عودة شركات النفط العالمية إلى العراق
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
وليد خدوري
تثير عودة شركات النفط العالمية إلى العراق سجالاً حاداً، ليس جديداً على البلد. فقد اعترض سياسيون سابقاً على وجود الشركات الأجنبية والامتيازات التي تطالب بها، ووجهوا تهماً كثيرة إلى حكومات سابقة في شأنها.
وتعقّد الموضوع وطال أمده فأصبحت السياسة النفطية للبلد عرضة لاتهامات، ما عرقل نمو القطاع، مقارنة بما حققته دول مجاورة. وعلى رغم أن البحث ما يزال يقتصر على مبادئ عامة رئيسة، ثمة أمور مستجدة، منها دور النفط في احتلال العراق عام 2003، وإمكان تبني سياسة نفطية مستقلة تراعي مصلحة البلد وهو ما يزال تحت الاحتلال، ومصير الشفافية في المفاوضات والفساد يعم البلد.
ويوجد لغط أيضاً حول نوعية العقود الحالية وطبيعتها، إذ يتساءل المرء ما هو نموذج العقود التي يجب التوصل إليها مع الشركات العالمية، خصوصاً ان معظمها يمتد بين 20 و25 سنة؟ وما هو دور شركة النفط الوطنية وحصتها في صناعة النفط المستقبلية؟ وهل يجوز منح شركات أجنبية العقود ذاتها في الحقول المنتجة والحقول المكتشفة وغير المنتجة، أو المناطق التي لم يحصل فيها كشف؟ أسئلة تطرح بقوة على الساحة العراقية من خبراء نفط وقوى سياسية في البرلمان. ونثيرها هنا، لأن وزارة النفط العراقية بدأت مرحلة التفاوض مع الشركات العالمية وتوقيع العقود، للمرة الأولى منذ 2003. لقد عقد اجتماع تعريفي في لندن الأسبوع الماضي مع مندوبي نحو 35 شركة عالمية، استعرض فيها وزير النفط وكبار المسؤولين في الوزارة طبيعة المناقصات التي ستُطرح وشروطها، وتقديم المعلومات الفنية لنحو 16 حقلاً أساسياً، بعضها قيد الإنتاج حالياً وبعضها مكتشف ولكن غير مطور. وهذه العملية التعريفية في حد ذاتها تدل على الكثير من الشفافية والمهنية.
ووقعت الوزارة الشهر الماضي بالأحرف الأولى عقدين مهمين، الأول مع مجموعة شركات صينية بقيادة "شركة النفط الوطنية الصينية" للتطوير والإنتاج في حقل الأحدب، والثاني مع شركة "شل" لتجميع غاز الجنوب واستغلاله.
وتشير معلومات إلى ان عقد حقل الأحدب عبارة عن عقد خدمة وليس عقداً لمشاركة الإنتاج، وان أرباح المجموعة الصينية هي بحدود أربعة في المئة. ويتضح ان طبيعة العقود المطروحة في اجتماع لندن هي أيضاً عقود خدمة، لكننا نشكك جداً في ان تقبل الشركات الغربية نسبة الأرباح ذاتها التي وافق عليها الصينيون. فمستوى الأرباح الذي تطالب به الشركات الغربية عادة هو 15 إلى 20 في المئة، كما أنها تحبذ اتفاقات مشاركة الإنتاج وليس عقود الخدمة، لأن من المهم في احتساب أرباحها السنوية ان يُعتبر جزء من الاحتياط ضمن أصولها. ولكن بما ان هذه الشركات ترغب جداً في العودة إلى الصناعة النفطية العراقية، وبعد غياب ثلاثة عقود، نعتقد ان التنافس سيكون قوياً جداً والمفاوضات صعبة، لأن هذه الشركات تريد موطئ قدم في العراق منذ الآن، وان كانت الطريق ما تزال صعبة وطويلة ومحفوفة بالأخطار، أهمها الخطر الامني المحدق بالعاملين في بعض الحقول.
كان لافتاً ان أول عقد تطوير لحقل عراقي منذ العام 2003 وُقّع مع شركة صينية، والثاني مع شركة أوروبية. طبعاً، نتوقع ان يأتي دور الشركات الأميركية قريباً، خصوصاً مع طرح العمل على الحقول العملاقة. وربما استطاعت وزارة النفط صد الضغوط عليها بحيث لم تمنح عقداً لشركة أميركية حتى الآن، إلا ان الحقيقة هي ان هناك احتلالاً منذ 2003، وبغض النظر عنه، تُعتبر الشركات الأميركية هي الأكبر والأهم في صناعة النفط العالمية، ولا يمكن تجاهلها، وستلعب دورها في صناعة النفط العراقية، ما دام العراق قرر الانفتاح على الشركات الدولية. المهم هنا مرة أخرى، طبيعة العقود وشروطها.
قامت الشركة الصينية بالفعل بتغيير العقد الذي كان موقعاً مع حكومة النظام السابق، ووافقت على تنازلات مهمة لمصلحة الجانب العراقي (منها القبول بنسبة ربحية اقل، تساوي أربعة في المئة بدلاً من ثمانية في المئة، والقبول بعقد خدمة بدلاً من مشاركة الإنتاج). ويكمن السبب وراء ذلك في اهتمام الصين بفتح المجال واسعاً أمام شركاتها في الحقول النفطية الأجنبية، وحاجتها الماسة إلى الحصول على النفط مباشرة من دون وساطة شركات أجنبية. ناهيك عن الحصول على موطئ قدم في العراق.
أما العقد مع "شل"، فهو مثير للدهشة، إذ يشمل تجميع كميات كبيرة من الغاز واستغلالها في محافظة البصرة وبعض المحافظات المجاورة. لكن توصل الطرفان الى العقد من خلال محادثات ثنائية، أي من دون مناقصة علنية، ما أثار كثيراً من اللغط. وكانت "شل" أعدت دراسة واسعة عن إمكان استثمار الغاز الطبيعي في العراق. ومن المستغرب ان تستثمره وزارة النفط العراقية مباشرة في البصرة، لكن لا يحق لها ذلك في إقليم كردستان، حيث تتخذ حكومة الإقليم هناك هذا النوع من القرارات من دون علم وزارة النفط في بغداد أو التنسيق معها. وستسبب هذه الازدواجية في العمل مشاكل جمة لصناعة النفط العراقية، عاجلاً أو آجلاً.
* كاتب متخصص في شؤون الطاقة