المرأة وسقوط العصر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
حنا عبود
لا نعلم سبباً يجعل الباحثين ينظرون إلى هذا العصر من خلال منجزاته المادية، كأن التقدم البشري مرتبط بالتقدم المادي. إنهم يعكسون الآية تماماً. فليس من الضروري أن يكون التقدم المادي سبباً لتقدم البشر، بل قد يكون في الاتجاه المعاكس، فالاحتلال والاستعمار والتسلط على الشعوب واستغلال الناس.. ظواهر مترافقة مع التطور المادي، فلو لم يظهر الحصان، لما ظهرت الحروب، ولما صارت الناس تقهر وتسبى وتقتل وتفقد الأرض والوطن.. ولو لم تملك أميركا الصواريخ بعيدة المدى والأسلحة الفتاكة والأسلحة الذرية.. لما تجرأت على اقتحام الشرق الأوسط حتى حدود الصين والهند.. فكأن ضريبة التقدم المادي هو التخلف في الروابط والعلاقات.
نقترح أن تكون المرأة مرآة لرقي العصر، أو انحطاطه، فموقفها هو الذي يحدد اتجاه المجتمع ودرجة رقيّه وتطوره. أما الرجل، فقد كشف عن نفسه في هذه السياسات العدوانية منذ قيام الهيئات الاجتماعية المدنية والرسمية. ولكن كيف نحصل على صورة المرأة؟ نحصل عليها من الأدب، تماماً مثلما نحصل على صورة الرجل من الأدب. فالأدب هو الذي يعكس الموقف، وليس الواقع الذي هو عبارة عن تمثيل وكذب وغش في العلاقات البشرية.
لنأخذ أولاً صورة الرجل. كيف ظهرت صورة الرجل في الأدب؟ ظهرت على مرّ العصور، كل العصور، ولا استثناء بالصفات الثلاث التالية: الشجاعة والكرم والتقى. ولو حللنا هذه الصفات لوجدنا أنها أسوأ صفات يمكن أن يحوزها مخلوق. والرجل هو المخلوق الوحيد الذي "يتمتع" بهذه الصفات. فالشجاعة في نهاية التحليل، لا تعني سوى القتل والذبح واقتحام مواطن الآخرين، ونهب كل ما يستطيع نهبه، وسبي كل ما يستطيع سبيه.
نأتي إلى الكرم. ما هو الكرم؟ إنه غسيل أموال، كما نراه اليوم تماماً. ولم نجد في الأدب كريماً سوى من كان يملك الكثير، مما حصل عليه من الغزو والتسلط والقتل والسبي، منذ القديم وحتى اليوم. جنكيز خان كان من أكرم الناس، وكذلك كريستوف كولومبوس. لم يقدم لنا الأدب فقيراً كريماً. دائماً يكون الكريم هو نفسه الشجاع الذي جمع الأموال الكثيرة، وبكرمه راح يبيضها.
نأتي إلى التقى. ما هو التقى؟ إنه الصوم والصلاة، مهما اختلفت الأديان والمذاهب. وقد صدق الإغريق عندما قالوا إن القربان للتقرب من الآلهة، بينما التقى والصلاة لغسل الأعمال الدنيئة.
نخلص إلى أن الأدب قدم الرجل على أنه شجاع (قاتل) كريم (مبيض أموال) تقي (مبيض أعمال).
لكن الأدب لم يصف المرأة بأي صفة من هذه الصفات. ربما من باب الاستثناء يصفها بالتقوى كرابعة العدوية. أو يصفها بالشجاعة، ولكنها شجاعة أدبية، كما وصف الشاعرة اليونانية "سافو"، وربما يصفها بالكرم، ولكنه كرم منح الجمال، لا منح الأموال والهدايا.
الصفات التي أضفاها الأدب على المرأة أكثر من أن تحصى: الرقة، الدلال، الغنج، الجمال، السحر، الفتنة... وجاء بكل هبات الطبيعة وجعلها فيها، فلم يترك الشمس أو القمر أو الليل أو النهار أو الربيع أو الشجر أو البيلسان أو الجلنار أو الزيزفون أو الدفلى أو الزيتون أو السنديان أو الدلب أو الصفصاف أو سوى ذلك، إلا جعل لها منها أجمل الصفات وأحلاها. ولم يدع عضواً من أعضائها إلا جعله رمزاً للجمال والرقة: العين والحاجب والجبين والخد والشعر واليد والزند والعنق والثغر والأنف والأسنان...
ولم يترك حركة من حركاتها إلا جعلها في أجمل صورة: المشي والنوم والغناء والموسيقى والرقص والتثني والتنهد والزفرات...
ولو رحنا نستقصي لكان علينا تحبير آلاف المجلدات من غير أن ندرك كامل الصفات الرائعة والعظيمة التي أضفاها الأدب على المرأة.
في بداية العصر الحديث، لم تكن المرأة على ما هي عليه الآن. كانت تريد المال لتمكين جمالها فتنفقه على نفسها، على كل ما يضفي عليها حسناً ورقة، فتسرع إلى شراء الذهب واللآلئ والمجوهرات والثياب الأنيقة مختلفة الألوان، ولكل لون عند المرأة معنى... إنها لم تستخدم الأموال لتحقيق ربح، أو القيام بمشروع استثماري يدخل في صراع مع المشاريع والشركات الأخرى، ولم تستخدم سلاحاً للغزو والسلب والنهب. كانت تكره الاستغلال والجشع.. كل همها، أو جشعها أن تنافس الجميلات لتكون الأجمل فقط، منذ أيام هيلين اليونانية وحتى بداية العصر الحديث.
أما اليوم، فقد راحت تطلب المساواة بالرجل، أي أن تكون شجاعة (قاتلة) كريمة (مبيضة أموال) تقية (مبيضة أعمال)، ونظن أن هذه هي الخطيئة الكبرى للمرأة في هذا العصر، فبدلاً من أن تدعو الرجل إلى مساواتها والتخلي عن الطمع والجشع والغرائز الحيوانية، نراها تنادي بمساواتها له.
مرّت المرأة في العصور السابقة بأقسى الظروف والأوضاع، ولكنها لم تفقد مكانتها الأدبية، فحتى الخلفاء كانوا يتغزلون بالجواري. كانت المرأة مسبية وجارية وسلعة تباع وتشرى، ولكنها ظلت رمزاً للجمال المشتهى، وللحب الذي لا ينطفئ. فحتى الخلفاء كانوا يتوسلون إلى الجواري (هارون الرشيد مرض لأن جاريته غضبت منه، وعريب سعى إليها كل الخلفاء في حياتها)، فمهما كانت مكانة المرأة الاجتماعية عالية أو منخفضة، فإنها ظلت في الأدب كما هي منذ آلاف السنين. واليوم تترقى المرأة في المناصب العليا والشعر غير مبال بها. وتقتحم المشاغل الاستغلالية والاستثمارية لتحوز لقب "سيدة أعمال" منافسة للرجل. وسيأتي يوم تحذف فيه نون النسوة من اللغة، إذا استمرت في اقتحام الميادين التي تنزلها عن عرش قداستها الأدبية.
يقولون إن شعر الغزل انتهى. صحيح.. فمنذ أكثر من ثلاثة أرباع القرن لم نسمع غزلاً مستحقاً. ولكننا نخطئ إن اعتقدنا أن الغزل انتهى من تلقاء نفسه. إن المرأة هي التي بتهافتها على منافسة الرجل في شجاعته! وكرمه! وتقاه! قضت عليه. كانت أوضاعها سيئة وكان الشعر يمجدها، وهاهي أوضاعها تتحسن والشعر ينفيها من مملكته. وبدلاً من أن تكون موضوعاً للشعر، صارت موضوعاً لكولاج السلع والبضائع الكاسدة، تملأ صورها الشوارع والأزقة.
نقترح على إخواننا الإسكندنافيين أن يضعوا غياب المرأة عن الشعر من ضمن علامات الراغناروك (يوم القيامة)، فلا نظن أن ما أوردوه أخطر من هذه الظاهرة. وكم صار يصدق اليوم كلام الكوميدي المصري:
بعت إلك سلام ...... مع حمام زاجل
رجع الحمام وقال وليفك صار راجل
كاتب من سورية