روح كينز
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
د. عبدالله بن عبدالمحسن الفرج
لفت نظري خلال الأزمة الاقتصادية التي يمر بها العالم جراء تداعيات سوق العقار الأمريكية منهجين متباينين في معالجة تبعاتها. ورغم أن الثقافة الأنجلوساكسونية تندرج على الثقافة الاقتصادية فإن الاختلاف بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة في معالجة الانهيارات البنكية في كل منهما كانت بينة. فلمواجهة أزمة بنك "نورثرن روك" الذي مقره نيوكاسل أجاز البرلمان البريطاني في النصف الأول من فبراير من هذا العام قانوناً مستعجلااً دخل حيز التنفيذ خلال 24ساعة. وبموجب هذا القانون أصبح من حق حكومة العمال البريطانية ولمدة 12شهراً تأميم أي مؤسسة للودائع تلقت دعماً حكومياً وباتت تشكل "تهديداً خطيراً" على استقرار النظام المالي البريطاني.
وعلى النقيض من ذلك رأينا السلطات الأمريكية لا تتدخل مباشرة لحل مشاكل بنوكها التي تعاني من ضائقة مالية. فبنك "بير ستيرنز" الأمريكي مثلاَ الذي كان يصنف باعتباره خامس أكبر بنك استثماري في وول ستريت قد ترك ليواجه قدره المحتوم وحده، عندما سحب المودعون أرصدتهم منه بعد أن أصبح على حافة الإفلاس، وذلك على الرغم من استنجاده بالاحتياطي الفدرالي "البنك المركزي الأمريكي" وطلبه الدعم منه. وهكذا تحول واحد من أكبر البنوك الأمريكية إلى لقمة سائغة ابتلعها بنك أمريكي آخر"جيه بي مورجان" بسعر 2دولار للسهم - بعد أن كانت أسهم "بير ستيرنز" تتداول بسعر 60دولاراً للسهم.
وهذا الفرق بين البلدين في معالجة الأزمة المالية يذكرنا بالخلاف ما بين المدرسة الاقتصادية البريطاني الذي وضع أساسها جون مينرد كينز - مؤسس علم الاقتصاد الكلي - وما بين المدرسة النقدية "Monetary School" الذي وضع أساسها عالم الاقتصاد الأمريكي ميلتن فريدمان. فكينز من أنصار تدخل الدولة في الاقتصاد والاعتماد المتزايد على السياسة المالية لمعالجة الخلل في الدورة الاقتصادية. فهذه المدرسة كانت شائعة في الثلاثينات من القرن المنصرم وفي الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. وبرنامج الرئيس الأمريكي الراحل فرانكلين روزفلت لمعالجة الكساد الكبير في الولايات المتحدة هو أحد الشهود على ذلك.
فمن خلال التدخل الحكومي في الاقتصاد استطاعت أمريكا الخروج تدريجياً من الكساد العظيم الذي أصابها. الأمر الذي مكنها بعد ذلك من خوض غمار الحرب العالمية الثانية وتحولها فيما بعد إلى دولة عظمى تتنازع المصالح ومناطق النفوذ في العالم مع الاتحاد السوفيتي. أما المملكة المتحدة فإنها كانت تطبق برامج كينز حتى مجيء مارجريت تاتشر إلى داوننج ستريت.
بالمقابل فإن المدرسة النقدية، التي تناصب الكينزية العداء، تقف ضد تدخل الدولة في الاقتصاد. فالنقديون يميلون إلى الاعتماد المتزايد على السياسة النقدية وليس المالية في معالجة الخلل في الدورة الاقتصادية. ويعتبر الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارجريت تاتشر من أشد المتحمسين لها. كما أن الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش أيضاَ من أنصار الدولة الضعيفة في الاقتصاد.
وعلى ما يبدو لي فإن أدلجة الاقتصاد هي من أسوأ الأمور. فآليات السوق، بصفة عامة، قادرة على حل الإشكالات الناجمة عن الدورة الاقتصادية. ولكن ترك الأمور للسوق وحدها من شأنه أن يعيدنا إلى رأسمالية مانشستر القديمة التي تخلى العالم عنها منذ زمان. ففي ظل الأزمة الاقتصادية الحالية مثلاً كان من الممكن للاقتصاد العالمي أن ينهار لو تركت الأمور لآليات السوق وحدها. ولذلك فلا غرابة أن نرى استعجال العديد من بلدان العالم على تقديم الدعم السريع للاقتصاد الأمريكي حتى لا ينهار وينهار معه اقتصاد العالم برمته.