ملحق شباب ألاسبوعي

ديما التي لا تنتظر تعاطفاً

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عصام سحمراني : أحدّثكم عن ديما، الفتاة التي نتشرّف حين نتحدّث عنها. لأنّها مكافحة كآخرين غيرها بعيداً عن صرعات الكفاح المسيّس بملايين الدولارات في تظاهرات ونشاطات وانتخابات ومهرجانات لا طائل منها سوى الدعاية لطغاة لم يعتادوا سوى خدمة الشعوب لهم وتقديم الطاعة والولاء اليوميّ لقدسيّتهم. ديما اللبنانية الشابة التي لم تتجاوز العشرين من عمرها الربيعي بعد. ربيعها الذي يتمرّغ يومياً بتواريخ قذرة وسياسات إجتماعية أقذر أريدت لوطنها الذي لم يعوّدها يوماً حبّه.

وطنها المستمرّ بطغمته المستمرّة منذ ما قبل التاريخ فوق صدور أهل أصيب أكثرهم بمتلازمات تتراوح بين الغباء والدهاء والتزلّف للإستمرار فحسب. وقسم آخر أصيب بيأس أدمنه بديلاً لأوطان لن يتمكن يوماً من الوصول إلى جنّات قوانينها المدنيّة، هرباً من أشباه الأوطان التي يعيشها. أوطان تعصر أبناءها حقداً وطمعاً وأنانية لا تنتهي. أوطان تتجسّد في طغاة يمارسون طغيانهم الساديّ على ديما وأخواتها ممّن لا يملك إلاّ الله مخلّصاً ومنجياً لا إله إلاّ هو. طغاة يشتمّون رائحة البراءة في البساتين والحقول والجبال والسهول والجرود التي زاحموا الله على امتلاكها وامتلاك أهلها الذين باتوا عبيداً لديهم. عبيد لديهم واجبات تجاه ملاّكهم الطارئين أكبر من تلك التي لخالقهم في السموات.

يشتمّون البراءة وينقضّون عليها بوحشيّة تدنّس طهارتها السماوية بأساليب شتّى من العهر والفجور والظلم والتسلّط والحقارة والشهوانيّة والطمع. البراءة التي ما زالت، منذ قيام طغيانهم الذي لم يتبدّل بعد، تشحّ وتجفّ ينابيعها وزهورها وأفراحها الزاهية. ليغرق بعضها في زوابع والآخر في رماديّ لا ينتهي كامتداد لشريط سينمائي من القتل وقطع الرؤوس والضباب الموسيقيّ الصاخب.

ديما التي ليست خياليّة هي بكلّ بساطة فتاة لبنانية من المؤكّد أنّ كثيراً من الشباب يشبهها. يشبهها في كفاح مرّ لا يكافأون عليه سوى فتات وقوانين جائرة تحدّ من حياته التي أين منها ربع ما يناله متظاهرو فرنسا وبقانون العمل الجديد هناك. ديما التي تنتظر كلّ شهر أيّامه الكاملة لتنال فضلات رؤوس الأموال والإقطاع. فضلات تكون قد استدانت ضعفها لتخرج من يأسها القاحل قليلاً وتدّعي أنّها تحقّق مستقبلها.
ديما التي تتلخّص حياتها في خطوات ثلاث تمرّ متشابهة كلّ يوم منذ ثلاث سنوات كاملة. ثلاث خطوات محشورة ضيّقة ككلّ شيء جميل أو بشع في بلادها، كشواطئ البحر والتظاهرات والإذاعات ومحطات التلفزة وكلّ ما يكتب هنا وهناك من نثر أو شعر أو أناشيد تصنّف على تنوّعها وطنيّة.

كالمدارس والجامعات والمناهج التعليميّة والأساتذة ومحتكري كلمة المثقّف والثقافة. كمداخن التدفئة في قرى الجبل التي لن ينزل "بابا نويل" يوماً منها ولن تحظى يوماً بهداياه التي ستصادرها الجمارك كما تصادر كلّ شيء لم تبرز شهادته الخضراء بوريقات كثيرة لواحد من الضبّاط أو لكثير منهم.

ثلاث خطوات ضيّقة كآفاق كلّ الأجيال الطالعة وكيأس الأجيال المنكفئة بعد أمل كبير. المنزل والباص والعمل. المنزل الذي تتعرّض فيه لشتّى أنواع الإهانات فقط لأنّها فتاة بين عدّة فتيات أخريات يصغرنها. مع أنّ الملام في هذا الأمر هو والدها الذي قرّر يوماً ما الزواج من فتاة تشبهها هي والدتها التي لن تكرّر ديما غلطتها بتاتاً. والباص الذي تتعرّض فيه لإهانات من نوع مختلف ولأنّها فتاة أيضاً. إهانات تهتك براءتها ولو عن طريق ألفاظ تربّى جيل كامل من رعيّة الطغاة عليها. ألفاظ تعكس انتماءات سياسية قبل أن تعكس انتماءات إجتماعية. والعمل الذي تتعرّض فيه لإهانات لأنّها فتاة أيضاً وأيضاً عبر فتات زهيد من الأجر تتقاضاه ضريبة لحياتها بين القذارات الفكريّة المحتومة، وعبر انتهاكات لفظية لطبقة أخرى من العابثين الأغبياء الذين يستمرّون في محاولاتهم لتقليد أحد مثلهم العليا من الطغاة -التي هي مثل واطية بالمناسبة- والإقتداء بطريقه. فلا ينالون من تمثّلهم به سوى أخلاقه القذرة دون مزاريب المال وطاعات العباد والعبيد.

ديما التي ربّما لن تهتزّ مشاعر أحد لقصّتها. وربّما أكثر من ذلك فقد يعتبرها البعض قصة سخيفة إعتيادية. فهؤلاء يريدون قصّة مليئة بمشاهد التعذيب الجسديّ والإغتصاب والقتل لتروي تعطّشهم الذي منذ زمن بعيد اتخذ طابعا إدمانياً لترداد كلمات التأسّف والترحّم والتعاطف. فهي ثقافة تربّوا عليها تصنّف الأحداث بتدرّج يشمل المصائب والنكبات والكوارث ولكلّ منها عبارات ومشاعر مختلفة عن الأخرى ومتدرّجة أيضاً.ديما جميلة لأنّها واقعية. وديما صاحبة قضية كبرى لأنّ موتها البطيء الذي تعيشه في ظلّ استغلالها اليوميّ أخطر من موت طارئ باتت تنتظره.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف