الجفاف في أستراليا يساهم في تفاقم أزمة الأرزّ العالمية
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
دينيليكوين، أستراليا: يسترجع ليندساي رينويك، عمدة هذه البلدة الجنوبية الأسترالية المغبرة، أزيزَ طاحونة الأرزّ الذي لا يسكت. فيقول محاكياً صوت المراوح الكبيرة التي كانت تجفّف الأرزّ: "كانت الطاحونة قلبنا النابض، والآن توقّف هذا القلب". وتُعَدّ طاحونة دينيليكوين الأكبر في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، وكانت تنتج ما يكفي من الحبوب لسدّ الاحتياجات اليومية لعشرين مليون شخص. لكن 6 أعوام طويلةً من الجفاف كانت لها عواقب وخيمة إذ خفّضت محصول أستراليا من الأرزّ بنسبة 98 بالمئة، ما أدّى إلى إقفال الطاحونة في كانون الأول (ديسمبر) الفائت.
ستة عشر ألف كيلومتر تفصل سلوات الطاحونة وسقائفها الصامتة ذات الضخامة الاستثنائية والتي تضاءل مخزونها وتضاءل ففرغت بالكامل، عن شغب شوارع بور أو برينس في هاييتي، لتجمع بينهما أزمةٌ عالميةٌ متفاقمة. فتداعي إنتاجِ أستراليا من الأرزّ يُعَدّ واحداً من عوامل عديدة تساهم في تضاعف أسعار الأرزّ في الأشهر الثلاثة الماضية. هذا الارتفاع في الأسعار دفع بأكبر الدول المصدّرة للأرز في العالم إلى وضع قيود شديدة على صادراتها، وأيقظ الذعر في نفوس الناس دافعاً إياهم إلى تخزين المؤن في هونغ كونغ، والفليبين، وأطلق احتجاجات عنيفةً في بلدان من بينها هاييتي، ومصر، والكاميرون، وساحل العاج، وموريتانيا، وإثيوبيا، وأزبكستان، واليمن، والفليبين، وتايلاند، وإندونيسيا، وإيطاليا.
ولا يؤثّر الجفاف على الأرزّ فحسب، بل على كلّ صناعة زراعية في البلدة أيضاً، من الرعي، موردِ الرزق الأساسي الآخر في هذه المنطقة المغبرة، إلى زراعة عنب النبيذ، أسرع المحاصيل نموّاً في البلدة، علماً أن هذا التوسّع غالباً ما يأتي على حساب الأرزّ. كما لا يطال هذا الوضع المنطقة فقط. فالرئيس التنفيذي لاتحاد المزارعين الوطني في أستراليا بنّ فارغر يعتبر أنّ "ظاهرة تغيّر المناخ ستشكّل الخطر الأكبر على الزراعة الأسترالية".
لكن تأثير الجفاف على الأرزّ هو ما كان له الوقع الأكبر على سائر العالم إلى الآن. فهو عامل من العوامل التي تؤدي إلى ارتفاع الأسعار الجنوني. ويرى بعض العلماء أنّه من بين العلامات الأولى التي تشير إلى أنّ ارتفاع درجة حرارة الأرض بدأ يؤثّر على إنتاج المواد الغذائية. وفيما لا يزال الرابط بين التغيرات القصيرة الأمد في الطقس، والتغير المناخي الطويل الأمد رابطاً غير مؤكّد، يُعتَبَر الجفاف الشديد غير الطبيعي مشكلةً في تكرار متزايد كما سبق وتنبّأ العلماء.
في الواقع، تسبّب الجفاف إلى الآن بتغيّرات هائلة في قلب أستراليا الزراعي. فبعض المزارعين أخذ بالتخلي عن زراعة الأرزّ التي تتطلّب كميات كبيرة من المياه، واستبدلها بزراعات تستلزم رياً أقلّ مثل القمح أو عنب النبيذ كما هي الحال خصوصاً هنا في جنوب شرق أستراليا. كذلك باع مزارعو أرزّ آخرون حقولهم أو حقهم بالمياه لمزارعي العنب إجمالاً. لذلك يبدي العلماء وعلماء الاقتصاد خشيتهم إزاء إعادة توزيع موارد المياه النادرة، وتحويلها من الأرزّ والحبوب الأخرى إلى المحاصيل والمواشي الأكثر ربحاً، معتبرين أنّ الأمر يهدّد البلدان الفقيرة التي تستورد الأرزّ كسلعة غذائية أساسية.
وتجدر الإشارة إلى أنّ الأزمة الزراعية العالمية قد تستحيل أزمةً سياسيةً تحدث شقاقاً بين الولايات المتحدة ودول متقدّمة أخرى من ناحية، ودول العالم النامي من ناحية أخرى، وذلك جرّاء الحاجة إلى سلع غذائية معقولة الأسعار مقابل الحاجة إلى طاقة متجددة. ويخشى العديد من الدول الأكثر فقراً أن يكون دعمُ الدول الغنية الوقودَ الحيويَّ لتحويل الغذاء مثل الذرة إلى وقود هو السبب وراء ارتفاع أسعار السلع الأساسية. لذلك ناشد كلٌّ من البنك الدولي ومنظمة الأونيسكو الدولَ الزراعية الكبرى إعادة النظر في سياساتها لتفادي انفجار اجتماعي بسبب ارتفاع أسعار السلع الغذائية.
أما بالنسبة للأرزّ الذي لا يدخل في صناعة الوقود الحيوي، فالمشكة تكمن في توفّره. في الواقع، لا تُصدَّر إلا كمية قليلة فقط من أرزّ العالم حتى في الفترات العادية، فأكثر من 90 بالمئة من هذا الأرزّ يُستَهلَك في البلدان التي تزرعه. وفي الربع الأخير من القرن، تخطّى استهلاك الأرزّ إنتاجه، فانخفض الاحتياطي العالمي بالنصف منذ العام 2000. كما دفع عدم الاستقرار الاقتصادي الحالي بالمنتجين إلى تخزين الأرزّ، في حين يرى المضاربون والمستثمرون في الأرزّ سلعةً مربحةً أو استثماراً مضموناً على الأقل.
هذه العوامل مجتمعة حثّت الدول التي تشتري الأرزّ في السوق العالمية على أن تأخذ حذرها إزاء تقلّبات الأسعار الحادة. على سبيل المثال، يستورد كلٌّ من السنغال وهاييتي ربع أخماس حاجتهما من الأرزّ، وكلا البلدين عانى اضطرابات متفاقمةً نظراً إلى ارتفاع الأسعار. فقمعت الشرطة تظاهرات عنيفةً في داكار، في السنغال في الثلاثين من آذار (مارس)، علماً أنّ رقعة الاضطرابات امتدّت إلى دول أخرى تعتمد على الأرزّ في غرب أفريقيا، وخصوصاً في ساحل العاج. لذلك وبعد أسبوع من الشغب هذا الشهر، أعلن الرئيس الهايتي رينيه بريفال تقديم الدعم لشراة الأرزّ. إلا أن العلماء يتوقّعون أن تتفاقم المشكلة في العقود القادمة. فاللجنة الحكومية المشتركة للتغير المناخي التي شكّلتها الأمم المتحدة تنبّأت في العام الماضي بأن يقلِّص أبسطُ ارتفاع في درجات الحرارة الإنتاجَ الزراعي في البلدان الاستوائية وشبه الاستوائية.
في المقابل، يمكن أن يعود الارتفاع المعتدل في درجات الحرارة بالنفع على المحاصيل ومنتجات المراعي في البلدان التي تبعد عن خطّ الاستواء مثل كندا وروسيا. فمن المرجّح أن يكون التأثيرُ الصافي للارتفاع المعتدل في درجات الحرارة إنتاجاً أكبر للمواد الغذائية في العالم في العقود القادمة. بيد أنّ العلماء يرون أنّ هذا التأثير لن يكون عادلاً بحيث سيكون من الضروري نقل كميات هائلة من الغذاء من المناطق البعيدة عن خطّ الاستواء لسدّ حاجات السكان في البلدان الأقلّ غنى، والأقرب إلى خطّ الاستواء.
كذلك توقّعت اللجنة أن يُسجَّل مزيدٌ من الارتفاع في درجات الحرارة في أواخر هذا القرن إذا ما وُضِعَت قيودٌ قليلةٌ فقط على الغازات المسببة للاحتباس الحراري أو لم توضَع بالمرّة، وهذا الارتفاع سيضرّ بإنتاج الغذاء الإجمالي في العديد من الدول. في هذا الإطار، يعبّر بول لمين ندونغ، شيخ من سكان جوال في السنغال، عن مخاوفه إزاء الطقس الحارّ والأمطار النادرة اللذين قضيا على محصول قريته من الدُخَن وهو نوع من الحبوب الخشنة المحلية التي تُقايَض مقابل الأرزّ. فيقول ندونغ مؤخراً في صباح أحد الأيام وقد اتخذ له مقعداً منصةً اسمنتيةً مخصصةً للشيوخ إنّ " السعر يرتفع بسرعة، ما يعني أنّه علينا أن نبحث عن مورد رزق لنا. فالمسألة مسألة حياة أو موت".
في المقابل، أتى وقع الجفاف هائلاً على المزارعين في البلدان الأكثر غنى كأستراليا. فمزارعو الأرزّ الذين لم يستسلموا ويبيعوا أرضهم أو حقّهم بالمياه قرروا اختبار وسائل أو تقنيات تتطلّب ماءً أقلّ. لذلك تنتج أستراليا اليوم بعضاً من أكبر محاصيل الأرزّ في العالم بكمية معيّنة من المياه. مع ذلك تراجع مخزون أستراليا الإجمالي من الأرزّ بحوالى الثلث لأنّ العديد من المزارعين باع حقّه بالمياه لصالح إنتاج العنب في معظم الأحيان. وجدير ذكره أنّ العام الماضي سجّل إنتاجاً للأرزّ أقلّ بكثير نظراً إلى حصول نقص حاد في المياه، ما أدى إلى تلقّي المزارعين فقط واحداً من ثمن المياه التي يحصلون عليها عادةً من الحكومة.
أما المستفيدون عرَضياً من هذه الأحوال فهم المزارعون الذين يزرعون عنب النبيذ في حوض النهر نفسه حيث تقبع طاحونة دينيليكوين الصامتة. فصحيح أنّ أسعار الأرزّ تضاعفت مؤخّراً إلى حدود الألف دولار للطن المتري للأصناف العالية الجودة التي تنتجها أستراليا، إلا أنّه لا يزال من المربح أكثر زرعُ عنب النبيذ، علماً أنّ هذا الأخير يتطلّب أيضاً ثلث مياه الريّ.
باختصار، تبلغ الأرباح قبل خصم الضريبة الناتجة عن عنب النبيذ حوالى 4942 دولاراً للهكتار الواحد، بينما تلك الناتجة عن الأرزّ فتقدّر بحوالى 593 دولاراً. إضافةً إلى الجفاف، يمكن للتغيير المناخي أن يتسبّب بمزيد من الطقس الحاد، ويؤدي إلى تفشّي مزيد من الأوبئة، وتكاثر الأعشاب الضارة، ويولّد تغيّرات في مستوى البحر نظراً إلى ذوبان الجليد القطبي. فالارتفاع في إنتاج الأرزّ في العالم على مدى الربع الماضي من القرن حصل في معظمه في المناطق القريبة من سطح البحر، أي في دلتا الأنهار كنهر الميكونغ في فييتنام، ونهر تشاو برايا في تايلاندا، ونهر الغانج براهمابوترا في بنغلادش.
مع ذلك، لا تُعتبَر تأثيرات ظاهرة تغيّر المناخ كلُّها مضرةً بالأرزّ. فارتفاع تركيزات ثاني أكسيد الكربون، الغاز الأساسي المسبب للاحتباس الحراري، يمكن أن يكون مفيداً لشتول الأرزّ ومحاصيل أخرى،علماً أنّ الفائدة تتضاءل أو تزول إذا ما تعرّضت الشتول لحرّ شديد أو تلوّث حادّ، أو إذا لم تحظَ برَيّ مناسب، أو طالتها مضار أخرى. إلا أنّ ليونة المزارعين وأصحاب المزارع هنا أقنعت خبراء المناخ بأنّ خفض تأثيرات التغيير المناخي هدفٌ يمكن تحقيقه إن لم يتمّ تفادي هذه التأثيرات بالكامل، وخصوصاً في الدول المتقدمة.
في هذا الصدد، يشير ويل ستيفن، مدير كلية فينير للبيئة والمجتمع في الجامعة الأسترالية الوطنية إلى أنّ "المزارعين أخذوا يغيّرون وسائلهم المعتمدة". في هذه الأثناء، تبقى للتغيير كاستعمال المياه لزراعة عنب النبيذ عوضاً عن الأرز تكاليفُه الخاصة كما تدرك دول العالم النامي. لكنّ غرايم ج. هايلي، المدير العام لبلدة دينيليكوين يقول إنّ "الأرزّ هو المادة الغذائية الأساسية لا عنب "شاردونيه"".