اقتصاد

لمسة «ميداس» والثروات الطبيعية

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

لمسة "ميداس" والثروات الطبيعية


جواد العناني


عندما نتحدث عن تحويل التراب الى ذهب، فإن أول ما يخطر ببالنا تلك الخرافة اليونانية القديمة التي مكنت الملك "ميداس" المحب للذهب، من تحويل كل ما يلمسه ذهباً. وعلى رغم أنها خرافة، فإنها تمثل جزءاً أساسياً من الواقع الاقتصادي المعاش، والمُمارس كل يوم في هذا العالم. ولعلنا أحوج ما نكون في الوطن العربي الى احياء هذه الروح "الميداسية"، حتى نصبح أثرياء.

الأمثلة على ذلك كثيرة، منها الكتاب الذي صدر أخيراً للأمير محمد بن راشد آل مكتوم، حيث نرى بوضوح أنه سعى لتحويل رمال دُبي الى أراضٍ مرتفعة الثمن، يصل سعر القدم المربع فيها الى أكثر من ثلاثة آلاف دولار. والسعر لا يزال يرتفع يوماً بعد يوم.

كذلك، فإن كلفة المتـــر المكعــــب من الميـــاه المستخرج من الآبار الارتوازية فــــي الأردن يصل الى دينارين. ولكن هذا الماء ذاته المعبأ في زجاجات والمعروض للبيع في الأسواق، يرتفع سعر المتر المكعب منه الى أكثر من مئتي دينار، أي حوالى مئة ضعف كلفة استخراجه، ما يجعله مربحاً جداً. وربما لم تحقق صناعة في الوطن العربي نجاحاً وانتشاراً مثل تعبئة المياه وبيعها.

لكن حديثنا اليوم ليس منصباً على هذه القضايا، بل على قضية معروفة في إطار اقتصادات النفط. وهي أن بيع سعر البرميل الخام بـ 50 دولاراً هو أقل جدوى من بيعه مكرراً ومقسماً الى مواد مختلفة كالبنزين والسولار والافتور وحتى القار (الزفت) والزيت الثقيل. وتعلمنا في صفوف الدراسة الجامعية الأولى في "مبادئ الاقتصاد" ان شروط التبادل التجاري تسير دائماً لصالح الدول الغنية الصناعية على حساب الدول الفقيرة المصدرة للمواد الأولية والخام.

وعلى رغم ان هناك أمثلة قد تشكل الاستثناء الكبير عن هذه القاعدة، ما زالت الأخيرة في كثير من الأحيان صحيحة ودقيقة. وسوف أعطي بعضاً من الأمثلة على هذه القضية في الوطن العربي.

أريد أن أبدأ من البلد الذي أكتب منه هذا المقال، بلدي الأردن. فالأردن يصدر كميات كبيرة من الرَّمل (السيليكا) كمادة خام الى الدول المجاورة. ويباع هذا الرمل بكميات كبيرة وبأسعار منخفضة تجعل احتمالات التصدير والربحية الناتجة منه محدودة وحساسة جداً تجاه أي تغيير يذكر في معدل تكاليف النقل. وينطبق هذا الأمر على الفوسفات الخام كذلك. ولكن الرمل الذي يباع بمعدل سبعة دولارات للطن الواحد لورشات البناء داخل الأردن، يمكن رفع ربحيته (Beneficiation)، عن طريق الكربلة والغربلة، ومن ثم انتقاء الحبَّات الكبيرة المتجانسة منه وتحويلها كيماوياً الى رمل يدخل في صناعة "الشيبس" في الحواسيب. وهذا يرفع قيمة الكيلوغرام الواحد من هذا الرمل من "سبعة سنتات" الى أكثر من أربعة آلاف دولار. ويمكن كذلك تحويله الى رمل صناعي يدخل في صناعة الزجاج أو الكريستال لتصبح قيمته بكلفة محدودة أكثر من مئة ضعف سعره كمادة خام.

وكذلك نرى أن الأردن الذي أمضى سنوات طويلة يصدر الفوسفات الخام الى دول جنوب آسيا وشرق أوروبا بأسعار متواضعة، أمنت له الصناعات السمادية بالمشاركة مع بعض الدول أسواقاً تحافظ على مركزه ثالثاً بين الدول المصدرة لهذه المادة. ولكن هناك أيضاً احتمالين لرفع قيمة الفوسفات الأردني لأنه يحتوي على نسبة مقبولة ومجدية من خامات اليورانيوم. وقد بدأت الدولة تنظر في احتمالات الاستفادة من هذه المادة الثمينة، أو بالأحرى هذا المعدن الثمين.

وكنت أعجب من مصر مثلاً كيف أنها لا تزرع الزيتون وهي دولة متوسطية، بينما ينتج الأردن كميات كبيرة منه وهو دولة ليست مشاطئة للمتوسط. وزرت شواطئ البحر المتوسط في مصر أخيراً فوجدت أن مصر قطعت أشواطاً في هذا الأمر بالقرب من العلمين وسيدي عبدالرحمن. وكنت أعجب لما كانت مصر تعاني من أزمة الدجاج والبيض في الستينات والسبعينات، بينما هي تتمتع الآن بوفرة كبيرة من الإنتاج محت ذكرى أيام الطوابير لشرائه أمام الجمعيات الاستهلاكية، من أذهان الجيل الجديد.

ان التصنيع في الوطن العربي مطلوب. وهنالك فارق كبير في السعر بين مادة خام كالزيتون حين يباع حباً، وبين تعبئته في قوارير أو مرطبانات صغيرة. ان الربح يكمن، في التصنيع المدار بنجاح كبير، والشواهد عليه لا تنتهي، وهي واضحة أمام أعيننا، الى حد أننا ننسى أحياناً تلك الحقيقة.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف