ثقافات

مئة سنة على تأسيس العراق:

زهور على ضريح "مس بيل" (2 -2)

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

الى علي عبد الامير عجام


لا اخشى القول باني واحدا من ضمن كثر من المعجبين والمهتمين بهذة الشخصية النادرة والمؤثرة، بل اذهب بعيدا بالاقرار من اني مفتون بها وبنشاطها الثقافي وما عملته لبلدنا الذي احتفي (نحتفي) هذة السنة بمرور قرن من الزمن على تأسيسه. ليست لدي اوهام، بان " غيرترود بيل" عملت باخلاص نادر نحو بلدها بريطانيا ودافعت عن منافعه. واعتقد جازما، فيما اذا وجدت نفسها في موضع مقارنة بين مصالح بريطانيا والعراق، الذي ساهمت في تأسيسه وظهوره لاختارت، من دون ادنى ريب، بريطانيا. لكن هذا لم يمنعها ان تقدم الكثير والمفيد الى ذلك البلد الذي احبته بصدق، ودافعت بقوة (واحياناً بشراسة!) عن مصالحه وتمنت له الخير والنجاحات، في الاقل، لانه كان من "صنيع يديها"، هي التى تقول في احدى رسائلها لأبيها "ثق أنني لن أشتغل بخلق الملوك ..بعد الآن!".
يزداد اعجابي بهذة المرأة النادرة كلما قرأت مزيداً عن سيرتها غير العادية، وما انجزته من اعمال في منفعة العراق وتعميق ونشر معالم حضارته وثقافته في اوساط مجتمعية عديدة. لنتذكر دورها الاستثنائي في تأسيس "المتحف العراقي" وجمع مقتنياته، وعملها الدؤوب في انشاء "المكتبة الوطنية"وبقيت تشغل رئاستها مابين 1921 -1924؛ هذا فضلا عن نصائحها وتقديم استشاراتها المهمة التى عملت على ترسيخ مؤسسات الدولة الفتية. وهل بإمكان "البغادة" (او بالاحرى البعض منهم) تجاهل ذكر "نادي العلوية"، على سبيل المثال، الذي تعود فكرة انشائه، في بدء العشرينات، اليها حصراً، واسقاطه من ذاكرتهم، وحذفه من اسلوب حياتهم كسلوك جديد من وسائل الترفيه الحديث؟! كانت "المس بيل" تعتبر بغداد دوما مكانها الاثير والمفضل، هي التى وصلتها في 16 نيسان 1917، اي بعد اقل من شهر من دخول الجيش البريطاني بغداد، (المدى، 15/04/ 2018) . وحينما نصحها الاطباء عندما قابلتهم في لندن سنة 1926 قبيل وفاتها، بعدم الرجوع الى بغداد، نظرا للاعياء والتوتر العصبي اللذين بديا ظاهريّن عليها، اجابت وماذا افعل في لندن؟!
كل ذلك كرس لدي، شخصياً، وعمق من مواضع الاعجاب تجاهها والاعتزاز بها وبشخصيتها الاستثنائية. وكنت دوما احدث اصدقائي عن مدى اعجابي وتقديري العالي لها، رغم ان كثرأ منهم كان يصفها بصفات سلبية؛ لكني لم اقتنع يوما بذلك. وقد اكون على خطأ في قناعاتي، لكني مع هذا، بقيت معجبا بها ومحبا اليها ناظرا لها كإنسانه شجاعة وشغوفة بمهنتها ومقدراً عاليا تضحياتها و"مغامراتها" الخطرة في ارض العرب، هي التى امست كنيتها لاحقا تعرف بـ "صديقة العرب"! واذكر، عندما كنت ببغداد وقتها، كنت دوما اكرر رغبة امام جمع من الاصدقاء، بان اضع يوما ما زهوراً على ضريحها، كايماءة اعتراف بفضلها وباعمالها تجاه وطني. وعندما بدأت التحري عن مكان ضريحها ببغداد، صادفتني جملة من العراقيل التى ولدت لدي التباساً وغموضا شديدين في موضوع تثبيت ذلك الموقع وتحديده. فكثير من الذين تعاطوا مع هذة الاشكالية "يجزموا"، من دون اية ادلة تاريخية او توثيقية بان ضريحها يقع في هذا المكان او في ذاك. والغالبية منهم كانت تشير الى مكانين: اما الى مكان مقبرة الانكليز في باب المعظم، او عند مقبرة كنيسة الارمن عند ساحة الطيران. والقليل ذكر بانها مدفونة عند تخوم معسكر الهنيدي "الرشيد" حيث توجد هناك مقبرة للجنود البريطانيين. وقد اقتنعت من خلال تقصياتي الشخصية وزياراتي الميدانية العديدة الى مقبرة الانكليز في باب المعظم (خصوصاً والمقبرة كانت بالقرب من مكان عملي حيث كنت اعمل استاذا للعمارة بكلية الهندسة، عندما كانت الاخيرة حينذاك في منطقة باب المعظم)، بانها خلوا من اي ضريح، وحتى اي ذكر يعود الى "المس بيل". وهو امر جعلني ارجح بان مكان ضريحها يقع عند ساحة الطيران في مقبرة كنيسة الارمن، لاسيما وان اكثرية القائلين بهذا الرأي تمتعوا بشكل وبآخر بنوع من صدقية بحثية.
على ان ثمة امراً عارضا وغير متوقع (بيد انه كان مؤثرا)، حال دون تحقيق رغبتي بوضع ذلك "الاكليل" المنتظر حينذاك! فقد كان لديّ صديق عزيز اثق به، قريب من الطبقة الحاكمة وقتذاك، ويعرف بامتياز طريقة تفكيرها وعلى علم تام بنوعية ذهنيتها، وكان يشغل منصبا رفيعا في الدولة. وعندما اعلمته، وانا امزح، برغبتي تلك، نصحني ان انسى الموضوع برمته، معللاً ذلك بان الوضع السياسي الان (وكنا في بدء الثمانينات، والحرب المجنونة مع ايران مستعرة) لا يحتمل مثل تلك "السلوكيات"، التى قد تفسر بتفسيرات شتى، وربما تودي بي الى التهلكة. وعندما أحسّ بخيبة املي واحباطي من قوله، استدرك مازحا باني يمكنني عمل ذلك بعد الحرب التى ستنتهي، لا محال، قريباً.
لكن الحرب لم تنته "قريبا" مثلما كان يُعتقد. وبات عليّ ان انتظر طويلا. واخيرا، عندما انتهت حان امل واعد بتحقيق رغبتي بوضع الزهور اياها على الضريح. بيد ان الاوضاع سرعان ما تأزمت مجددا بدخول القوات العسكرية الى الكويت. وعندما خسر صدام تلك المغامرة الطائشة التى كبدت ارواح كثيرة وعزيزة من العراقيين، حدثت "الانتفاضة"، التى وجدت فيها املا واعدا اخرا في بلوغ مسعاي. على ان تلك الانتفاضة المفعمة بالامال، تم وأدها ببشاعة وبقسوة وبعنف لا يصدق. وبقيت انتظر اللحظة المناسبة. وفي الختام، عندما سقط النظام برمته في 2003؛ كنت انا، هذة المرة، خارج البلد بعيداً عنه: في الدانمرك، وبالتالي لا يمكنني بالطبع تحقيق رغبتي المنشودة!
في السنين التى تلت التغيير، لم يتسنَ لي السفر الى العراق لاسباب عديدة، لكني تمكنت اخيرا ان ازيل بعض من تلك الاسباب، واسافر الى العراق، كانت المرة الاولى لسفرتي القصيرة بعد التغيير في 2009، تلتها سفرة عمل سنة 2010، وبهما لم استطع انجاز ما كنت اصبو اليه من تحقيق تلك الرغبة الدفينة. لكني في الاخير استطعت عام 2013 ان احقق ما كنت اسعى اليه بعد مرور تلك السنين! كان اصدقائي يتندرون من الحاحي ورغبتي الشديدة تلك، التى بدت للبعض منهم غير مفهومة، لكنهم جميعا كانوا على دراية بها، نظرا لتكراري الدائم لها على مسامعهم بان يأتي اليوم الذي بمقدوري ان اضع تلك الازهار على ضريحها.
مرة، كنت بصحبة صديقي صلاح عبد الوهاب، وكنا نسير في شارع النضال، ولاحت بالقرب منا كنيسة الارمن بفورمها المميز وبصبغتها البيضاء. عندها وجدت الفرصة سانحة لي بالدخول مع صديقي الى الكنيسة لزيارة ضريح "مس بيل"، الذي يجزم البعض بانها مدفونه هناك. لكن صديقي خيّب املي عندما قال لي: انظر يا خالد، جيدا الى تلك الباب. انها باب الكنيسة، اطرقها واسأل عن "ضالتك". وانت؟ استفسرت عن موقفه تجاه الزيارة؛ فاجاب انه غير مهتم ولا مستعد لذلك! وبدا لي باني اقف وحيداً عند الباب أطرقها، وارى امامي حارسها بسلاحه الناري، وهو يفتحها ليستفسر مني ماذا اريد. عندها بماذا سأجيبه؟ هل اقول له اني من المعجبين بالمس بيل، وارغب ان ازور ضريحها المدفون في ارض كنيستكم، ولاضع زهورا عليه! هل سيأخذ كلامي بمحمل الجد، (وكنا نعيش وقتذاك دوامة الانفجارات الدموية وتفجير الانتحاريين لنفسهم وسط تجمع الناس الابرياء؟) هل سيصدقني؛ والاهم، هل سيدرك تماما ويعي ما اقول؟ وقد وجدت من العبث بمكان فعل ذلك، وتخليت طبعا عن تلك الفكرة.
بعد مرور عدة ايام عن تلك الحادثة وكنت لازلت في بغداد، اتصل بي صديقي المهندس "احمد الشيخلي"، ليخبرني بانه تذكر احد اصدقائه في العمل، عندما كانا يعملان معا في الثمانينات في احدى المؤسسات الحكومية في الاسكندرية بجنوب بغداد. كان ذلك الشخص صديق احمد "ارمنياً" يشغل منصبا في ادارة وحسابات المؤسسة، بعد ذلك انصرف لدراسة اللاهوت وترك العمل بالمؤسسة لاحقا. وظلت علاقتهما مستمرة، بالرغم من ان صديقه تدرج في مهام السلم الكنسي. وقد حدد موعدا ليصحبني معه الى الكنيسة غداً. كانت فرحتي لا توصف، وقد شعرت بان اللحظة المنتظرة التى كنت امل بتحقيقها عبر سنين (عبر عقود من السنين!) قد حلّت اخيراً. كان علي ان احضّر "زهورا" لحملها معي ووضعها على الضريح. لكن من اين اجد زهورا وقتها في بغداد الجريحة، هي التى كانت تأن تحت وطأة انفجارات الارهابيين شديدة القسوة وغير المسبوقة؟ صباحاً، حينما نزلت الى حديقة الدار التى كنت اسكن فيها، قطفت بمقص بعض زهورها ووضعتها بحرص مغلفة بنايلون في حقيبتي اليدوية. ماذا لو ان جندياً من السيطرات العديدة المنتشرة في شوارع المدينة، رأى "لفة الزهور" وطلب تفسيرا مني ، بماذا كنت ساجيبه؟ لكننا وصلنا مع صديقي ، بسلام، الى الكنيسة. وقادنا احد حراسها الى غرفة مكتظة بافراد عديدين، بعدما اعلمناه باننا على موعد مسبق مع "فلان". كانت اجواء الغرفة يبدو عليها المرح والابتهاج وهم يتبادلون الانخاب بالكونياك الارمني الشهير. وراينا "صاحبنا" مباشرة ورحب بنا، قائلا بان الجمع يحتفل اليوم بترقية احد القسسة الى مرتبة كنسيّة اعلى.
بعد فترة زمنية قصيرة، تساءل "صاحبنا" بعد انفضاض الجماعة الى خارج الغرفة، عن سبب زيارتنا. وشرح احمد له كيف انا مهتم جداً في شخصية "مس بيل"، وارغب ان ازور ضريحها المدفون في مقبرة الكنيسة عندكم. فاجاب "صاحبنا" مباشرة، بان الخاتون غير مدفونة في مقبرة الكنيسة؛ وفي حينها قلت بصوت مرتفع:
"- شلون"؟؟!!كيف غير مدفونة عندكم والمصادر غالبيتها تشير الى ذلك؟
فاجاب بترو وهدوء، انها، ببساطة، غير مدفونة عندنا، لانها مدفونة في "مقبرة المسيحيين" المجاورة لاراضي الكنيسة. وشرح لنا كيفية الوصول اليها من خلال الشارع الخدمي المجاور لشارع "محمد القاسم السريع". كما اعلمنا على اسم الحارس فيها. وعند ذهابنا الى المكان الذي ارشدنا اليه، وجدنا فعلا مكانا مسيجا بيد ان بوابته كانت مغلقة. وبطرقنا على البوابة فتحها لنا شاب في العشرين من عمره. قال لنا بعد ان استفسرنا منه عن اسم الحارس، بانه ابنه؛ وتساءل بدوره عن سبب مجيئنا. وكنت انا المتحدث في هذة المرة، مستعجلا سؤاله عن قبر المس بيل. فاجاب سريعا وهو يؤشر بيده، انها.. <هناك>!
كان مكان تلك الـ "هناك" قريب نوعاً ما منا، لكنه بدا لي نائياً جدا وبعيداً جدا، ومرت سريعا، ونحن نتجه نحو الضريح، وقائع كثيرة شهدتها عبر سنين عديدة، وانا اسعى وراء تحقيق امنيتي القديمة. وها انا، في الاخير، امام ضريح تلك المرأة المدهشة التى الهبت عقول وافكار كثر من الناس: اصدقائها وغير الاصدقاء، المعجبين بها والكارهين لها.
ها هي امامي مسجية في ضريحها المعتني به مقارنة مع قبور اخرى موحودة في المقبرة. وكان عليّ، ان افتح حقيبتي لانثر "ازهاري" البغدادية على ضريحها، تلك الازهار المتنوعة الاصناف والالوان التى لطالما اعتنت"مس بيل" بمثيلاتها في دارتها بـ "سنك بغداد". كان وقوفي امام ضريحها لحظة مثيرة بالنسبة لي؛ لحظة مشحونة باحاسيس كثيرة تجاهها وتجاه ما قامت به من اعمال. وايا كانت رؤى الناس بها، تبقى "المس بيل" (كما يحلو للعراقيين اضافة <الف> و<لام> الى كنيتها) تبقى شخصية استثائية، اقترن دورها المؤثر وبالغ الاهمية في مصير وطننا العراق ان كان في ظهوره وتأسيسه، ام في سنين ما بعدهما!
مرة، كتب شاعر لاتيني قديم جملة ظلت متداولة كثيرا في سرديات الثقافة الانسانية، وهي:
!Si monumentum requiris, circumspice
وتعني الاتي: (أن كنت تبحث عن مآثره، انظر حولك!)
- سلاماً "مس بيل"، سلاماً "خاتون"!

معمار وأكاديمي

الصور:
1- "مس بيل" (1886 -1926)
2- كنيسة الارمن الارثوذكس (1953 &- 1957) عند ساحة الطيران ببغداد.
3- ضريح "مس بيل" في مقبرة المسيحيين، البتاويين، بغداد
4- زهور على ضريح "المس بيل" (2013)
5- زهور على ضريح "ميس بيل" في مقبرة المسيحيين، البتاويين (2013).

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لفته راءعه
جلال اسماعيل -

د خالدما قمت به عملا انسانى تقدر عليه فكل مطلع على تاريخ العراق الحديث يعلم الدور الكبير الذى قامت به لتاسيس الدوله على اسس حديثه وقد تكون خدمه بلدها فى ذهنها بكل ما قامت به الا ان انجازاتها ما زالت حتى الوقت الحالى شاهدا على فضلها على العراق فشكرا لك

مقال متميز
مازن اكرم فاضل -

مقال متميز فلطالما تساءلت اين دفنت هذه الشخصية التي كان لها اكبر الاثر في تأسيس العراق الحديث. فشكرا جزيلا لكم.