، وعندما حرص على توظيف مواد خام مختلفة، وحرك ملكاته الادائية بالتوافق مع ملكاته الثقافية والمعرفية، انما اراد ان يقول كلمته البليغة في الوجود الحيوي خلال ظروف تاريخية عصيبة وعصية على الفهم، واعتقد بان مفعلات الرؤية لدى شداد تتجلى بوضوح من خلال واقع الحياة العراقية المطوقة بالرعب والمخاوف وحالات، الموت المجاني المريع، ومن المشاهدات اليومية الدامية، ومن الاوضاع العامة التي نكابد محنتها جميعا.
اننا نعرف: بان مفاهيم الحداثية وما بعدها تؤكد على الدوام اهمية الفنون التي تناى عن الحالات الاسقاطية، الا ان وطاة الحياة الدامية التي استغرقت من اعمارنا عقودا من الزمن واستنزفت الكثير من قدراتنا وطاقاتنا الكامنة، ما هي الا عوامل تؤثر علينا بشكل مباشر حتما، ولا يمكننا تخطي ضغوطها، وعندما مرت بعض الامم بحقب تاريخية مماثلة، وجدنا بروز اتجاهات جديدة في افرع الثقافة والاداب والفنون، وكانت عبارة عن صيحات مدوية، صرخت بوجه الافاقين وصناع القرار السياسي المجحف، والمضاربين باسعارالجثث في بورصة الدم المراق، وشداد عبد القهار، بوصفه كائنا انسانيا شفافا وحساسا ومرهفا فانه يلوذ باستمرار نحو تطلعه الانساني الشغوف بحب البشرية جمعاء، بلا عقد او ولاءات، الا للجمال الخلاق والحب المتعالي، ذلك الحب الذي يحيل كل سبل التعبير للغايات الاسمى، والمقاصد الابعد، وحين نرى صورا لاجساد انوثية عارية، فمعنى ذلك انه يحيل القصود العيانية الى مرموزات تلمح لمفاتن الفكرة الاشمل. وربما تكون هذه الاجساد العارية، تلميحات للوطن او المدينة او المجتمع، والاهم انه استطاع انتاج اعمال فنية وتاليف انشاءات تصويرية مفتوحة على الرؤية الحرة، تتيح للمتلقي فرص الافتراض والتاويل على انحاء شتى.
اما مجموعة اعماله في فن (book art ) فان الفنان شداد عبد القهار تناول عدة مواضيع مهيمنة على ذهنه وخياله وهي مواضيع الحب في زمن الحرب، وقد استعان بسبل ادائية متباينة، بدءا، من الرسم بالمواد الفنية، مرورا بتوظيف التحرق والتحزيز وحفر الورق او تقطيعه واللعب على السطوح، وتدمير بنى الشكل، وهذا سياق من فن الحرب، الذي اكد عليه الفنان شداد عبد القهار باغلب تجاربة الفنية وتفرد به وصار سمته المميزة.
ان الفنان شداد عبد القهار، يتمتع بمقدرة هائلة على التعبير عن القضايا المصيرية، المعنية بتاريخ البلاد والمجتمع، وهو دائما يلجا للتجريد، لانه يتحسس وطاة وحدته واغتربه عن العالم ويفكر بالزوال، وتبدو افكاره تتجه نحو حذف المسميات، وحين يلوذ الى عالم التشخيص من خلال اضفاء طابع تعبيري على اعماله، ذلك لانه يتوق لتقديم ارق رثاء للحياة المحتضرة في الزمن الهارب مثل خيول جامحة، فموقف الفنان مكفول بالوضع العام، الذي يؤثر على الاوضاع الخاصة حتما.
والفنان رضا فرحان، فانه جسد في منحوتاته رؤوسا بملامح بشرية متاكلة ومتحورة وكانه يبتغي اعادة تصنيع الراس الانساني واحتملات تشاكله من جديد، واعتقد بان الفنان كان يهمه تشخيص الحالة التي يروم الافصاح عنها، وحين ينجز أي عمل نحتي، فانه يفكر مسبقا فيما سيؤول اليه هذا العمل، فلحظة القبض على المعنى تتاتى من خلال حادثة معينة، كان تكون فقد صديق عزيز، او مراى حادثة مريعة، ومن خلال حالة التفاعل مع المواضيع الحامية فانه، ينشغل بوضع الاحتمالات التي تسهم في بناء الاشكال بصيغة غرائبية تؤكد على فن الانتباه المكرس لتجسيد المواضيع القوية والمتفاعلة مع الاحداث والمتغيرات في الحياة العراقية.
اننا نعرف: بان الفنون النحتية، ما هي الا فنون مكانية، تتجسد ببعدين او بثلاثة ابعاد ولا يمكن اكسابها بعدا رابعا، بيد ان عناصر بناءها تعتمد على وجود تناسب محسوب بين قيم الكتل والفراغات المكملة لمسارات الرؤية البصرية.
والمدهش حقا ان رضا فرحان، عمل على زحزحة معادلة النحت المعمول عليها بشكل تقليديفي العراق، مقوضا الاسس وسياقات العمل الثابت من خلال توظيف المواد الاستعمالية الاخرى وتسخيرها لخدمة مبنى العمل النحتي، بحيث يكون هذا التوظيف متوائم ومناسب للاغراض التعبيرية ووظائف الفن الذي يبحث عن تاليفات جديدة، تسمح بدخولها فنون الحداثة.
لقد عرض الفنان رضا فرحان نماذجه النحتية، بطريقة مختلفة ايضا، فمنها ما هو معروض على الارض، على قطع من الخيش ومنها ما هو معروض بشكل طبيعي على مكعبات معدة لهذه الاغراض، ويبدو لي بان الفنان ينوي مشاركة عمله النحتي مع المتلقي ومزاولة لعبة التاثير والتاثر، وكانه يحاول انسنة المنحوتات والتعامل معها كاي كائن عضوي محمول بمشاعر وتطلعات وافكار انسانية.
اعتقد بان الفنان رضا فرحان جرئ جدا، لاسيما في عرض الموضوعات التي تخفي قصودا خطرة للغاية، واشهد له، بانه قدم نماذج نحتية مذهلة متصديا وساخرا من الديكتاتوريات في ذروة بطشها، ونحن نعرف بان الاعمال الفنية في بعض الاحيان تنتحل صفة الواشي الذي يفضح غايات الفنان، ولكن مرت تلك المنحوتات بسلام في الوقت الذي قد تؤدي به الى المصير المهلك، ومن خلال هذه الشهادة، فاني المح لاهمية المواضيع الحساسة والتي ينبغي التعامل معها بحذر شديد.
ان الفنان رضا فرحان، يحث خطاه الواثقة بهدوء وتروي ويعمل على النحت كما لو انه يؤدي فرضا طقوسيا، وعلى الرغم من التخطيات التي اسس لها، وعلى الرغم من الموضيع الحاسمة والخطرة التي يفترضها، الا انه ياخذ بنظر الاعتبار تضمين عناصر الفن من خلال اعادة احتمال الاشكال والنظر بجدية الى مديات التوافق الموضوعي الذي يؤمن له حقا في ابتكار اسلوبه المميز الذي لا يشبه اساليب الاخرين وكانه صرف النظر عن كل عطاءات تاريخ النحت العراقي المعاصر، بالوقت الذي يستطيع ايجاد وشائج واواصر تربط بين كل سبل الاداء الفني والمواد الداخلة في بناها وكذلك بين الافكار والاخيلة التي يريد الوصول اليها.
ان الفنانين شداد عبد القهار ورضا فرحان، يعملان بحرص محسوب فنيا من اجل تخليق اسطورة تخيلهما، مقدمين خلاصاتهم الفنية على نحو ابداعي فريد من نوعه، ويمكن عد هذا المعرض بانه من المعارض القوية والتي تعطي الانطباع المميز عن الفنون العراقية في داخل البلاد، انه المعرض الاكثر اهمية وجدوى من كل المعارض التي اقيمت في بغداد منذ سنة 2003 ولحد الان.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف