اقتصاد

الجزائر مقبلة على أزمة غذاء

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

كامل الشيرازي من الجزائر : رغم بلوغ واردات الجزائر من الحبوب أكثر من خمسة ملايين طن، والارتفاع الهائل في قيمة غالبية المواد الغذائية التي استوردتها الجزائر خلال الثلاثي الأول من العام الجاري، إلاّ أنّ مؤشرات عدة تتلاقى لتنذر بأزمة غذاء هناك، ويعتبر مختصون استجوبتهم "إيلاف" أنّ ندرة القمح اللين واستمرار ارتفاع أسعار مواد أساسية، بجانب الحلقة الأهم وهي انخفاض مخزون الجزائر من البقول الجافة والحليب والسكر، يدفع باتجاه أيام صعبة تنتظر البلد بخاصة وأنّ الغذاء يمثل ثلثي ونصف الاستهلاك، ما يعرّض مواطنيه إلى مزيد من "شدّ الحزام" على الصعيد المعيشي، في وسط توازنه التجاري هش.

وبحسب معلومات توافرت لـ"إيلاف"، فإنّ مخزون الجزائر من القمح الليّن البالغ 1.2 مليون طن على وشك النفاذ، علما أنّ القمح اللين هو الأكثر استهلاكا من طرف السكان المحليين وعموم الخبازين والتجار، وليس القمح الصلب في منأى عن الشبح ذاته حتى وإن كان مخزونه يكفي لخمسة أشهر قادمة، كما أنّ ما يزيد عن الأربعمائة حاوية تستوعب آلاف الأطنان من اللحوم والحليب والمواد الغذائية الأخرى لا تزال رهن التجميد في موانئ البلاد، على خلفية إضراب البياطرة الذي يدخل أسبوعه الثاني، ومرشح للاستمرار إلى آجال غير محدودة بسبب رفض الحكومة فتح أي حوار مع المضربين الغاضبين.

وعكس الرواية الرسمية وتطمينات الحكومة هناك، يقول متعاملون في الجزائر أنّ أوضاع المطاحن ووحدات إنتاج الحليب ليست بالجيدة، في وقت باتت الدولة مطالبة بتحمل تبعات عدم تعاطيها إيجابيا مع منظومة الاستهلاك من وجهة إنتاجية بعيدة المدى، بشكل يجعل البلد عرضة لأزمة الحبوب العالمية، في ظلّ الارتفاع الجنوني في أسعار القمح دوليا، وسقوط الجزائر في (فخ) استيراد ما يربو عن 40 إلى 50 بالمئة من حاجياتها الغذائية.
وتبعا لرفض المدير العام للضرائب الجزائرية "عبد الرحمان راوية" إعفاء الضريبة على القيمة المضافة لجميع المواد الغذائية، فإنّ الندرة المرتقبة تهدّد بغلاء قد يمس سائر المواد الواسعة الإستهلاك بما فيها البطاطس رغم استفادة الأخيرة قبل أشهر من إعفاء الضريبة على القيمة المضافة.
وبحكم تبعيتها شبه المطلقة لاستيراد كثير من المنتجات الغذائية، يتوقع المختص هيثم رباني أن تتأثر منظومة الجزائر الغذائية مالم تتخذ إجراءات فعالة تكفل إيجاد بدائل فعلية وعلى مستوى استعجالي لصدّ انعكاسات هذه التقلبات، ويركّز رباني على حتمية ابتعاد دوائر القرار عن الجنوح كالعادة إلى تدابير مسكنة وظرفية على غرار دعم الأسعار وتسقيفها.
من جانبه، يتوقع الخبير المالي الجزائري عبد الحق العميري ارتفاع أسعار أهم المواد الغذائية في غضون الثمانية أشهر القادمة، وقد تبقى مرتفعة في سنتي 2009 و2010، ما يسهم بحسبه في مضاعفة الضغوط الاجتماعية، مع هزات قد تطال أسعار الخبز وعديد المواد الغذائية، ما يتطلب إصلاحا عميقا يعيد الاعتبار للآلة المنتجة في الجزائر ويضع حدا لتنامي الواردات.

وينتقد المختص عبد الرحمن مبتول، إنفاق السلطات الجزائرية لأموال ضخمة وبشكل مفرط على استيراد الخضر والقمح ومسحوق الحليب وغيرها من المنتجات الواسعة الاستهلاك، ما أسهم في تحطيم الإمكانات المحلية الواعدة، ودفع بالكثير من المزارعين إلى رمي المنشفة كما يقال، خوفا من كساد سلعهم، وهو ما يفسر اتساع رقعة البطالة الواسعة الانتشار في الجزائر.

كما يلح متابعون على أنّ تراكم المعطيين أنتج التهابا في أسعار المواد الغذائية في العامين الماضيين، حيث عرفت أسعار المواد الغذائية في الجزائر خلال الأربعة عشر شهرا المنقضية، ارتفاعا بنسبة زادت عن 8.6 بالمئة، بينما تجاوزت نسبة الزيادة في المواد الغذائية الصناعية 13 بالمئة، بينما شهدت الفترة ذاتها ارتفاع واردات الجزائر الغذائية بنسبة تفوق 20 بالمئة.

وينظر متابعون بقلق إلى ما يحدث، ويفسرون الواقع بما تنسجه أطراف خفية تعمل على خلق أسباب معينة لإبقاء السوق في اضطراب كبير في معزل عن أي رقابة، بينما يفعل السماسرة ما يحلو لهم، بينما يصرّ الخبير "عابد شارف" على وجود تلاعب بالمنتجات والأسعار والأسمدة وغيرها، على منوال ما أكده الخبير الاقتصادي الجزائري "مسعود كسري" في مقابلة سابقة مع "إيلاف"، وتوكيده على أنّ "ارتفاع الأسعار أزمة مفتعلة تمّ توجيهها بسياسة تلفيقية"، مرجعا ارتفاع أسعار المواد الأساسية إلى عدم صرامة بلاده في تطبيق الرقابة على تنفيذ القوانين، ونفى كسري ما تروّجه أوساط عن "خضوع السوق الجزائرية لحركة الأسعار الدولية"، قائلا إنّها تخضع عكس ذلك لـ"مجموعة من المتحكمين داخليا".

وينتهي خبراء الشأن الاقتصادي في الجزائر، إلى التشديد على ضرورة وضع استراتيجية محلية في مقاربة إشكالية الأمن الغذائي، والسعي لتجسيدها بصورة متناسقة، ويتقاطع عبد الرحمن مبتول وهيثم رباني وعبد الحق العميري، في ضرورة انبناء أي استراتيجية على دراسة موضوعية للإمكانيات المتاحة والظروف المحيطة والاحتمالات المستقبلية لها، وألّحوا أيضا على العمل على إعادة تكييف الأنماط الزراعية السائدة لتتلاءم مع إمكانيات الإنتاج الزراعي القومي، علاوة على تكوين مخزونات أمان من السلع الغذائية الأساسية لمواجهة نقص الإنتاج في حالات الجفاف وأيضا حالات عدم ملاءمة ظروف السوق الدولية.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف