اقتصاد

المستجدات الإقتصادية في أميركا وأوروبا تنعكس على السعودية

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الرياض: تجتاح أسواق المال العالمية موجة من التذبذب الحاد في الوقت الذي تحول فيه انتباه المستثمرين إلى البيانات الاقتصادية التي ترجح احتمالات العودة إلى الكساد وشرعوا في مراجعة توقعاتهم آخذين في

الاعتبار إمكانية التراجع في نمو الاقتصاد العالمي.

كما طرأت مستجدات في السياسات الاقتصادية من شأنها أن تنعكس على المملكةالعربية السعوديةعلى المدى المتوسط، فربما يتسبب تعهد الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بالحفاظ على أسعار الفائدة منخفضة جداً لعامين أضافيين أو أكثر في خلق ضغوط تضخمية، وربما يؤدي الاقرار بالخلل في مؤسسات منطقة اليورو إلى دفع جهود دول مجلس التعاون لتبني عملة خليجية موحدة إلى الوراء.

ما أن شهدت اسواق المال العالمية بعض التعافي من التراجعات الحادة في أوائل أغسطس حتى عادت الأوضاع وتأزمت في الأيام الأخيرة، فقد تدهورت أسواق الأسهم واسعار النفط متسببة في موجة نزوح كبيرة تجاه أصول الملاذات الآمنة وذلك بسبب دورة جديدة من البيانات الاقتصادية الضعيفة الصادرة من ارجاء العالم كان اكثرها اثارة للقلق الهبوط الكبير في حجم الانتاج الصناعي في أجزاء من الاقتصاد الأميركي في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن سلامة أوضاع البنوك في منطقة اليورو.

وبالإضافة للذهب فقد تسبب الفرانك السويسري والين الياباني والطلب القوي على ادوات الخزانة الأميركية في دفع الريع على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 اعوام إلى ما دون مستوى 2 بالمائة لأول مرة منذ عام 1950 وذلك على الرغم الخفض الأخير في تصنيف تلك الأدوات.

وتتمشى البيانات الاقتصادية الأخيرة مع مرئياتنا بامكانية تفادي الكساد لكن سيشهد الاقتصاد العالمي فترة من النمو المتباطىء، إلا أن الانفاق الحكومي المرتفع سيدفع الاقتصاد السعودي إلى الانتعاش رغم ذلك. ولا نتوقع ان تتراجع أسعار النفط الى الحد الذي يهدد الانفاق الحكومي، ونقدر أن مستوى 84 دولار للبرميل (من خامات الصادر السعودية) كاف لأن تحقق الميزانية فائضا هذا العام بينما يكفي مستوى 79 دولار للبرميل للعام القادم، لكن حتى اذا انخفضت الأسعار دون هذا المستوى فيمكن تمويل الانفاق بالسحب من الاحتياطيات المالية للدولة.

وسوف يؤدي التذبذب في اسواق الأسهم العالمية إلى زعزعة ثقة المستثمر والشركات في السعودية، فقد اقتفى مؤشر تاسي حركة الأسواق العالمية متراجعاً بحوالي 7,4 بالمائة حتى الآن هذا الشهر بحيث اضحى مقيماً عند مستويات مغرية، إلا أن احتمال المزيد من التذبذب في الأسواق العالمية لا يزال وارداً، لذا سوف تتواصل عملية رصد البيانات الاقتصادية الجديدة بينما يساور المستثمرين الشك حيال قدرة الساسة على التصدي للمشاكل الاقتصادية التي تواجههم.

وتنحصر المشاكل في منطقة اليورو في درجة المساندة التي ترغب الدول الاقوى اقتصادياً في توفيرها إلى الدول الاضعف. وكانت سلسلة من الإجراءات ترمي إلى تثبيت الفجوة خلال الأعوام الماضية قد ساهمت في كسب الوقت إلا انها لم تتمكن من حسم المشاكل في اليونان أو الحد من انتشارها. اما في الولايات المتحدة فقد تسببت المناورات السياسية في تزايد الضغوط على الاحتياطي الفيدرالي كي يتخذ اجراءاً لدعم الاقتصاد مما حدا به الاعلان عن نيته في الابقاء على أسعار الفائدة دون تغيير لعامين اضافيين وذلك في آخر اجتماع له.

هذه الخطوة لها تداعيات هامة بالنسبة للسعودية بسبب الربط بين الريال والدلار حيث يستدعي الربط تحرك العملتين سويا في البلدين، وفي ظل غياب القيود على حركة رأس المال من المملكة واليها فإن أي فروقات كبيرة في أسعار الفائدة بين الريال والدولار ربما تؤدي إلى نزوح أموال كبيرة إلى المملكة اذا ارتفع سعر الفائدة فيها بصورة كبيرة مقارنة بالولايات المتحدة والعكس صحيح.

ظل سعر الفائدة الأساسي في الولايات المتحدة ثابتاً عند مستوى 0,25 بالمائة منذ ديسمبر 2008 وتلمح تصريحات الاحتياطي الفيدرالي الأخيرة انه ربما يستمر عند هذا الحد المتدني جداً لما يقارب الخمس سنوات. وكانت هذه الاسعار ملائمة للسعودية في اغلب تلك الفترة خصوصاً في ظل انحسار الضغوط التضخمية والنمو الضعيف في القروض المصرفية. إلا أن مبررات إبقاء اسعار الفائدة في المملكة متدنية لعامين آخرين ليست مقنعة.

ونتوقع ان يأخذ التضخم في التراجع بنهاية العام وأن تحول عوامل التضخم مسارها من الخارج (اسعار المواد الغذائية والسلع الأخرى المرتفعة بصورة اساسية) إلى الداخل عندما تتسارع وتيرة الانفاق الحكومي والاقراض المصرفي. تعتبر اسعار الفائدة المرتفعة أكثر فاعلية في كبح التضخم الذي تتسبب في العوامل المحلية، وهناك سياسات أخرى تستطيع المملكة اللجؤ اليها مثل تحديد الأسعار أو تعديل الاحتياطيات القانونية للبنوك أو بيع وشراء أدوات الدين من اجل التحكم في السيولة، لكن فاعليتها ليست على نفس درجة أسعار الفائدة.

وربما تسوء الضغوط التضخمية بسبب الدولار الضعيف، ولم يشهد الدولار تغيرا يذكر هذا الشهر وذلك حسب الوزن التجاري حيث احتفظت الأصول المقومة بالدولار بمزية الملاذ الآمن رغم التحركات الكبيرة مقابل بعض العملات. لكن نتوقع هبوط الدولار بمجرد تعزز الثقة في سلامة الاقتصاد العالمي.

ومن شأن اتخاذ الاحتياطي الفيدرالي قراراً بتطبيق جولة جديدة من التيسير الكمي (من خلال شراء السندات الحكومية طويلة الأجل) أن يساهم أيضاً في إضعاف الدولار.

ومن شأن الدولار الضعيف وسعر الفائدة المتدني بالتضافر مع الضغوط التضخمية والنمو الاقتصادي القوي في المملكة أن تؤدي مجتمعة لتزايد الضغوط على سياسة الربط بين الريال والدولار.

ونرجح ان تنعكس التطورات في منطقة اليورو على مسيرة العملة الخليجية الموحدة حيث تتبنى دول المجلس نفس النموذج الأوربي. وبينما تتزايد أعداد دول منطقة اليورو التي تطلب الدعم في سداد ديونها تتباطأ اقتصاديات كافة دول المنطقة.

وفي الوقت الذي تتبني فيه دول المنطقة اجراءات تقشفية تتساءل جماهير الناخبين عن الاسباب التي تدعوهم إلى القبول بتضحيات من اجل مساعدة دول اخرى. وتظهر التطورات الأخيرة مدى الحاجة إلى التوسع في تحمل الأعباء المالية، وينص أحد البدائل على إصدار سندات تغطيها كافة الدول الاعضاء لكن فرنسا والمانيا اعترضتا على الفكرة. رغم ذلك، من المرجح أن يتم الاتفاق على التعاون حول السياسات المالية في نهاية المطاف وأن يتم دمج تحويلات الميزانية في نظام إيرادات رسمي مركزي.

إن إجراء من هذ القبيل يعتبر ضرورياً كي تؤدي اي عملة إقليمية موحدة دورها بفاعلية لكن لا نعتقد ان دول مجلس التعاون ستتحمس للفكرة اكثر من الدول الاعضاء في منطقة اليورو. وكانت دول مجلس التعاون قد عانت الأمرين قبل الاتفاق على معادلة يتم من خلالها توزيع الإيرادات الجمركية عندما طبقت الاتفاقية الجمركية الموحدة عام 2003 وتجادلت بشان الدولة التي ستستضيف البنك المركزي الاقليمي مما لا يبشر بأن التعاون في المسائل المالية الأكبر سيكون افضل حالاً.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف