ثقافات

"في القطار" ضمن انطولوجيا القصة الالمانية (3/3)

-
قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
&القسم الثالثفي القسم الثاني من هذا الموضوع عرضنا لقصتين صدرتا ضمن انطولوجيا القصة الالمانية للعام 2017 ضمن كتاب "في الحديقة السحرية للكلمات " الصادر عن دار فشر للنشر في فرانكفورت. في هذا القسم نعرض لملخص قصة "الرجل و الكمان" . اما قصة "في القطار" فنعرضها كاملة مع تحليل سريع لخصائص كل منهما.الرجل و الكمانليزا شتروبل" ببطيء دُفعت الى الامام من حشود الناس التي تدفقت الى الممشى الواسع . وجوه الحشود و حركتها تموجت تحت نظرتي الكسولة فتحولت الى كتلةٍ غير قابلة للتعريف ، كأني انظر من خلال زجاج متسخ. ما عادوا عندي غير مثيري ضجيج عديمي الاسماء".&استنشقت هواء منعشا و اطلقت زفيري تنهيدة تسعى الى الحرية. كل السائرين أطلقوا نفاذ صبرهم في الهواء. العجالة باتت كما التنفس جزءا من حياتنا اليومية . حتى الريح لم تكن تشعر بالاستقرار اذ دفعتني في ظهري نحو المقدمة.&لم يكن اليوم يفرق عن باقي الايام. حتى سمعتها ، تلك الاغنية.&في اللحظات الاولي ابتلعت الضجةُ و صوتُ الريح تلك النغماتِ الرقيقة ، كانت بالكاد مسموعةً لمن سعى أن يسمع ، صادرةُ من آلة كمان ، تعلقت نغماتُه في الهواء بشجن فأحسست باهتزازاتها بكل و ترٍ في جسدي .&قمت بما لم اقم به منذ فترة. وقفت ، اغلقت عينيّ و أصخت السمع . تذمر المارون من وقوفي في طريقهم و تجنبوني راسمين قوسين على جانبيَّ. تسللت ببطي الى مساحة صغير مغطاة بالعشب فصلت بين الطريق المعبد و الممشى . اتكأت على برودة المعدن لأحد اعمدة الانارة و جعلت جسدي ينزلق نحو الارض. امتصت ملابسي رطوبة العشب كما القطرات القليلة من المطر. احسست ببرودة الماء و الهواء ، شممت رائحة المطر الواعد. رأيت مسحال الغيوم فوقي و سمعت الاغنية التي اوعزت لتفكيري بالرقص. و بمصاحبة الموسيقى التي باتت اعلى فأعلى وجهت نظري مجددا الى الناس.&الآن رأيتهم كما هم.&رجل حانق يتحدث بالهاتف النقال و يحرث طريقه بين الحشد لاعنا بدون اكتراث . امرأة اغلقت فمها بقطعة خبر تجر طفلا خلفها. لم يرونني . كانوا عميانا و صماً عن كل ما يجري ، لم يكونوا يرون سوى مسعاهم بشبق محموم.&فجأة اقتحمتني صورة ماكينة دءوب ، تلفظ دخانها في الهواء بصفير و حشرجة ، دءوبا تعمل حتى تشيخ ، تصدأ و تنهار. الاغنية اطلقت عندي صورةَ أن المدينة باتت ترجيعَ صدىً لحشرجة الماكنة . همهمة المحركات و الاصوات تُبتلع أحيانا من قبل رنة هاتف يتبعها ايقاع متموج لا نهائي .&حين مر الناس بي ادرك لحظتها لأول مرة جوهر وجودهم : انهم حبيسو اقفاص اغلقوها بانفسهم على انفسهم ، هم انفسهم كانوا حراسها القساة . انهم يسعون في كل اتجاه بدون توقف . في ذهنهم لم يكن ثمة مكان لـ (الآن و هنا) انما للغد و بعده و ما بعده ، للموعد القادم ، المهمة القادمة. كانوا عديمي ملامح لا يميزون انفسهم عن الاخرين .&انا كنت ايضا سناً في ترسٍ من تروس تدور و تعاود الدوران في ساعة هائلة. و لكن في هذا اليوم بالذات اطلقت في داخلي اغنية الكمان ما جعل دوران التروس في داخلي يتوقف . في تلك اللحظة ادركت قيمة الحياة في الحياة نفسها. كشف لي هذا جمال الاشياء الصغيرة التي لا يلحظها المرء الا اذا شاء . جمالٌ غفلت عنه طويلا.&و فيما كانت الافكار تطن في رأسي انفرجت فسحة في تدفق الناس المتواصل و رأيت الرجل ذا الكمان جالسا في ظل بناية عالية . و بعينِ من أحس بوجودي نظر هو ايضا الي.&ابتسم لي&ابتسمت له&النغمات الاخيرة لموسيقى الكمان اختلطت مع صوت المطر الهاطل و عويل الريح وحشرجة المكائن فتحولت الى سمفونية حزينة، الى شكوى من كل من اصمَّ سمعَه عن رسالته.&و حين حلت العتمة ببطء نهضتُ من مكاني عند عمود الضوء . الرجل الذي ما فتيء يعزف على كمانه نهض و نظر إلي بحزن . أنا فقد انتظمت مجددا في تيار الناس اللاهثين في مجرى الحياة ، تاركة صوت الموسيقى يخفت فيّ شيئا فشيئا ، ما بقيَ منه رافقتني الى حيث سكني كصوت نذير .&في اليوم التالي استأنفت مهماتي التي انصرفت عنها و عدت كما كنت ، سناً في ترس ماكنةٍ . كل يوم اسير في نفس الطريق مارة بعمود الضوء. لم يعد الرجل ذو الكمان هناك. ربما لن اراه ابدا و لن اسمع موسيقاه.اصبحت مجددا عمياء بكماء......انتهت القصة.&القصة الرابعة و الاخيرفي القطارمنير العبيديأخرج كالعادة الى عملي صباحاً، هذه المرة بخطىً خفيفة كما لو كنت محمولاً على غيمة ، فقد حل الربيع و نسيمُ الصباحِ المشمس ينعشُ الجميع . على ذرى الاشجار المحيطة بالمحطة تصدح طيور أنعشها الربيع . أشعر بنشاط و حماس . تلح عليّ رغبةٌ طاغية بالعمل ، تستعجلني أن أصل.يظهر القطار من بعيد... يتوقف عند المحطة . أصعد ، أجلس في أول مقعد قرب الباب الذي انغلق خلفي.في المقعد المقابل ينكمشُ ، حال رؤيتي ، رجلٌ تفوح منه رائحةُ كحولِ الامس و تبغٍ رديء ، يضم ركبتيه إلى بعضهما و ينزوي ناظراً اليّ بمزيج من التساؤل و الخشية ، شعره طويل ، أشعث علاه الشيب ، لحيته مرسلة ، ملابسه رثة ، وجهُه ذابلٌ و تحت عينيه المنكسرتين برز انتفاخان . ككل مشردي المدينة تغلغل في عظامه برد الشتاء الماضي.أن أغيّر مكان جلوسي ما عاد ممكنا ، سيكون جارحا له ، بقيت حيث أنا . هل كان هذا ما أبقاني ، أم لأني شعرت بميل غامض له ؟ وجدت نفسي اختلس النظر إليه ، ثمة شيءٌ فيه مختلف ، فيه انقهار قديم متراكم ، ربما سأكون مثله لو ان امورا عندي سارت على خطى ما صار عليه . لقد وجدت فيه شيئا من نفسي . هو الآخر بات يرسل الي نظرة خاطفة كل بضع ثوان بمسكنة ، كما لو إنه يعتذر بصمت عن اساءة ما ، كما لو أنه عرف اني بتّ افكر فيهفي الطريق من محطة ( Marienfelde ) حتى ( Atellastr ) حلقتُ له لحيته. شذبت شاربه. أعدت تصفيف شعره نافضاً عنه الغبار . نظرت اليه ، تأملت كيف صار . في الطريق حتى محطة ( Priesterweg ) اعدتُ سترته الجلديةَ الحائلة الى سابق لونها ، جلوتُها ، استبدلتُ بنطاله بواحد جديد ، لمّعتُ حذاءه . حتى محطة ( Südkreuz ) أزلتُ الغضون عن وجهه ، رفعتُ الانتفاخين تحت عينيه ، أعدتُ اليهما بريقهما. و هو يترجل ، نظر اليّ بابتسامة الواثق ، سار بخطى ثابتة واضعا خطوته بثبات على رصيف المحطة.وحيدا في الطريق حتى محطة ( Blissestraße ) حيث عملي، تعلو التجاعيدُ وجهي ، يظهر انتفاخان تحت عينيّ ، تطول لحيتي و يشعث شعري ، لون سترتي يصبح حائلاً ، بنطالي بالياً ، حذائي متسخا ببقع الطين و الوحول ، ركبتاي تصطكان . يصعد الى القطار رجل انيق ، يجلس في المقعد الذي يقابلني ، تلتصق ركبتاي ببعضهما و انكمش بخوف ، ناظراً إليه بمسكنة. و حين اصل المحطة ، حيث ينبغي أن يكون موقع عملي ، اغادر القطار غريبا ، مهزوزَ الخطى ، أقف في المحطة حائراً و أسأل نفسي : من أنا حقا و ماذا افعل حقا ؟&......
تحليلفي قصة "الرجل و الكمان" لليزا شتروبل كما و في قصتي "في القطار" جرى اعتماد حدث يومي و تجاوزه الى دلالة محددة ، الى ما يخفيه خلفه . في الشوارع الاوربية ، في محطات المترو و الحافلات نصادف العشرات من العازفين على آلة موسيقية و مغنين بلغات مختلفة. كما و في نفس هذه الاماكن نصادف العشرات من المشردين . لكن في لحظة قد تنكشف لنا دلالات المصادفة و ما تثيره بطريقة تفاجئنا كما لو كنا عميانا قبلها.كل حدثٍ في حياتنا يخفي دلالةً قابلة لأن تتحول الى عمل ابداعي. لكن ما هو مختفٍ خلف الحدث يحتاج لكي يُكتشف الى شروط . فلو ان كل حدثٍ جر الناس الى قصة لغرق عالمنا بالقصص ولم نجد من يقرؤها . و هكذا نحتاج كنقطة انطلاق مسبقة الى شرطين: أن نمتلك الادوات لالتقاط الدلالة و ثانيا أن نمتلك الادوات اللازمة للتعبير عنها. هذه الادوات متوفرة لنخبة محددة ، متوفرة للكاتب جسديا و عقليا و يحملها معه اينما حل . لماذا لا يكتب اذن كل يوم و كل ساعة ؟ الجواب: لان هذا غير كافٍ بذاته. انه يحتاج ايضا الى حالة ، و هذه الحالة لا تتوفر لدى الكاتب دائما ، بل هي ربما تغيب عنه طويلا. هنا لدينا اذن تقاطع لثلاثة عناصر في نقطة واحدة ، توفر ادوات استلام الدلالة ، الحالة الشخصية . القدرة على التوصيل ابداعيا . هذا الاجتماع قليل الحدوث و هذا ما يسميه البعض الهاماً .أثار الحدثُ لدى الكاتبة ما كانت منصرفة عنه ، كما نحن ، أي عن كل ما هو راهن بما يجب ان نفعله غدا و بعد غد . تكثف الرمز في انفراج جمع الناس لبرهة و حدوث فجوة انسلت منها نظرة الكاتبة الى عازف الكمان و نظرته لها كما لو كان ينتظرها ، ابتسامتها له و ابتسامته "المضادة" ، تلك اللحظة تلخص القصة. على أن هذه الفجوة مرهونة بالآخرين و هي ما قد يحدث و ما قد لا يحدث . اما الحدث نفسه ، أي ان نجد في طريقنا من يعزف آلة موسيقية، فهو حدث دائب التكرار.الامر يتعلق اذن بادراك اللحظة و دلالتها ثم بالقدرة على التعبير عنها ابداعيا.هذا الامر ينطبق على قصتي "في القطار" مع الفارق في البنية بين القصتين . فانا اصادف العديد من المشردين في طريقي و في وسائط النقل. اللحظة التي يتحول فيها حدث الى عمل ابداعي هي تلك اللحظة التي يكون فيها قادرا على احداث شرارة. و لكن الشرارة هذه تحتاج لمن يستقبلها و يعيد تأويليها.في العادة اقوم في الطريق بإجراء العديد من عمليات تجميل للناس الذين اقابلهم و اعيد بناء ملامح عابري طريق او مسافرين . فحين تجلس على كرسي يقابلني امرأة عجوز، احاول اعادتها شابة ، و أراقب كيف ستبدو و ماذا ستلبس حينها و كيف ستتصرف. اكتشف اننا قد نمارس شيخوختنا بنفسنا. اكشف خلف الملامح المجهدة لمشرد وجها آخر مخفيا و اتخيله ، كيف سيكون فيما لو توفرت له الراحة و الامان و افعل العكس لرجل ميسور حسن المظهر . ازيح قناعا و احل محله قناعا آخر مناقضا. كيفيمكن لرجل رث ان يكون مدير شركة بربطة عنق. فالحياة قد تحلينا الى مشردين او سادة انيقين "محترمين" .لقد البست مشرد القطار قناعي و استعرت قناعه.ليس كل ما اتخيله يتحول الى قصة و لكن الكثير منه يفعل اذا لم يحجبه عني انشغالي بالحياة اليومية كما حدث لبطلة قصة الرجل و الكمان التي وجدت فجوة بين الناس هو في الحقيقة فجوة في انشغالاتها لتنظر الى الحياة الحقة .
انتهى

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف