علاء جمعة: بيت ام سالم (حامد)
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
أتقن حامد النجارة منذ أن كان صغيراً، ومنها تحمل جزءاً مهما من مصاريف العائلة الكبير، كان بارعاً في رعاية إخوته والسهر على متطلباتهم حتى قبل وفاة والده، شغل مكانة الأب بجدارة دون أن يسعى إليه.. حتى أمه كانت تبالغ بإظهار احترامها له.
لم يكن وسيماً ، شعره الأسود الفاحم متناسب مع السمرة الخفيفة التي تعلو سحنته كانت مشيته بإيقاعها البطيء متناسقة مع قصر قامته.. وصوته الأبح فيه هشاشة مثل صوت والده أما خشونة كفاه يمكن أن تسمع خشخشة احتكاكهما إذا لامس بهما أي شيء كأنهما ورق زجاج التنعيم ..
لديه حالة يكررها بأستمرار مثل الخيل يطقطق رقبته إذا تعرض لموقف صعب وهي عادة كان يمارسها لتخفيف توتره - دموعه تنهمر لأبسط الأسباب - كان حكيمهم الذي يفتقر إلى الحكمة ، ومركز ثقلهم الذي يمكن له الصمود طويلا مثل صقر لا يستطيع سماع صفير صقاره.
اختياره للكلمات وترتيبه مفردات الجمل كلها تعكس شخصية لا يمكن تجاهلها.. ينشغل الجميع به أينما حل ، ورغم كل ذلك هناك نزعة خرقاء في داخله.
كان يقول .." هذه الحياة مثل مكبر الصوت يخرج الصوت منه في كل الاتجاهات ولا تعمل مثل الهاتف في اتجاه واحد عندما يذهب الصوت للشخص الذي تريده). ولذلك كان مصراً على أن ينجز ما يجب عليه فعله دون الحاجة أن يصل صدى عار أخته إلى كل الناس .. اتفق مع أمه على تفاصيل المخطط للخلاص من حليمة وعارها الذي يجب أن يختفي معها..
.." راح نصير قصه بحلوگ آلي يسوى ولي ما يسوى"..
هذا ما كان يقوله لامه في كل مرة يجتمعان لإعادة تفاصيل المخطط الذي وضعه والذي لا يمكن تنفيذه دون سالم فلم يكن لديهم بديل..
.." لازم تقنعيه .. أنتي أمه، هو يسمع منك "..
ثم يضيف، .."ماكو غيره "..
ولكن لماذا يجر حامد نفسه إلى الوحل بهذه الطريقة ، لا بد أنه يعلم ما في نفسه فهناك شخصية أخرى خفيه تلازمه &- تأمره ويستمع لها - كان لديه ظل منتفخ يستعين به لحمل خطاياه.
كانت تظهر عليه شخصية اخرى تبدو مختلفة لا تشبهه، شريرة..
أو مثل الشر..
ما هو الشر ؟..
يمكن لأي شخص القيام به.. حتى الشخصية المثالية يمكنها القيام بفعل الشر، بالطبع هناك أسباب كالغضب والكرامة، نعم الكرامة هذا الشعور المخيف الذي يقود لفعل الشر - حدث معي - كنت في طريقي إلى المدرسة ولكن لا أعرف لماذا ركبت الحافلة إلى السوق .. نزلت أمام مبنى الأجهزة الدقيقة - كان المبنى كبير نسبيا - دخلت إلى المبنى وصعدت بشكل مباشر إلى الطابق الثاني حيث توجد الساعات بانواعها المختلفة ، ربما هي المرة العاشرة التي أذهب لرؤية الساعات في كل مرة أقف أمام نفس الساعة الإلكترونية من ماركة رادو..
البائعة خلف الطاولة الزجاجية عرفتني من بين جميع الزبائن..
سألتني بلطف ..
.." تريد تشوفها ..!"
هززت رأسي بفرح دليل الموافقة..
أخرجتها من علبتها ووضعتها بيدي كانت ساعة جميلة سوداء عدستها الصغيرة مظلمة وفيها أزرار جانبيه عند الضغط على تلك الأزرار تظهر الأرقام بلون احمر.. خرجت بعدها وذهبت إلى السوق ، دخلت دهاليز وممرات السوق القديم بعد أن اخترقت محالّ الملابس الأنيقة المطلة على الشارع الرئيسي وخلفها تقع أسواق الخضر وأكوام النفايات التي تعبث بها الكلاب السائبة ثم هناك فسحة تنتشر فيها عربات باعة الملابس المستعملة ..
بعدها يأتي سوق النشالة ، كانت محلاته الصغيرة ليس لها هوية محددة ومعروضاته من كل الأصناف ، أحببت التجوال بين دكاكينه .. وقفت أتطلع من النافذة الزجاجية على معروضات دكان تصليح الساعات القديمة ، أطلت النظر .. الساعات اليدوية القديمة شدتني ..
وضع يده على كتفي..
كان رجلا طويلا ذو بنيه جسدية هائلة ..
.." تريد تفوت تشوف الساعات "..
أرعبني - وجهه - فكيه وأسنانه العشرة آلاف كلها خرجت من فمه بأكملها عندما تكلم .. كان يجتر الكلمات مثل الماعز .. وفوق هذا الفم أنف معقوف يتوسط وجهه المليء بالنتوئات العظمية .. عيناه صغيرتان تهدل عليهما جفناه ، زوائد جلدية تكاد تغلقها حتى أصبحت مثل جرح غائر لا يمكن رؤيتها أو معرفة لونها..
كل تلك التضاريس اجتمعت بوجه صغير ذي حنك مدبب لتكون رأساً لا يتناسب حجما مع صدره الواسع وأكتافه العريضة التي تكاد تمزق القميص الذي يرتديه.
اختنقت من رائحة فمه ..
تلعثمت ولم أفهم الكلامات التي نطقت به - أخفيت ارتباكي قدر الإمكان - لكنه مسكني من يدي وسحبني الى داخل دكانه الذي لا يتسع لأكثر من شخصين ، جلس على كرسيه ممسكاً بيدي اليسرى التي سحبني منها. داهمتني أفكار ومخاوف عديدة ، على الرغم أني لم اكن الطفل الساذج ، كنت محتارا " ما الذي يريده مني وما الذي يفكر فيه هذا الوحش البشري .."
تمعنت فيه جيداً وأدركت ماذا يريد مني بشكل قطعي ..
كانت الفريسة التي وقعت بيده هذه المرة مختلفة .. فلست ممن يشلهم الخوف .. ولكن كيف أتخلص من هذا المأزق .. لا أحد يعرف أين أنا لا أهلي ولا أصدقائي ولا حتى المدرسة التي هربت من دوامها..
قررت أن اطعنه على فخذ رجله واهرب .. على الرغم من أنني احمل معي سكين بشكل دائم وحتى عند ذهابي الى المدرسة ولكني لم أطعن بها أحدأ من قبل..َلَابُدّ من استخدامها هذه المرة.. كانت مخفية داخل أكمام القميص..
حاولت أن أنزلها إلى كف يدي عدة مرات لكن دون جدوى لا أستطيع أن افعل ذلك بيد واحدة .. لا بد أن اسحبها باليد الأخرى التي يمسكني منها وكلما أردت سحبها تزداد قبضته قوة .. كانت الثواني تعادل دهرا بأكمله.
اسئلته توالت ، الواحدة تلو الآخر وأنا أصطنع أجوبة لا تناسب ما كان يفكر ويخطط له، قلت له أبي أعطاني خمسة دنانير لشراء ساعة الإلكترونية من محالّ الأجهزة الدقيقة لأني نجحت في امتحانات نصف السنة ولكني نسيت النقود.. يجب أن أعود للبيت ! ..
والحقيقة أن ابي لم يكن يعلم حتى بأي مرحلة دراسية كنت ، ولم يعطني في طفولتي سوى دينارعندما دهستني سيارة مسرعة .. لم يكرر ذلك أبداً،..
ارسلتني أمي عصراً لشراء الصمون - لم أرغب بالذهاب - لأنها كانت تفعل ذلك عصر كل يوم تقريبا مع بدء عرض أفلام الكارتون وعند الساعة السادسة والربع تتذكر بأن الصمون قد نفذ ولم يبق منه شيء للعشاء ..
.. تقف خلفي أثناء مشاهدتي الكارتون وتبدأ بتكرار طلبها دون توقف ..
.." گوم روح چيب صمون "..
.." ما أروح هسه خلي يخلص الكارتون "..
.." راح ايعزل الفرن ، و تبقون بلا عشا .. يالّه روح "..
.." ليش بس أني لازم أروح .. عوفيني خلي يخلص الكارتون لخاطر الله "..
.." گوم عاد..لا تخلي حسي يطلع ويسمع أبوك..أخذ بايسكل أخوك أو روح"..
.." خرب آنه الكواد .. بروح جدي هاي آخر مرة أروح"..
.." هو آلمن .. مو أنت هم راح تزقنب "..
كانت الدراجة الهوائية التي تعلمت قيادتها بمفردي والتي تعود إلى أخي الكبير أعلى من حصان طروادة - قياسها اثنين وثلاثين - تعلمت قيادتها بمعجزة بعد محاولات عديدة أنا وعبد الباقي الذي كان يسقط مع الدراجة كتلة واحدة، مثيراً عاصفة ترابية عند أرتطامة بالأرض .. ينهض ينفض التراب عنه مثل العجل دون أن يشكو أو يتألم.
كنا نحاول أن نتعلم قيادتها بطريقة (نصف بايدار) لأن أرجلنا قصيرة بالنسبة لحجمها الكبير ولا نستطيع إكمال دورة ذراع التدوير الذي يحرك العجلة الخلفية.
كنت أدفع دواسة ذراع التدويرنصف دفعه بقدمي الى الأسفل وأعيد رفعة بالقدم الأخرى ..الأصعب من ذلك كله ، كانت مكابحها لا تعمل فعندما أريد إيقافها أضع قدمي على إطار العجلة الأمامية بين الشوكة أسفل المقود، وفي أغلب الأحيان كانت العجلة تسحب نعلي وترميه أمامي بعد أن ينقطع زِمّامه..لم تنفع لا الدبابيس ولا المسامير لربط (زمّام) النعل بعد أن تكررت الحالة قررت استخدام نعل أختي أنعام عندما أقود الدراجة دون علمها ..كانت تثور ثائرتها حين تكتشف ذلك ..
.." لك أنته ليش مأخذ نعالي ، أنت زنانه ؟.. أبو التخايم"..
.." شبيچ أم وجه الأصفر قابل أگلته"..
أخذت أمي الدينار من أبي ووضعته بيدي وأوصتني نفس الوصية اليومية ..
.." جيب بدرهم صمون .. لا تجيبه معجن .. أختاره مگسب "..
.." مو أفتهمنا .. خوما يوميه تعيدين نفس الحچي"..
.." محظورة أبوك موجود .. چان تعرف شسوي بيك "..
قرصتني من كتفي ودفعتني إلى باب البيت للخروج .. أنعام كانت ترتدي نعلها وتجلس في الحديقة مع سميرة .. لبست نعلي المقطوع وأخذت الدراجة وذهبت إلى فرن الصمون.
عادل وعبد الباقي ورعد الأعرج مجتمعين بالقرب من دكان أبو حاتم الذي يقع على الطريق .. توقفت على حافة الطريق بعد أن سمعت عادل يناديني .. ثلاثتهم وقفوا معي وأخذنا نتحدث عن عصابة حمزة الكردي وفجاءة صرخ رعد الأعرج ورمى نفسه مثل السباحين مسافة بعيدة عني ..
.." سيارة "..
عادل وعبد الباقي تمكنا من الهروب أما أنا فكنت أقف داخل الدراجة مثل المقص متكأ برجلي على صخرة كبيرة من بقايا كونكريتية قديمة كان يضعها أبو حاتم أمام دكانه لحمايته من السيارات المسرعة ..
لا أتذكر سوى مقدمة السيارة البيجو تتجه نحوي .. صحوت وأمي تحتضنني وتقبلني وتنوح داخل غرفة الطوارئ في مستشفى الكندي ..
.." يمه وليدي .. دزيتك للموت .. سوده بوجهي "..
أبو حاتم هو من جاء بي الى المستشفى بعد أن ترك في الدكان زوجته ..
عادل وعبد الباقي أخذا حطام الدراجة الى بيتنا وحالما رأت أمي الحطام أصيبت بالهلع وخرجت تركض مثل المجنون الى مكان الحادث ولحقها أبي بسيارته .. لولا تلك الصخرة التي أمتصت الصدمة لكنت ميتا الأن ، هذا ما قاله أبو حاتم ..
أخرجت ( دينار الصمون ) من جيبي وأعطيته لأبي وأنا على سرير الطوارئ .. ضحك أبي وقبلني، وقال ..
.." أحنا بحال الدينار .. ما صدگنا نشوفك بابا حبيبي ".
الأجوبة الكاذبة التي اخترعتها تراكمت بشكل عفوي وقادتني إلى الطريق الذي أريده، كنت أريد أن اخرج من دكانه ومن هذا المصير المظلم إلى العالم الخارجي الذي كنت فيه قبل دقائق.
قال، .." أني أنطيك فلوس"..
تصنعت الغباء وقلت له ..
.." عندك خمسه دنانير "..؟
ضحك وبرزت اسنان الماعز وأخرج من جيبه عشرة دنانير ..
قلت له .." أنطيني الفلوس أروح أشتري الساعة وأرجع "..
نظر آلي بخبث ، أمثاله لا يتركون فريستهم تفر منهم بسهوله .. أزداد غضبي ولكني كنت خائفا منه ، شعرت بأني لن أتخلص منه ، بدأت بسحب يدي بقوة .. كان يزيد من قبضة يده - سحبني نحوه بقوة &- كان يريد أن يحدثني عن قرب..
قلت له.." خنگتني بريحة حلكگ .. عبالك مأكل ميت "..
شعر بالأحراج وتراجع للخلف مبعداً فمه عني قدر الإمكان .. تملكتني شجاعة مفاجئه ، فقلت له بصوت عال جدا..
.." هد أيدي أحسلك "..
كررتها ثلاثة مرات وفي كل مرة كان يزداد صوتي أرتفاعا حتى خرج أصحاب الدكاكين المجاورة ..
شعر بأن الامور تسير بعكس ما كان يريد, قال ..
.." تريد انروح نشتري الساعة "..
وافقت ، شعرت بالارتياح لأني سوف أخرج من هذا الدهليز اللعين، أغلق باب دكانه وخرجنا إلى الشارع ، أول مرة أرى فيها بهجة الحياة بشكل مختلف .. دخلنا إلى دكان صغير وطلب منه علك أبو السهم ..
ما زال ممسكا بيدي هذا اللعين ، ونحن نسير في الشارع كنت اتطلع في وجوه المارة لعلني أجد أحد يعرفني .. اقتربنا من أبواب أسواق الأجهزة الدقيقة .. شرطيان أحدهم يقف في باب الدخول والأخر في باب الخروج…
عند باب الدخول سحبت يدي منه ولكي يظهر عفوية الأمر ترك يدي ووضع يده على ظهري ودفعني للدخول بقوة .. كان المكان يعج بالمتسوقين..
أحسست بالحرية ، يمكنني الهرب والصراخ والذهاب الى الشرطي الذي يقف في الباب ولكن من سوف يصدق ولد هارب من المدرسة ويحمل معه سكين .. أنا من سوف يعاقب ..
قلت .." الساعات في الطابق الثاني "..
كان المبنى مصمم من الداخل تصميم يشبه المسارح والسينمات ، جعلوا الطابق الثاني يطل على الأرضي وعلى جانبيه سلم للصعود وآخر للنزول ولكن لا أحد يلتزم بتلك الإجراءات .. أثناء صعودنا على السلم قلت له ..
.." أنت اشتري لي الساعة "..
.." لا طبعاً "..
كنت أريد منه أن يسير أمامي حتى أتمكن من اخراج السكينة ولكنه دس ورقة العشر دنانير في جيبي - وتقدم أمامي خطوه فوق السلم أخراجت السكينة - قبل أن نصل إلى آخر السلم طعنته بيدي المرتجفة في أسفل فخذه فوق مفصل الركبة من الخلف وتركت السكينة تعود داخل أكمام قميصي ..
كنت مرتبكا وضربات قلبي تدوي في حنجرتي وأذني ..
كتم صرخته ..
.." أمممممم .. يا أبن الكلب "..
التفت نحوي وتجاوزته فحاول أن يمسكني، هربت ودخلت بين الزحام ونزلت مسرعاً من السلم الثاني وأنا أنظر إليه، كان رافعاً رأسه ويجز على أسنانه مثل تيس يبحث عني بين الزحمة .. ممسكاً بمكان الطعنة …
خرجت مسرعاً، أركض دون توقف وعبرت الشارع الرئيسي ودخلت إلى زقاق جانبي يطل عليه وفي الطرف الأخير من الزقاق انتظرت لكي أتأكد بأنه لم يتبعني، مرت نصف ساعة لا أثر له ..