ملحق شباب ألاسبوعي

الأوشام عالم شبابي بامتياز

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

بين الهوس بأشكالها وموضتها المتنوّعة
الأوشام عالم شبابي بامتياز

على الساق- خاص ايلاف عصام سحمراني : قبل الحرب الأخيرة التي أصابت الشواطئ اللبنانية في مقتل، كان نادر كعادته الأسبوعية يفترش الرمال الساخنة لشاطئ الرملة البيضاء في بيروت علّه يداوي بعضاً من الهموم التي تسكن حتّى الهواء الذي يتنفسه. وبما أنّ الشواطئ اللبنانية بحرب أو بدونها مليئة بالألغام الأرضية (مجازياً) على أنواعها فقد جرحت إحدى الزجاجات المكسورة ساقه. دعونا من الإسعافات الأوّلية البدائية التي تداوى بها نادر ولننتقل إلى مشهد أحد الشبّان الذي سار خلفه مسافة كبيرة عبر الشاطئ وهو ينظر إلى ساقه التي جفّت الدماء على جرحها قبل وقت وجيز. نظرات استرعت انتباه نادر الذي لا يحبّ الصحبة كثيراً فكيف إذا ما كانت من "شاب معجب" على ما بدا له هذه المرّة.

كلّ ما في الموضوع أنّ الشكوك تبدّدت حالما أبدى الشابّ إعجابه الكبير لا بنادر بل بـ "الوشم الرائع على ساقي" يقول نادر الذي لم تغرّه فكرة تخييب ظنون الشاب بكشف حقيقة الجرح أمامه بل دلّه بالفعل على أحد "الدقّيقة" الذي "سيرسم لك أجمل منها وبنفس الألوان الطبيعية أيضاً!" قال للشاب يومها وتركه لهوسه.

رسم أو "دقّ" الأوشام بالتعبير الشعبيّ ليس موضة حديثة أو طارئة على المجتمع اللبناني، وإن بات الإنتشار الكبير لها في الأوساط الشبابية من مختلف الفئات العمريّة، الجنسية، والطبقية منذ تسعينات ما بعد الحرب حتى يومنا هذا بارزأ أكثر من أيّ وقت مضى. بل وباتت تلك الأوشام تشكّل موضة في بعض الأحيان عبر آخر مبتكرات الرسوم والأشكال والخطوط التي تحتلّ مساحة في جسد الشباب كما تحتلّ مساحة في عقولهم أيضاً.

وشم مكتوب - خاص إيلاف رعة

قاسم- 23 عاماً أحد الشباب الذين أقدموا على إدخال المواد الملوّنة إلى جلودهم "مسايرة للموضة" كما يقول. لكنّ قاسم الذي ابتدأ بوشم جلده برسم صغير لقلب مشوّه أنجزه بنفسه قبل ستّ سنوات، ندم على البدء بهذه "الصرعة". لكنّ ندم قاسم لم يتعلّق سوى بهذا القلب المشوّه فهو سارع بعد ازدياد خبرته في الموضوع ومتابعة آخر الأشكال في هذا الشأن إلى "دقّ" المزيد من الرسوم. وكان فاتحتها تغطية ذلك القلب عبر شبكة كبيرة يحتلّها عنكبوت. وعلى الرغم من انّ القلب ما زال ظاهراً نسبياً فإنّ قاسم رضي عن هذه "الدقّة" تماماً لأنّها "جميلة من جهة ولأنّها غطّت الدقّة الفاشلة من جهة ثانية" يقول قاسم الذي لا يستطيع تحمّل تكلفة إزالة الوشم عبر اللايزر في المستشفيات والتي تتجاوز الألف دولار أمريكي دون أن يكون هنالك من ضمان أو تأمين لتغطيتها.

وينطلق قاسم من فكرة "الموضة" أو "الصرعة" جدّياً ليفسّر استكمال نشاطه في هذا الميدان حيث قام بدقّ ثلاثة أشكال أخرى على صدره وزنديه؛ "الديزاينات والأحرف لا تذهب موضتها" يؤكّد قاسم الذي لم يفهم ما كتب على زنده بالأحرف اليابانيّة حتّى وقت قريب. حينها كان يتنزّه على كورنيش المنارة ليتفاجأ بسائح من العرق الأصفر راهن على أن يكون ممّن يفهم ما وشم به زنده. إستوقفه وسأله فأنبأه اليابانيّ -كما اتضح لاحقاً- بالخبر اليقين وهو مصطلحا الحكمة والحبّ. الأمر الذي أراح قاسم بعد تشكيك صديقه في أن يكون الوشم "إحدى الشتائم" يقهقه قاسم.

ومع أنّ وسام قد قادته الموضة أيضاً لوشم ظهره وزنده فقد كانت موضة مختلفة عن قاسم بعض الشيء. فوسام في البداية يتمرّن في النادي رياضة كمال الأجسام أي أنّه "يشيل حديد" باللهجة اللبنانية. وهذا ما دعاه بعد انتفاخ عضلاته وتضخمها عقب تمارين كثيرة، وإبر وحبوب أنابول وبروتيين أكثر (لهذا موضوع آخر). دعاه هذا الأمر إلى التقيّد بوشم عضلاته المتضخّمة بوشمين كبيرين أحدهما يمتدّ من كتفه إلى ظهره ويمثّل نسراً كبيراً والآخر في ساعده ويمثّل "ذو الفقار وبالشفرتين كمان" يقصد سيف الإمام عليّ بن أبي طالب أوّل الإئمة وخليفة الرسول لدى المسلمين الشيعة الذين ينتمي وسام إليهم.

لاحظ يد الواشم -خاص إيلاف وعلى الرغم من أنّ وسام قد تأذّى من الوشمين وبطريقتين مختلفتين فهو لا يعلن بتاتاً ندمه على دقّهما. لا بل هو ينوي إضافة صورة للسيّد حسن نصر الله (أمين عام حزب الله) إليها. والأذى الذي لحق بوسام من وشم النسر في كتفه وظهره كان جسدياً عن طريق الألم الذي رافق العملية حيث "ضربت الإبرة بالعظم أكثر من مرّة وتحمّلت". أمّا الأذى الذي ناله من الوشم الثاني فقد كان عبر طرده من عمله كـحارس لأحد النوادي الليلية بعدما "استفزّ الوشم بعض الزبائن الـ(إحدى الطوائف) وبالتالي صاحب العمل". ومع ذلك فلم يبد وسام اعتراضاً على ذلك الموضوع ربّما لأنّه عوّض بإسالة الدماء "من مكان ما في وجه المدير" يقول وسام الذي أفادته عضلاته المتكتّلة خلف السيف المسبّب للمشكلة؛ "المهمّ أنا مرتاح للأوشام شو بدّي بالعالم" يعلن وسام عبثيته.

ريما يختلف السبب في وشم يدها عن الآخرين كما يختلف شكل هذا الوشم لديها وتختلف طريقة الدقّ أيضاً. فهي في البداية فتاة قدمت حديثاً من إحدى قرى البقاع (شرق لبنان) النائية إلى ضواحي بيروت. هي لا تملك سوى وشم واحد يبرز بشكل أربع نقاط لا تعرف معناها ولم تسأل عن معناها يوماً رغم أنّها دقّتها بنفسها مسايرة لباقي فتيات القرية. أمّا عن طريقة تلك الدقّة المنتشرة بكثرة لدى البدو على وجه الخصوص في لبنان فهي لا تحتاج لأيّ من الأدوات كالإبر الكهربائية ومواد الحبر أو الاشكال والرسوم حتّى. كلّ ما تحتاجه كما قامت بها ريما هو "إبرة خياطة ومغيطة وشمعة" تقصد ريما نوعاً من المطّاط الأسود الرفيع المغلّف بقماش من اللون الأبيض يستخدم عادة لشدّ ملابس النوم والملابس الداخلية على وجه التحديد. أمّا عن الطريقة بحدّ ذاتها فهي في غاية البساطة حيث عمدت ريما إلى تذويب المطّاط ببطء وتلطيخ رأس الإبرة به، تقوم بعدها بإدخالها في الجلد بشكل شبه سطحي لتكرّر بعدها العمليّة أكثر من مرّة في المكان نفسه وهكذا؛ "وحين يجف يكون المطاط قد اختلط بالدم ليشكّل اللون الأخضر الذي تراه" تفسّر ريما دون أن تستطيع تفسير انقلاب الأسود إلى أخضر في جلدها.

معلّم

رسوم متنوّعة-خاص إيلاف

وبالحديث عن الأشكال والطرق والأدوات فلا بدّ أن نتحدّث مع رائد في هذا المجال؛ وليس أهمّ في هذا الإطار من أحمد الذي يعمل في هذه "المصلحة" منذ سبع سنوات. والمقولة الشهيرة التي تتحدّث عن تذوّق السمّ لدى من يعمل به لا تصح فقط في حالة أحمد بل تغرقه في صحّتها عبر عدد كبير من الأوشام دقّ بها جسمه؛ "مع أنّ المخبّأ أجمل بكثير من الظاهر" يغمز أحمد.
هو يتقاضى ما بين خمسة دولارات و "خمسين ومئة دولار اوقات بحسب كبر الدقّة أو صعوبتها أو كمّية الحبر فيها" يفصّل أحمد عمله. أمّا عن الأدوات التي يستخدمها فهي لا تتجاوز ماكينة كهربائية تعمل على بطارية السيّارة أو الدراجة النارية تشكّل خزاناً صغيراً للحبر وتركّب فيها الإبر ذات الأحجام المختلفة. أمّا عن طريقة عمله فهي تتلخّص في "الرسم أوّلاً بعد أن يختار الزبون الرسم الذي يريده من اللوح المليء بها ثم عن طريق الإبرة عبر ضخّ الحبر فيها وتركها لتجفّ". وعلى الرغم من أنّ أحمد يرفض الحديث عن أنواع الحبر المستخدمة ويعتبر هذا الأمر من "أسرار المهنة" فهو يؤكّد في المقابل على تطهيره الدائم للإبر بالكحول؛ "إذا ما عملت هيك ممكن تنقل أمراض مثل الإيدز وغيره!" يقول أحمد الذي لا يعزّز الحجم الضئيل لديه لقارورة الكحول أيّ تأكيدات في هذا الشأن.

وإذا كان قاسم قد لجأ إلى تغطية الوشم المشوّه عبر وشم آخر أكبر وأكثر كثافة بالحبر فإنّ أحمد بالإضافة إلى قيامه بهذه الطريقة فهو يستخدم أساليب أخرى يعتبرها أكثر فعالية في إزالة الوشم. هو بكلّ بساطة يقوم بتغطية الوشم غير المرغوب به بوشم آخر يماثل لون الجلد تماماً؛ "إمّا عبر الدقّ على الخطوط نفسها أو عبر دقّ المساحة كلّها بلون الجلد". لكنّ هذه التقنية التي استخدمها أحمد أكثر من مرّة تتطلّب منه خاصة في شقّها الثاني استخدام أكثر من إبرة لتصل إلى حدود "خمس إبر دفعة واحدة" يقول أحمد الذي يعتبر طريقته ناجحة نسبياً لكنّه مع ذلك يبيّن أنّ "الأثر لا يزول تماماً بل يبدو مكان الوشم وكأنّه محروق أو مشوّه خلقياً أو كمرض جلدي مثل الفطر" يقول أحمد.

ركّزنا في عرضنا على الحالة في صفوف ممارسيها في شقّيهم الأزليين ولم نتطرّق إلى رأي الدين أو رأي علم النفس أو الطبّ في هذا المجال. فالدين يواجهنا مباشرة بلعنة الواشم والموشوم أمّا العلم فله اجتهادات واسعة في هذا الإطار لا ترسو بتاتاً على برّ محدّد أبداً؛ خاصة علم النفس. إنّما أردنا الإقتراب من شباب يعيش هذه الحالة ويمارسها ويفتي لنفسه في كافة المواضيع كحالة قاسم الذي يؤكّد بعيداً عن آراء علماء النفس أنّ الأوشام تقوّي شخصيته. بينما يفتي في المقابل بعدم تحريم الوشم على الصعيد الدينيّ؛ "إلاّ إذا كان يمثّل كلمة الله خوفاً من نجاستها!".
قاسم واشم وموشوم وعالم نفس.. وشيخ طريقة أيضاً.

تصوير عصام سحمراني

sahmrani_205@hotmail.com

تغطية وشم بوشم-لاحظ القل بداخل العنكبوت-خاص إيلاف

الأدوات -خاص إيلاف

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف