فالنتاين كئيب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
عاشوراء وذكرى اغتيال الحريري وبطالة
"فالنتاين" كئيب في الضاحية الجنوبية لبيروت
أمّا بالنسبة لشباب الضاحية الجنوبية لبيروت -الشيعية بمعظمها- فالأمر يتعدّى ذلك إلى أمور أكثر حساسية بالنسبة لهم. أحد هذه العوامل هو تزامن العيد مع شهر محرّم الذي يلتزم فيه الشيعة بالحزن على الإمام الحسين وآل بيته وينسحب ذلك على مجمل أمور حياتهم، فلا أعراس مثلاً في هذا الشهر حتّى ما بعد أربعين الإمام الحسين أي في العشرين من صفر.
أمّا الأمر الأساسي فهو الحالة المادّية المزرية للشباب والتي لا تسمح لهم حتى بالخطوة الأولى للإحتفال بعيد العشّاق وهي إيجاد حبيب ما. وما الدليل على حالتهم تلك إلاّ البطالة التي تطال الشبّان منهم وترسو بهم في مرفأ "النراجيل" عند زوايا الشوارع ونواصيها يسخرون من هذا ويتعدّون على ذاك. أمّا الفتيات من بينهم فهم الفئة الأكثر تعرّضاً للظلم حيث لا متنفّس لهنّ يروحّن فيه عن أنفسهن. ومن تدرس من بينهن ممنوع عليها الخروج سوى مع افراد اسرتها خارج دوام المدرسة أو الجامعة، أمّا من تعمل فتستغلّ من النواحي كافة. أوّلاً تستغلّ من صاحب العمل الذي وظّفها فقط لأنّها فتاة تأخذ راتباً قليلاً لا يتعدّى المائة والخمسين دولاراً، وتستغلّ من أهلها الذين يقتطعون جزءا من هذا المبلغ، وتستغلّ من المجتمع الذي لا يترك أحداً من شرّ لسانه. أمّا المصيبة الكبرى التي تجابهها فتكون في حال وقوعها في حبّ أحد أولئك الشبّان الذين تكلّمنا عنهم، عندها الإستغلال يتّخذ أشكالاً شاذة تنقلب فيه صورة المجتمع الذكوريّ رأساً على عقب -على الأقلّ مادّياً- وتعلق الفتاة بين نيران الجميع.
إذاً فالضاحية الجنوبية التي مرّت ليالٍ جميلة على عشّاقها الشباب مضطرة أن لا تحتفل هذا العام بالعيد وربّما ينسحب ذلك على الأعوام المقبلة وعلى باقي أعياد السنة أيضاً. لنرَ..
حيدر
"مبارح تلاقينا قعدنا عحجر، برد وحوالينا عريان الشجر، خزّقنا الصور ومحينا القمر، ردّتلو مكاتيبو وردّلي مكاتيبي.. لا إنت حبيبي ..." يخرج صوت فيروز الذهبي ولو في عزّ دين الليل وسط دموع تكاد تنفجر من عينيّ حيدر وتصيب بالعدوى صديقه الوحيد الذي يبوح له بأسراره العاطفية. "صوت فيروز أصابني في مقتل" يقول الشاب ويرتشف قليلاً من فنجان الشاي في يده ليتابع بعدها مرثيته التي طلع بها على صديقه تلك السهرة. حيدر الذي اختار ليلة عيد العشّاق بالذات ليعلن لمن كانت مشروع خطيبة لديه أنّه لا فائدة ترجى منه. "كل ما يهمني من الموضوع هو كيفية تقبلها للفراق بعد علاقة استمرت لعامين " يتحسّر ويضيف؛ "أنا الله لا يردّني، الوم نفسي على الحال الذي اصبحته ..لكن هي ما ذنبها".
لنلخّص الموضوع.. حيدر يبلغ من العمر الآن خمساً وعشرين سنة. حاز في الصيف الماضي على شهادة الدراسات العليا في الإدارة من إحدى الجامعات الخاصّة. حيدر لم يعمل في حياته بتاتاً على الرغم من مئات الطلبات التي وضعها في دوائر الموارد البشرية في الشركات الإعلانية والإعلامية والتجارية والصناعية، وشركات العلاقات العامّة والمصارف والفنادق والمطاعم والمسابح والمنتجعات السياحية. هو إذاً لم يأل جهداً في سبيل عمل ما. حيدر وضع خطّة لحياته حين تخرّج من الثانوية تمحورت حول سفره إلى الولايات المتّحدة لمتابعة تحصيله العلميّ والعمل في الوقت عينه هناك من أجل أن يعود برأسمال كبير إلى لبنان يمكّنه من إفتتاح مشروعه الخاص. في البدء تكسّرت أحلامه ثلاث مرّات على هذا الصعيد ورفض في كلّ مرة تقدّم فيها لنيل التأشيرة الأسطورية رفضاً قاطعاً.
هنا لم يستول اليأس عليه وإن تضاءلت أحلامه كثيراً فقد بات يرضى براتب لا يتجاوز الثمانمائة دولار أمريكي حال نيله الإجازة. وفي خضمّ ذلك الوضع المزري من تضاؤل الأحلام تعرّف إلى مشروع خطيبته التي كانت تدرس في أحد المعاهد وتحابّا وتعاهدا أن يكملا المشوار حتى النهاية رغم معارضة أهله بحكم عدم عمله لغاية الآن، ومعارضة أهلها بحكم عادات "التثقيل" الطبيعية للغاية وإخفاء الأمر بطبيعة الحال عن والدها. ومنذ ذلك الحين وتصوّر الراتب الذي وضعه حيدر يتضاءل تدريجياً حتّى وصل به الأمر إلى القبول بالثلاثمائة دولار في إحدى شركات الأمن -وهو حامل لشهادة في الدراسات العليا إنتبهوا- لكنّ المشكلة الكبيرة أن لا واسطة تتمّ له هذه الوظيفة؛ "إي والنعم رضينا بالهمّ والهمّ ما رضي فينا". هذا عن حيدر العاشق المؤمن بأن لا مهرب من الهجران.
وآخرون
وحسن كما حيدر أحد الشبّان العاطلين عن العمل لكنّ الفارق أنّه مديون بعشرة آلاف دولار خسرها في مشروع افتتحه وكان ينوي أن يحقّق أحلام حياته من خلاله. الأحلام التي كان ينوي تتويجها بزواجه من حبيبته، فكان أن خسر المشروع وتتالت الخسارة بعدها من خسارة حبيبته إلى خسارة عواطفه ورومنسيته وأناقته وصحّته التي بدأ يمدّها بجرعات السجائر والأراكيل.
سامية كانت خطيبة لأحد الشبّان يحبّها وتحبّه بينما كانا في الجامعة سويّاً. ترك الجامعة قبل تخرّجه وسافر إلى إحدى الدول الأوروبية حيث علق هناك بين أعمال مشروعة وأعمال غير مشروعة ونسي على ما يبدو أنّ له خطيبة في لبنان.
تخرّجت سامية وأعلمها أهل خطيبها بإنتهاء الموضوع. بكت أيّاماً عديدة وليالٍ أكثر، وفتحت قلبها لكثير من المتعاطفين والشامتين على حدّ سواء إلى أن اقتنعت بعدها بعدم جدوى الكلام، وبعدم جدوى الحبّ أيضاً. وها هي اليوم تستعدّ للزواج ودون خطبة أيضاً لشخص كانت لا تتخيّل يوماً أنّ بإمكانها الإرتباط به؛ "ما الهم ان كان سائقا..المهم انه رجل منتج.اجل رجل وليس ..." تنهرها والدتها وترضخ الفتاة وتتراجع عن شتيمتها رغم الدموع اللامعة في عينيها.
ربيع لا أحد مثله هذا العام. فهو سعيد هذه الأيّام وإن كان مسؤولاً عن العائلة الكبيرة في البيت بعد وفاة والده منذ ثلاث سنوات. ربيع واقع في الغرام والعيد عنده أعياد متواصلة. فالقصة أنّه يحبّ فتاة منذ الصيف الماضي ولو كان حبّاً عبر الإنترنت. فالفتاة في المانيا الآن لكنّها زارت لبنان في السنة الفائتة حيث أعلم أهلها وأعلمها أحد رجال الدين الذين يرعون الشيعة اللبنانيين في ألمانيا أنّ شاباً "آدمياً" يودّ التعرّف عليها للزواج.
الشاب الآدمي كان ربيع الذي رحّب به أهل الفتاة وأمضى سهرات عديدة في منزلهم الجنوبي، لكنّ المشكلة كانت في الفتاة ذات "العقلية الأوروبية" يقول ربيع ويجيبه صديقه الذي ممّن يضعون جواباً تحت إبطهم؛ " شو مفكّرها سيّارة!!". يصمت ربيع ميكانيكي السيّارت الذي لا يعرف عن أوروبا سوى المرسيدس والبي أم وغيرها من أنواع السيّارت. "لقد سحرتها ببضع كلمات معسولة واخبرتها انني لا اطمع بشيء سوى بحبها !" يسرّ ربيع الذي بات ذهابه إلى ألمانياً أمراً قريباً؛ "إذا ما جدّ شي متل العادة!" يستعيد الشاب بعض الخيبات السابقة.
عرضنا لأحوال أربعة من الشباب كانوا في الماضي يجدون في هذا العيد تعزية لهم ولو لليلة واحدة تنسيهم واقعاً يعيشونه بين أحلام متكسّرة ومجتمع طويل اللسان لا يرحم أنثى ولا ذكراً. أمّا الآن فقد وقع معظمهم في اليأس الذي - سبحان الله- لم يصب مرّة واحدة سياسيي لبنان المسؤولين بدرجة أو بأخرى عن أوضاع إجتماعية نعيشها، لا بل تعيشنا وتسكننا بكلّ ما فيها من علل وآفات وأمراض وقرف. واقع يفرض علينا أن نهدي وروداً سوداء. فكلّ شيء بات مظلماً أكثر." هابي فالنتاين"..