ملفات...

الجنابي يرد على بنيس

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

نشر محمد بنيس، في جريدة "القدس العربي" (يوم 2، و3 آيار)، مقالا حول مؤتمر قصيدة النثر في بيروت. هنا تعقيب نشرته "القدس العربي" يوم الثلثاء 6 آيار 2006

قرأت مقالة محمد بنيس، ووجدت فيها ملاحظات مهمة خصوصا في الجزء الأول منها... بعضها يكاد أن يكون معروفا في كتب النقد والآخر تكرارا حرفيا لما كتبته، مثلا، في كتابي "رسالة مفتوحة إلى أدونيس": "إن المرعب في الأمر هو أن أدونيس انتظر ظهور أطروحة دكتوراه لطالبة اسمها سوزان برنار، حتى يدرك أن هناك شعرا أسمه قصيدة نثر، جاهلا أن ثمة قرنا من النتاج الغزير والتطورات حد أن قصيدة النثر نفسها لم تعد تسمى قصيدة نثر وإنما قصيدة فحسب" (دار الجديد، بيروت 1994/ صفحة 52). أو حول أهمية كتاب برنار سوزان، في كتابي الذي صدر عن دار النهار (2001) "الأفعى بلا رأس ولا ذيل: انطولوجيا قصيدة النثر الفرنسية": "... في نظر النقاد، لطروحات سوزان برنار أهمية واحدة في فرنسا هي تذكير الجامعة بقصيدة النثر كجنس أدبي يجب أن يُدرس (صفحة 137). وبالمناسبة الأنطولوجيا هذه عُتم عليها، رغم أنها أول تعريف دقيق بقصيدة النثر عبر النموذج والتنظير (ويجد معظم مواد الكتاب في ثقافات إيلاف)... وكما كتبت في النسخة المهداة إلى الصديق أمجد ناصر: "تصور ماذا كان سيحدث للشعر العربي لو كانت هذه الأنطولوجيا قد صدرت عام 1960؟ ". أنا أعتقد أن الخطأ الرئيسي الذي ارتكبته مجلة "شعر" هو انها لم تخصص أي عدد، أو ملف، لنموذج قصيدة النثر الفرنسية، وإنما اكتفت بمقالة أدونيس الذي لا توحي أنه قرأ الكتاب وإنما قرأ عرضا صحافيا طويلا للكتاب نشرته أسبوعية لويس أراغون "الأداب الفرنسية". (سأدلل بالنص على ما أقول في مناسبة أخرى). أما ملاحظته حول عدم ذكر قصيدة النثر في مؤتمر روما، فالجواب هو أن مجلة "شعر"، خصوصا في حقبتها الأولى، كانت تعتبر كل محاولات الماغوط، شوقي أبي شقرا وآخرين شعرا حرا وليس قصيدة نثر والبرهان ان الخال في إحدى إعلانات مجلة شعر للكتب التي صدرت عن دار "شعر"، لم يعرف أي كتاب شعري بقصائد نثر، وإنما بـ"شعر"، باستثناء "لن" أنسي الحاج الذي عرّفه كقصائد نثر.

دفعتني مقالته، من ناحية أخرى، إلى أن أتساءل: لماذا لم نر لمحمد بنيس قبل هذه الآونة أي إيضاح، أو مقال نقدي أو عرضي حول فوضى مصطلح قصيدة النثر؟ مع العلم أنه أصدر كتبا عديدة تتناول الشعرية العربية الحديثة، بل حتى لم ينشر في دار توبقال كتابا واحدا يتناول مسألة قصيدة النثر أو أنطولوجيا لقصيدة النثر... لماذا الآن وبهذا النفس اللاهث بمونتاج من الاقتباسات التي غالبا ما ينقصها رابط منهجي، بل منزوعة من سياقاتها النظرية كعبارات مالارميه التي هي تتعلق بـ"أزمة النظم" وعبارات باوند المتعلقة بقضايا الشعر الحر، وليست أبدا في مسالة قصيدة النثر.... هكذا نتفة من هنا ونتفة من هناك حتى يبدو وكأنه قد أطلع على كل التجارب والأفكار وهو العارف الوحيد بباطن الأمور، بينما تكشف مقالته عن خلط واضح وفهم غير دقيق لكثير من الأمور التي تطرق إليها. فمثلا أطلق جزافا "آية توراتية" على قصيدة يوسف الخال لأنها تناولت موضوعا مسيحيا. أين هو التفخيم أو الاسترسال المديد النفس الذي هو من صلب الآية" سواء كانت توراتية أو على طريقة سان جون بيرس. قصيدة يوسف الخال التي اخترتها في كتابي وفي مختارات "القدس العربي"، أولا لأنها مكتوبة عن وعي كقصيدة نثر ويجب أن تُضم مثلما ما يقارب ثلاثين قصيدة في كتاب بودلير لا يعتبره بعض النقاد قصائد نثر وإنما طروحات فلسفية ويوميات ومع هذا تؤخذ كقصائد نثر بل كقصائد مؤسِسة، وثانيا قصيدة الخال هذه على عكس الآية تنطوي على عنصر سرد واختصار وتوتر ربما إيماني لكنه جزء من عناصر قصيدة النثر، بل حتى على عنصر اللاغرضية، إذ لم تنطو على حكمة أخلاقية واضحة ولا نهاية معلومة من تناوله "العشاء الأخير". وهناك عشرات من قصائد النثر الفرنسية التي تتناول مواضيع مسيحية كقصائد السجالي المسيحي ليون بلوا في نهاية القرن التاسع عشر، بل النبرة المقطعية في قصيدة الخال، تتواجد في عدد كبير من قصائد النثر الأمريكية المعاصرة.

في نظري، لم يأت محمد بنيس، في كل هذه المقالة، بجديد مفيد يدخل في صلب النقاش الدائر حول قصيدة النثر، سوى اعترافه بأنه هو "الآخر وقع ضحية عدم تدقيق الترجمة، عندما استعمل، من قبل، المتداول من غير انتباه"، موضحا "إن الشاعر العربي، الذي لم يعرف قواعد (لا أقول قوانين) هذا الجنس، ظن أن ما يكتبه في شكل أبيات شعرية تتخلي عن الوزن (والقافية)، هو قصيدة نثر، فيما كل استعمال للبيت، بصرف النظر عن شكل البيت، يخرج القصيدة، في عرف معلميها، بودلير وملارمي، ونقادها ومنظريها، من قصيدة النثر ويلحقها مباشرة بالقصيدة، قصيدة الأبيات... وعندما نكتب قصيدة أبيات غير موزونة (وغير مقفاة، لأن هناك من ينبذ الوزن ولكنه يستحلي القافية) فلنا آنذاك أن نبحث لها عن اسم وعن تصنيف". حبذا لو يعترف كل شعراء قصيدة النثر العربية المشطرة بهذا، ويحاولون إيجاد اسم آخر غير قصيدة نثر، على جل نتاجهم المشطر أبياتا سواء موزونة أو غير موزونة.

لكنني أستغرب من ترجمة محمد بنيس لعبارة Poegrave;me en prose بـ"قصيدة في حالة نثر"، وحرف الجر الفرنسي هنا En لا يعني بتاتا "في" أو "في حالة"، وإنما يدل على "مادة" أي أن القصيدة "مادتها en" نثر. (افتح أي كتاب مدرسي يتعلق بالنحو الفرنسي وكتاب صعوبة اللغة الفرنسية وتجد معنى حرف الجر الفرنسي هذا في هذا الاستخدام " En " deacute;signant la matiegrave;re، ولذلك اتفق النقاد الأمريكان والانجليز كلهم على ترجمة المصطلح الفرنسي بـ Prose poem وليس بـPoem in prose كما حاول البعض ترجمته في بدء خمسينات القرن الماضي، وترجمه توفيق صايغ في "حوار" بـ"شعر بالنثر")، لأن المعنى المراد هو "القصيدة مادتها نثر" أي "النثر قصيدةً" وليس القصيدة في حالة من النثر. كما أن من الخطأ جعل بودلير ومالارميه سيدين مطلقين، فقصيدة النثر لم تكتمل ولم تصبح جنسا أدبيا إلا على يد ماكس جاكوب الذي خلص قصيدة النثر من الأغراض الرمزية والبلاغة البارناسية ومن أسلوب اليوميات، ووضعها في كتلة مؤطرة ترتكز على ثلاثة أعمدة: ايجاز، توتر ولا غرضية، أعمدة يتفق عليها جميع النقاد اليوم. (انظر مقدمته لـ"كوب الزار"، في "الأفعى بلا رأس ولا ذيل" صفحة 161). كم كانت فرحتنا تزداد لو أعلمنا أن القارئ العربي لم يقرأ للآن كتاب سوزان برنار بترجمة صحيحة فترجمة راوية صادق يعج بالأغلاط الفاحشة وبعدم فهم الفقرات الفرنسية، بل هذه المترجمة لم تكن قادرة حتى على وضع مقابل عربي لعناوين كتب الشعر المذكورة، كعنوان كتاب فرانسيس بونج: Le Parti-pris des choses فترجمته بـ"الرأي المسبق للأشياء"!!! بينما الترجمة الأدق هي: "التحيّز للأشياء".

ما يهمني الآن، وهذه هي الغاية من ردي هذا، أن أقول إن محمد بنيس ارتكب خطأ يعبر عن سوء نية أكثر مما عن جهل، عندما كتب في مقالته: "حتى عبد القادر الجنابي (المدعو الغائب) لم يعثر في ما كتبه شعراء المغرب العربي على قصيدة واحدة تستحق أن تدرج ضمن القصائد النموذجية التي اختارها لشعراء يمثلون برأيه هذه القصيدة". آمل أن لا يكون السبب وراء مرارة محمد بنيس في مقالته هذه من التغييب الذي تم بحق المغاربة في مؤتمر بيروت، لأنهم لم يدعونه...

أقول "سوء نية" لأن لديه نسخة من انطولوجيا "كآبة الصحراء" التي أعددتها لدار نشر باريسية، وصدرت (عام 2001) محاكاة لعنوان بودلير "كآبة باريس"، التي ضمت قصائد نثر عربية تتطابق والنموذج الفرنسي، وهي أول محاولة من هذا النوع.. وكان فيها نموذجان لشاعرين مغربيين هما حسن نجمي ومبارك وساط... وفي الحقيقة لم أستطع ضم عدد كبير من قصائد النثر لعرب آخرين لأن الناشر الفرنسي فرض علي آنذاك بعدد محدود من الصفحات لاتتجاوز الـ 80 صفحة وبلغتين الفرنسية والعربية، مما ضيق علي المساحة واضطرني للاقتصار على حد أدنى من الاختيار. ولدى محمد بنيس نسخة من كتابي هذا!

لم يسم محمد بنيس في مقالته أي شاعر لديه نماذج شعرية تنطبق عليها مواصفات قصيدة النثر الأوروبي. آمل أن لايخرج علينا محمد بنيس بكتل يسميها قصائد نثر وبالتالي يتهمنا بأننا تجاهلناها. نعم! هناك شاعران مغربيان، على حد علمي، لهما ما يكفي من القصائد التي تلبي شروط قصيدة النثر الفرنسية هما محمود عبد الغني وجمال بدومة.. وكان بودي ضم أحدهما في هذه المختارات التي نشرت في "القدس العربي" على الأقل. وبالفعل طلبت من الشاعر الصديق محمود عبد الغني أن يرسل إلي قصيدة سبق أن قرأتها في ديوان له تحت عنوان "ماكس جاكوب" لأني أتذكر جيدا أنها جد قريبة من النموذج الأوروبي، فلم يستطع إرسالها، لأنه كان في سفر، فأرسلَ، بدلا منها، ثلاث قصائد أخرى لم استطع أن أختار واحدة منها، ولا من قصائد جمال بدومة التي لدي، ليس لأن المساحة محددة صفحة واحدة من الجريدة فحسب، بل لسبب رئيسي: هو اني اتفقت مع الشاعر الصديق أمجد ناصر أن تكون المختارات صارمة، أي أن تعبر بالأخص عن اللاغرضية... تاركا أمر القصائد التي تتباطأ في هذا الشرط الأول والأخير في قصيدة النثر العالمية، إلى الأنطولوجيا التي آمل أن تصدر كتابا تحت عنوان "أنطولوجيا قصيدة النثر العربية" والشيء الصادم فيها سيكون غياب تام لقصيدة النثر العربية المشطرة ... ثم تليها أنطولوجيا ثانية تحت عنوان "الوزن المفقود: الشعر الحر الجديد" وتضم مختارات من أفضل قصائد النثر العربية المشطرة السائدة.

في الوقت الذي كان فيه محمد بنيس معاديا لكل تجارب ما يسمى قصيدة النثر المغربية التي أخذت تتصاعد في مطلع تسعينات القرن الماضي، كنت (وأقولها باعتزاز) المشرقي الوحيد الذي فسح المجال كله لموجة شعراء المغرب الجدد، حد التواطؤ معهم في كل "غاراتهم" الشعرية. أريد هنا التالي: لايحق لمحمد بنيس أن يتكلم باسم قصيدة النثر المغربية، إذ ليس له ضلع لا في تاريخها القاسي ولا في مسار قصيدة النثر عموما. لقصيدة النثر المغربية شعراؤها المؤهلون لمواجهة أي غبن يتم بحقها، خصوصا داخل حدودها. ليعلم القارئ أني لم أكتب ردي هذا من باب تصفية حسابات كما يعملها عدد من شعراء اليوم. كلا. محمد بنيس صديق عزيز علي وأبدى عدة مرات استعداده لتلبية أي شيء اطلبه، دعوة، نشر..الخ وإنما كتبته توافقا مع عبارة نيتشة "لأجعل الآفات المتخفية أو البالغة الدقة بادية للعيان".

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف