ثقافات

عزيز نيسين .."الجائزة الكبرى هي الموت"

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

إعداد وترجمة: سمية الكومي

يكاد يكون "عزيز نسين" هو الأديب التركي الأكثر شهرة في عالمنا العربي، فقد ترجم له للعربية أكثر من خمسين كتابًا، ما بين القصة و الرواية و المسرحية، و إن كان ماكتب يفوق المائة وعشرة. كما تحولت بعض أعماله إلى أفلام عربية و عرض البعض الآخر منها بعد تعريبها على العديد من مسارح الوطن العربي. طبقًا لقائمة الترجمة العالمية الصادرة عن اليونسكو فإن عزيز نسين هو الأديب التركي الأكثر ترجمة بعد اورهان باموق و يشار كمال و ناظم حكمت. عندما يذكر اسم "عزيز نسين" يتبادر إلى أذهاننا الأديب الساخر صاحب الأدب المليء بالاسقاطات السياسية في إطار الكوميديا السوداء. فهذه هي الشخصية الأدبية التي نعرفها لكننا لم نعرف عزيز نسين الشاعر صاحب القلق الوجودي حول حياة الإنسان و موته و وحدته اللانهائية فما وصلنا من شعره بالعربية لا يذكر.
ولد "محمد نصرت نيسين في جزيرة "هيبلي" الواقعة ببحر مرمرة في اسطنبول يوم 20 ديسمبر 1915.
كانت حياة "نيسين" سلسلة من المعاناة والشقاء بسبب انتمائه الطبقي و السياسي و نشاطه الفكري . فقد وُلد لعائلة مدقعة الفقر ،و بسبب عدم امتلاك عائلته للمال الذي يمكنها من إدخاله مدرسة عادية اضطروا لإرساله الى مدرسة عسكرية داخلية مجانية ، مما جلب عليه الشقاء طيلة حياته.
كان نسين من رواد الواقعية الاجتماعية في أدب العصر الجمهوري ،كان قلمه مهمومًا بمواجهة الأنظمة الفاسدة التي لاتتوانى عن سحق الفقراء في سبيل مصالح الأغنياء .قدم نسين للمحاكمة في مائتي قضية بعضها لن يعرف فيها تهمته، و قضى مايقرب من نصف عمره في السجون. و كذلك كان مهمومًا بماهية حياة الإنسان و موته و هو ماانعكس في شعره:

انتظار

هكذا أمام الأعين..
رويدًا رويدًا أتطهر من ذاتي
الراحلون يصبحون أجمل
أرحل، كي أكون جميلًا
لينسون قبحي..
القادم جميل
أما لو أتى لن يعود كذلك..
الحياة، الموت.. جميلين لأنهم لم يأتوا بعد..
يا أجمل الجميلين!
كم ساعة ، كم دقيقة، كم ثانية انتظرت..
الأصعب ليس القدوم أو الرحيل
الأصعب في الحياة هو الانتظار
لم ننتظر ولادة أحدنا
و لكن منذ ولادتنا ننتظر الموت..

يقول في قصته "قصتي" و التي تعتبر سيرة ذاتية مصغرة "انا في عمر الثالثة والخمسين، و لي ثلاثة و خمسون كتاب،وديوني أربعون ألف ليرة، ولي أربعة أطفال وحفيد واحد. ترجمت كتاباتي إلى ثلاث وعشرين لغة، مسرحياتي بلغ عددها سبعة عشر تم عرضها في سبعة بلدان.أختفي عن الآخرين لسببين: إعيائي و تقدمي في العمر، وباستثناء ذلك أعتقد أنني منفتح و أبدو شابًا بالنسبة لعمري، لكنني منهمكًا في الكتابة طيلة عمري، وهذا ما تبقى لي"
و في ذكرى ميلاده السابعة و الستين يكتب لنفسه قصيدة:

سن السابعة والستين

منذ اليوم الذي ولدت فيه
أصبحت الأيام أطول
و هكذا حين موتي
ستصبح الليالي أطول
وعندها لن يدرك أحدًا بموتي
عدا الأيام و الليالي…

" مات إخوتي الأربعة في مرحلة الطفولة بسبب عدم قدرتهم على تحمل بيئتهم الصعبة. وكذلك أمي في سن السادسة والعشرين من عمرها لم تحتمل الحياة، فماتت تاركة هذا العالم الجميل لمن يستحقوه من هؤلاء الأقوياء. و ربما تستطيعون إذن تفهم عنادي و تصميمي على حقي في البقاء"، يقول في "قصتي".
و هكذا يقول في قصيدته:

أطول ماراثون

الجميع يجتازني بمئة متر
أغلبهم الآن بأربعمائة متر..ثمانمائة متر
لكنني لن أبرح السباق..

فلتسبقني بألف متر
سأستمر بالركض
الآن عشرة آلاف مترًا..
مازلت أركض
عشرون كيلو مترًا
سأركض دائمًا..

ثلاثون كيلو مترًا..أربعون كيلو مترًا
مازلت أركض..
أما في الخمسين أو الستين ستنقطع أنفاسك و تسقط أرضًا..

انظر! ما زلت أركض
فأنا عدّاء ماراثون الحياة الأوحد..
لن يمكنك إجتيازي في نهاية هذا الماراثون السرمدي
لن تعرف أن الجائزة الكبرى هي الموت!
و مرة أخرى سأفوز بها و أكون أول من يواجه الموت..

كان يرى أن الموت بمثابة جائزة لايستحقها الجميع "إنّ أهم شيء في رأيي هو أن نستحق الموت، أن نموت بعد أن نكون قد أعطينا كل مالدينا..الذين يموتون من دون أن يهبوا شيئًا لا يستحقون لا الحياة ولا الموت".

ولا ينسى "نسين" أن يعبر في شعره عن الوحدة والشعور بالاغتراب الدائم للإنسان و خصوصًا في ظل الحياة الحديثة في عصر الجمهورية:

يبدو أنني لازلت أحيا

ينتابني القلق جدًا حول نفسي
هل أصابني مكروه؟
هل مت، هل بقيت؟
لا يوجد خبر مني..

هذا الصباح طرقت بابي
و من فتح لي كان انا
أمعنت النظر فيّ جيدًا
هذا الوجه الضاحك كان انا

ما أجمله من صباح!
اليوم أيضًا يبدو أنني لازلت أحيا..


عُشّ

كلما صرنا جنبًا إلى جنب
صرنا أبعد..
عندما نكون معًا
نصبح أكثر وحدة..
أشعر بألم شديد خفي الموضع
هو أيضاً وحيد..
وكذلك أنا..
الآلام تتصاعد من مدخنتنا
نبنى حوائط حجرية خفية..
أصبحنا حوائطنا،
أيّما استدرنا نصطدم بأنفسنا..

من لك؟

من تنتظر؟
هل انت بعيد عن كتبك و منزلك؟
من حين لآخر هاتف نفسك..
أرسل لها خطابًا دون انتظار رد
أينما ذهبت ، أرسل لها بطاقات
تبدأ بعزيزي وتنتهي بقبلاتي..
فمن لك غيرك ليتصل بك..

عندما تنزل من القطار أو الطائرة
في المحطات والمطارات، استقبل وحدتك بفرح
و في الوداع أيضًا، عانقها و قبّلها.
تمنى الحظ لنفسك في رحلة بلا عودة
و انتظرها أن تعود من رحلتها البعيدة
فمن لك غيرك لينتظرك..

على طاولة الشراب، هل تجلس وحيدًا؟
إذًا يجب أن تكتفي بنفسك
انسخ العديد منك و تبادل معهم أطراف الحديث
ارفع كأسك في صحتك!
شاركهم النقاش و البكاء و الضحك
فمن لك غيرك ليؤنسك..

حين تتكور على الأرض من هجمات أعدائك
أمسك برأسك و ارفعها
فمن لك غيرك ليساندك..
حتى حين تموت
لن يخبرك أحد
أخبر نفسك بموتك
فمن لك غيرك ليخبرك..

أنت الضيف ، و انت صاحب المنزل
حين يكون لديك بعض الوقت استضف نفسك
عانقها، قبلّها..
تعلم، مهما يكن ، أن الموت آت و قريب
حب نفسك منذ الآن، حب نفسك
فمن لك غيرك ليحبك..
لم يحصل نسين على جواز سفر إلا في عمر الخمسين عام 1965 و حينها ذهب لحضور مؤتمر"كتاب ضد الفاشية في برلين.نسين المخلص لطبقته، الذي تربى في دار أيتام لمدة عامين عندما اختفى والده ولم تستطع أمه الإنفاق عليه ،و الذي قال "لولا دار الأيتام لما تعلمت الكتابة ولا صرت كاتبًا" ،حين أصبح لديه بعض المال قام عام 1972 بتحويل منزله الموجود في قرية على أطراف اسطنبول تدعى "تشاتلجا" إلى وقف ينفق على الأطفال الفقراء و الأيتام وتعليمهم. و إلى الآن يُنفَق على الوقف من مبيعات كتبه، وعوائد إيجار العقارات التي كان يملكها ، وتبرعات محبيه و قرائه من كل أنحاء العالم.
نسين الذي عاش حياته بعيدًا كل البعد عن النمط الاستهلاكي لها، مهمومًا بالمستضعفين ،كان كذلك أيضًا في موته. فقد أوصى قائلًا قبل وفاته "لا أريد إعلان موتي في الصحف، لا أريد مراسم جنائزية، لا أريد أن يكون مكان دفني معلن ، ليظل الأطفال يلعبن فوقي"
مات نيسين في 6 يونيو 1995 بأزمة قلبية و تم دفنه في حديقة الوقف بدون الإعلان عن موضع الدفن كما أراد ولا يعلم موضع دفنه إلا سبعة أشخاص من أسرته و أصدقائه المقربين.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف