رمضان الضاحية:شباب يتأقلم رغم الدمار والتهجير
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
رمضان الضاحية الجنوبية:
شباب يتأقلم رغم الدمار والتهجير
عصام سحمراني : الضاحية الجنوبية التي لم تستعدّ هذا العام جيّداً لاستقبال الشهر الفضيل كما جرت العادة، عادت وتماشت تماماً مع الأجواء المحيطة من دمار وتهجير وتآلفت معها تماماً.
صياماً مقبولاً
ومع اقتراب هلال العيد ليعمّ بفرحته المسلمين في طول البلاد وعرضها لم يجد فادي سوى أن يهدي العيد القادم إلى الشهداء الذين سقطوا جرّاء العدوان الإسرائيلي على لبنان.
ولو أنّه كان يتمنّى أن يهديه موحّداً بين جميع المسلمين في العالم لا ممتداً بأيّام الصيام إلى ما لا نهاية بحسب كلّ فتوى أو تقليد.
فادي واحد من عشرات آلاف الشباب الذين يسكنون الضاحية الجنوبية بمختلف مذاهبهم واتجاهاتهم السياسية والذين انخرطوا تماماً في أجواء الصيام والحياة الرمضانية.
فاتن تفتقد للأجواء الرمضانية تماماً وتعتبر أنّ لبنان بأكمله تتراجع فيه مثل هذه الأجواء؛ "ليتني في مصر" تتمنى فاتن. لكنّ صديقها الجامعي محمّد المنتمي إلى حزب الله يجد أنّ الأجواء الرمضانية "نسبية بين شخص وآخر".
فهو يقوم بعد الإفطار بالذهاب إلى المسجد القريب حيث يحيي الليالي الرمضانية بالصلوات والأدعية المعتادة "خاصة في ليالي القدر التي نمضي الليل بطوله في الدعاء".
وعند السحور يقوم محمّد بإعداد المعجّنات الرمضانية في أحد الأفران ليعود بعدها إلى المسجد ويصلّي الفجر. بالمناسبة فإنّ محمّد ينام نهاراً معظم الأحيان.
وسام كذلك ينام نهاراً لكنّ صيامه ليس كأيّ صيام. وسام برمضان أو بغيره ينام نهاراً لأنّه يسهر طيلة الليل عادة في "لعب الورق والعقّ (شرب الكحوليات) والحشيشة (القنب الهندي)". لكنّه في رمضان يوقف كلّ هذه الأمور "إحتراماً للشهر الفضيل ورياحة للجسم".
وفي ظلّ بطالته المزمنة يقوم بالسهر مع الأصحاب حتى مطلع الفجر ليناموا بعدها إلى أن يوقظهم الأهل على الإفطار. صياماً مقبولاً يا وسام.
أحمد الذي يعاني مشكلة في المعدة وجد طريقة للقضاء على العطش الذي يصيبه خلال فترات النهار؛ "خاصة أنّ الأجواء لا زالت حارّة". هو يأكل على فترات متقطّعة خلال السهرة فلا تصيبه تخمة الإفطار بتاتاً ويقوم بعدها بشرب اللبن المخفوق "قبل الإمساك بدقائق" يعلن أحمد عن ابتكاره.
سامر أصيب هذا العام بحمّى الإبتكارات الرمضانية أيضاً. وإذا كان أحمد قد خصّ نفسه بابتكاراته فإنّ سامر جعل من كلّ من يأتي إلى منزل أهله للإفطار من أقارب وأصدقاء حقل تجارب له يرغمون على خوضه حياءً لا اكثر.
هو تعلّم طريقة "فاشلة للغاية" برأي شقيقه لصنع شرابي الجلاّب والتمر الهندي الرمضانيين الشهيرين. سامر لم يعترف بالأمر سوى بعد مضيّ منتصف الشهر حين تسبّب شرابه الأوّل في إفساد الإفطار بالكامل بعدما بصق ابن خالته الشره الشراب من فمه بعد جرعة كبيرة منه وأصاب كامل المائدة . يمكنكم أن تتخيّلوا المشهد خاصة على وجوه الصائمين المنتظرين يوماً كاملاً ليأكلوا ما قد صار متبّلاً بالجلاّب وبواسطة الفم الكبير لابن خالة سامر. "وكلوا من طيّبات ما رزقناكم" يعلّق شقيق سامر بخبث.
عبّاس استفاد هذا العام من الشهر الفضيل على الوجه الأكمل فهو تسلّم وظيفة لشهر واحد تختصّ بجبي زكاة الفطرة من الصائمين. عبّاس يتقاضى مئتين وخمسين دولاراً جرّاء جلوسه في أحد الأكشاك المنتشرة في الضاحية الجنوبية والممتدّة إلى بعض الاماكن الاخرى والتابعة لجمعية المبرّات الخيريّة. يقوم عبّاس بالإشراف على طريقة الدفع دون ان يتدخّل في تسجيل أسماء أو عدّ أموال؛ "في النهاية هي أموال زكاة للفقراء واليتامى". وزكاة الفطرة في لبنان تساوي قيمتها المالية ثلاثة آلاف ليرة أي ما يعادل دولارين أمريكيين. عمل عبّاس في المركز جعل بعض أصدقائه يدلون إليه بدعابة حين يمرّون أمامه تتعلّق بتسعيرة الفطرة؛ "كم سعر الفطرة عندك؟" يسأله الشبّان
وحين يجيبهم يقولون؛ "لا لا خيّي عند الشيخ الفلاني بألف". لكنّ عبّاس أيضاً ابتدع عرضاً ساخراً لهم؛ "مع كلّ ثلاثة كبار تربحون واحداً صغيراً مجاناً".
تهرّب من الصيام
الأمطار الغريبة في غزارتها والتي هطلت على لبنان مع نهاية الاسبوع الماضي عرقلت خطط طارق في التهرّب الدائم من الصيام. طارق يستغلّ فرصة تزامن شهر رمضان مع الطقس الحارّ ليمضي "في سفر" إلى البحر "النظيف والبعيد" في جبيل (40 كلم شمال بيروت).
هكذا لا يضطر طارق بتاتاً للصوم ولو أنّه مضطر لإعادة أيّام إفطاره؛ "لا مضطر ولا أيّ شيء آخر" يبدو أنّ طارق غير مهتمّ بتاتاً لكنّ العقاب السماوي الذي جاءه هذا الأسبوع ربّما يجعله يعيد النظر؛ "ينعاد عليك!" يهزأ طارق.
نعيم ليس كطارق فهو يصوم طيلة أيّام الاسبوع لكنّه يفطر نهار الأحد (العطلة الأسبوعيّة الرسميّة في لبنان) فالنهار هذا "للعطلة والرياحة".
لكنّ نعيم لا يمضي في سفر أو أيّ عذر شرعي كحال طارق فهو يعتمد في إفطاره المتعمّد على فتوى ربّما يكون قد ابتكرها بنفسه؛ "ربّنا خلق الأرض في ستّة ايّام وارتاح في اليوم السابع.. هذا هو اليوم السابع" يبدو أنّ نعيم مقتنع بفتواه وربّما يجد مريدين لها في المستقبل.
آخرون كمحمود يعتمدون فتوى تتحدّث عن جواز التدخين مع استمرار الصيام فيقولبونها كما شاءوا ليستطيعوا التدخين. محمود يقول أنّ هذه الفتوى هي "ما تسهّل علينا الصيام".
علماً أنّ الفتوى في الأساس تحرّم التدخين نهائياً لا في رمضان فحسب بل في كلّ أيّام السنة. محمود لا يهتمّ بذلك وينوي تدخين النارجيلة "بالمعسّل والمدبّس" العام القادم.
يوسف لا يصوم بتاتاً. هو "غير معتاد على الصيام" كما يقول. لكنّه ومع ذلك يهتمّ كثيراً بالأجواء الرمضانية والعيد منها على وجه الخصوص.
فهو وعلى الرغم من عدم صومه قام على مدار السنوات العشر الماضية بتأدية صلاة العيد في المسجد؛ "وهذا العام أيضاً إن شاء الله" يقول يوسف الذي بدأ بتحضير عدّة العيد من ملابس جديدة وحذاء وحجز لاستئجار سيّارة لثلاثة أيّام قرّر منذ الآن وجهتها؛" بدّي أبرم كلّ لبنان هالسنة".
تلك بعض من أجواء الشهر الفضيل الذي حلّ على شباب الضاحية الجنوبية الصائمين منهم وغير الصائمين. أجواء نقلتهم إلى حدّ كبير من حالتي الدمار والتهجير الكبيرتين اللتين أصابتا منطقتهم وهيّأت أمامهم أبواب الإحتفال بالعيد القادم.
وعلى الرغم من تخوّف بعض الشباب من عدم الإتفاق على موعد محدّد للعيد في ظلّ اعتمادهم على حكم من يقلّدون من رجال الدين داخل وخارج لبنان فإنّ فادي الذي قدّمنا به موضوعنا يؤكّد أن لا مشكلة عنده في ذلك؛ "على الأقلّ يكون لدينا خمسة أيّام عيداً متواصلاً" يقول فادي الذي يصوم مع آخر من يصومون ويصلّي العيد مع أوّل من يصلّون. كلّ رمضان وأنتم بخير.
تصوير عصام سحمراني