نعم للمزور لا للتكلفة الباهظة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
بين هوس " الاجنبي" والاسعار المترفعة
التزوير حل يرضي جميع الاطراف
السوق
بعيداً عن بيروت وتحديداً في قلب إحدى المناطق الجبلية المطلة على العاصمة يضع سليم سمّاعة الهاتف من يده ويجلس متوسّطاً مخزنه الصغير نسبياً. ذلك المخزن الذي تحوّلت جدرانه إلى لوحات فنية كاملة الألوان قوامها علب أقراص الأفلام السينمائية الأميركية الأكثر حداثة التي غصّت بها رفوف الجدران. تتوزّع صور أفيشات الأفلام على العلب تماماً كما تتوزّع مثيلاتها الكبيرة الحجم في مداخل صالات السينما على اختلاف درجاتها. لكنّ الأهمّ من ذلك كلّه هو أنّ أكثر الأفلام المعروضة في مخزن سليم لم يصل بعد إلى صالات السينما اللبنانية. ومع تلفاز ذي شاشة كبيرة وجهاز تشغيل أقراص "دي في دي" تكتمل العدّة البسيطة للمحلّ.
يتسع كلّ قرص من أقراص الدي في دي لفيلم كامل ذي صورة صافية وصوت جيّد، بالإضافة إلى المميّزات الرقمية من ترجمة ثلاثية وغيرها. وبما أنّ سليم بات من المستوردين الأساسييين والزبائن الدائمين لدى مصنّعي الخارج فقد أملى شروطاً لنوعيات جديدة من الأقراص يحتوي كلّ منها على مجموعة من ثلاثة أو أربعة أفلام للممثّل. أفلام مثل "ماتريكس، ليثال ويبون، رامبو، سباي كيدز، روكي، لورد أوف ذا رينغز.. وغيرها". ويباع القرص العادي بخمسة دولارات في العادة ويضاف إليه دولاران في حال الجمع.
إذاً فإنّ فهو بات مستورداً أمّا عن مصدر التصنيع فهو "تايلاند" يقول سليم الذي سافر منذ أربع سنوات حتّى الآن إثني عشر مرّة إلى هناك. في هذه الرحلات يشحن سليم كمّيات هائلة من أحدث الأقراص ذات جودة النسخ العالية. وتكلفه الرحلة ما بين "عشرين لتلاتين ألف دولار هيدا إذا لم نحسب الجمارك هون!" .
أمّا عن الجمارك التي يتحدّث عنها فإنّها ليست الرسوم الجمركية وحسب بل "رشوة بعض الموظّفين الكبار بالجمارك ليمررّوا البضاعة". تلك الطريقة تكلّفه ما بين خمسة إلى عشرة آلاف دولار شهرياً وبحسب حجم الشحنة طبعاً. وهذا الأمر يعود بالدرجة الأولى إلى عدم شرعية هذه التجارة ومنعها من قبل السلطات حيث تتّخذ طابعاً مخلاًّ بحقوق الملكية الفكرية والثقافية. تلك الحقوق التي نشأت على أساسها لجنة حكومية شنّت مؤخّراً عدداً من الحملات على مستوردي بضائع مقلّدة عديدة ومنها بطبيعة الحال أقراص الدي في دي.
تلك الحملات نال سليم نصيبه منها وبشراسة محضر ضبط قيمته عشرة آلاف دولار بالإضافة إلى حجز البضاعة الموجودة في مخزنه بالكامل. يومها سعى لدى كثير من معارفه في الدولة لتخفيض قيمة المخالفة فلم ينل منهم إلاّ بعد ألف جهد وجهد "وبالسرّ طبعاً" الموافقة على إستبدال البضاعة الجديدة المصادرة بأخرى قديمة لديه فوفّر بذلك سبعة آلاف دولار لم يبق له منها سوى أربعة آلاف بعدما نال الوسيط ما ناله منها. يومها كتب سليم في مفكّرته يقول: لقد (قرصنا) جمركياً؛ "بسيطة بنرجع بنعوّضا انشالله!" .
الزبائن
روني واحد من زبائن الفئة الأولى التي "تستبعد" المسافة إلى صالات بيروت. هو في السابعة عشر من عمره وطالب في الصفّ الثانويّ الأخير. يعتبر روني أنّ شراءه من المكان أفضل من عدّة نواح من الذهاب إلى السينما حيث لا يقيم له الأهل "زفّة" كالتي يفعلونها عندما يطول انتظارهم له من ناحية. ويشاهد الأفلام في منزله دون كثير عناء في الملابس التي سيرتديها كما في السينما من ناحية أخرى. لكنّه يواجه مشكلة الآن حيث توقّف موسم الصيف الذي يعمل خلاله في أحد فنادق الجبل وبات معرّضاً للإقتصاد في مصروفه وعدم شراء ستة أقراص شهرياً كما كان يفعل. مشكلته تلك حلّها له سليم بسهولة فقد سمح له بشراء قرصين فقط شهرياً واستبدالهما قدر ما يشاء على مدار الشهر بأفلام أخرى؛ "شريك بدّك تشعر مع العالم كمان!" يعقّب سليم الحسّاس.
نادر أحد زبائن المحلّ الدائمين كذلك. وهو على الرغم من راتبه المحدود يأتي إلى المكان بحدود الثلاث مرّات شهرياً ليرى ويشتري الجديد؛ "صحيح عم بصرف نص معاشي بسّ بتضلّ أحسن من السينما لأن بتحضر الفيلم قدّ ما بدّك بنفس السعر!" لنادر نظرية إقتصادية جيّدة في هذا الإطار لم يتوقّف عندها فحسب. لا بل إنّه بات ينسخ عدداً من تلك الأفلام على كومبيوتره الخاص ليبيعها للأصحاب دون أن يشكّل ذلك أيّ مشكلة لسليم؛ "شو فيها المهمّ يشتري من عندي النسخة الجيّدة!" يقول سليم.
وبما أنّ الكثير من الزبائن بات دائم الحضور فإنّ سليم ينصحهم أحيانأً كثيرة بعدم شراء بعض النسخات التي تكون صورتها وصوتها ليسا على ما يرام. نستفسر من سليم عن ذلك فيبيّن أنّه في بعض الأحيان تكون النسخة من المصدر التايلاندي غير جيّدة بسبب الطرق التي يعتمدونها في النسخ هناك والتي تتمّ أحياناً من نسخة إلى نسخة إلى نسخة وهكذا؛ "يعني متل ما بيعملو السوريين" يقول سليم بسخرية. لكنّ وعوده للزبائن سرعان ما تتحقّق حين يرسل إليه المصنّعون نسخات "أنظف" يخصّصها لزبائنه الدائمين أولئك.
وعلى ذكر هؤلاء فإنّ ربيع زبون آخر لكنّه ليس زبوناً عادياً بل أحد أهمّ الزبائن كما يؤكّد سليم. ربيع يأتي مرّة واحدة في الشهر يجدها كافية للغاية حيث يبتاع لنفسه من كلّ فيلم جديد نسخة ليصل عددها أحياناً إلى الأربعين قرصاً تساهم بشكل كبير في إفراغ الرفوف من جهة وفي ملء جيوب سليم من جهة أخرى. أمّا عن سبب شرائه لهذه الكمّية فيردّه ربيع إلى عشقه الكبير للسينما الأميركية. وهو لطالما أمضى أعواماً من عمره في الصالات لكنّ وقته-كما يقول- لا يسمح له حالياً؛ "يا أخي السينما مش بسّ فيلم ويعطيكم العافية لأ عندك كذا شغلة غير الفيلم بتنسّيك الفيلم وساعتو هيك رجعت تابع الهواية الأصلية!" يغمز ربيع سليم الذي فهم على ما يبدو "الشغلات" الأخرى في بال زبونه.
ينتشر الكثير من ناسخي الأفلام الأميركية في بيروت ولبنان بشكل عام. هؤلاء يشترون نسخة أصلية من المصدر الرئيسي بثمانية وعشرين دولاراً ويقومون بإغراق السوق بأعداد كبيرة منها. لكنّ ذلك النوع لا يضاهي أبداً ما لدول جنوب شرق آسيا من خبرة في هذا المجال تؤدّي إلى قرص فائق الجودة في كافة نواحيه الصوتية والمرئية والمادّية حتّى. هو واقع يعيشه عشّاق السينما في لبنان الذين هجروا صالاتها واعتنقوا مذهب الأقراص الجديد تاركين تلك الصالات لمن يذهب لقضاء وقت مع رفيقة له أو ما شابه. وبطبيعة الحال فإنّ أولئك الشبّان ليسوا الأكثر تضرّراً من لجان حماية حقوق الملكية فالمتضرّر الأوّل هو البائع المستورد. أمّا عن موظّفي الجمارك فإنّهم كما يقول سليم؛ "متل المنشار رايح آكل جاي آكل!".