ملحق شباب ألاسبوعي

مساحة من وطن.. تتّسع لكلّ الأيّام

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


سوق الأحد في بيروت
مساحة من وطن.. تتّسع لكلّ الأيّام

عصام سحمراني: "يحقّ لكلّ شخص بثلاث تجارب على أن يصل أعلى السلّم دون أن يقع ودون أن يركض أو يتّكئ على إحدى ركبتيه أو يطلب مساعدة من أحد"؛ تلك كانت الشروط التي أعلنها طارق للمتجمّعين حول لعبته البهلوانية الغريبة بالنسبة لزوّار ذلك السوق الذي لطالما تواجدت فيه أمور غريبة.

أمّا من يصل أعلى السلّم ضمن الشروط التي وضعها طارق فله مكافأة الفوز "بأيّ غرض يختاره من السوق مهما كان ثمنه". إغراء لم يجذب سوى قليلين دفعوا بدل اشتراكهم في اللعبة خمسة آلاف ليرة فـ"أغلى غرض بالسوق بثلاثين أو أربعين ألف ليرة" يقول أحد المتجمّعين وهو يراقب من خسر خمسة آلافه.

باعة العلن

تصل الشمس إلى ذروة حرارتها الربيعية وهي لا تكاد تلامس بأشعّتها الذهبية أرض السوق سوى بخيوط متوزّعة بإتقان توزيع الخيم فوق "البسطات"، والتي لا تترك سوى فراغات قليلة تمنح خيوط الشمس حرّية التسلّل إلى أحشائها. تتلاصق البسطات ويتلاصق البائعون فاليوم هو المنتظر بعد أسبوع كامل ابتعدوا فيه عن هذا المكان الذي لا يشكّل في باقي أيّام الأسبوع أكثر من ساحة اسفلتية كبيرة يتعلّم البعض فيها القيادة.

والنشاط الذي يدبّ في سوق الأحد دفعة واحدة يبدأ نهار السبت حيث يتوافد مستأجرو زوايا السوق إليه للبدء بعرض بضائعهم والسهر عليها ليلاً وهم يتناولون عشاءهم من المطعم المبتدع داخل السوق بروائح أطعمته المختلفة، من قرنبيط وباذنجان وبطاطا مقليّة وبيض مسلوق ومشاوي وفلافل وفول تتداخل فيما بينها لتشكّل رائحة واحدة تميّز السوق عمّا عداه وتقترب إلى حدّ كبير من رائحة نهر بيروت الذي يقع السوق على ضفته الغربية والذي كادت تشحّ مياهه القليلة وتطفو على سطحها تلك الطبقة الكثيفة من النفايات والمجاري وكلّ ما هبّ ودبّ.

ينتهي التحضير المسبق بعد ظهر السبت وليله ويستيقظ السوق على نشاط منقطع النظير من حناجر الباعة الذين يفتتحون نهارهم للإسترزاق وردّ إعتبار جيوبهم التي خسرت خمسين دولاراً دفعة واحدة بدل إيجار زاويتهم التي يعرضون فيها البضاعة من البلدية. ونشاط أكبر من أقدام المتسوقين المبكرين ونظراتهم اللولبية. "نأتي باكراً كي نحظى باللقطات قبل غيرنا" يقول أحد المتسوقين.

واللقطات التي يقصدها هي كلّ ما يوجد في السوق وينادي عليه الباعة من ملابس خارجية وداخلية وأحذية نسائية ورجالية وولاّدية إلى أقراص وأشرطة فيديو وموسيقى لبنانية وسورية وعربية وأفريقية وهندية وسريلانكيّة تعكس جنسيات باعتها وزبائنها، ومعدّات إلكترونية وكتب عتيقة وجديدة وأدوات منزلية وخردوات وألعاب وحقائب يدّ وحقائب سفر ومحافظ وعطورات ونظارات طبّية وشمسيّة وقرطاسية وأدوات صحّية ومواد زراعيّة وأسمدة وأعلاف وآلات موسيقية وتحف و "سحاتيت" وعملات أثرية حجرية وورقية أجنبية وعربية، وخبز وكعك وبزورات وبخّور ومواد غذائية معلّبة وأسماك حيّة ومجلّدة وطيور وغيرها كثير يتغيّر أسبوعياً ممّا يخطر وممّا لا يخطر على بال.
وبمساحة لا تزيد عن مترين بمترين لكلّ بسطة يتوقّف المتسوقون وهم يساومون أكثر الأحيان حول البضائع التي ينبغي عليهم شراؤها دون تجريب إن كانت من الأدوات التي تجرّب في العادة كالأدوات الكهربائية مثلاً؛ "فالسوق هون وإذا ما مشيت جبلي ياها الأحد الجاي" قلّما يعيد أحد من المتسوقين شيئاً لم يعمل بعد شرائه فالبائع إن لم يتغيّر في الأحد القادم فسينكر كالعادة أنّ الزبون ابتاع السلعة منه. وهكذا تستمرّ حركة الشراء والبيع في جوّ من الثقة الخادعة المشوبة بالكذب والحياء والخوف. لكنّ هناك بضائع يمكن تجريبها كالملابس مثلاً خاصة في ما خصّ الشبّان دون الفتيات. وبما أنّ غياب غرف تغيير الملابس عن السوق أمر طبيعيّ في ظلّ ضيق مساحاته فما أصبح طبيعياً أيضاً هو تجربة السراويل والأحذية والقمصان أمام المتسوقين بشكل فيه كثير من الإعتياد والتواطؤ من قبل الجميع؛ "الكلّ يفعلون ذلك أين العيب!!؟" يستغرب بلال بديمقراطية أصيلة خجل صديقه حين دفعه بلال لخلع بنطاله ليقيس ما سيشتري.

باعة الظلّ

يشير سامي بائع القمصان نحو رجل ثلاثينيّ يتّخذ زاوية صغيرة للغاية لا تتّسع سوى لكرسيّ يجلس عليه وخزانة خشبية صغيرة تجاوره مغطّاة بأفيشات ورقية صغيرة لافلام عربية وأجنبية. يمرّ أحد المتسوّقين أمامه ويسأله عن أحد تلك الأفلام المعروضة فيردّ بلفظة اعتيادية "والله خلص!" يمضي الزبون إلى بائع آخر دون أن يطيل الحديث فالبائعون كثر والزبون يسرع الخطى للخروج من "بوز القنينة" الذي حشر نفسه به. أمّا البائع نفسه فينتظر دون مناداة على بضاعته المجهولة شيئاً ما لتتبيّن بعدها طريقة بيعها لزبائن يعرفهم ويعرفونه منذ زمن. كلّ ما في الأمر أنّه يبيع أقراص لأفلام جنسية (بورنو) دون أن يضايق أحداً من المتسوقين "ذوي الأخلاق الحميدة" يعلّق سامي بهزء.

إذاً فهناك نشاطات بيع تدور داخل السوق وعلى هامشه تتخطّى الأمور المكشوفة. من تلك النشاطات ما يقوم به "المعلّم" وهو سوريّ الجنسية يجلس بمعاونة أحد "صبيانه" بين ما تظنّ للوهلة الأولى أنّه نفايات لا أكثر من أدوات إلكترونية محطّمة إلى ألعاب محطّمة إلى ملابس ممزّقة تبرز تحتها مع سؤال كلّ زبون معروف للبائع مسجّلات سيارات حديثة وقطع كومبيوتر صغيرة كالبلوتوث والأم بي سي بلاير وغيرها من القطع الكهربائية المسروقة كالديسك مان. ينقل "المعلّم" مسروقاته اسبوعياً إلى المكان الذي احتلّ فيه مساحة مضاعفة من مقرّه الأصليّ "سوق الحرامية بصبرا" على حدّ تعبير أحد زبائنه غير الأوفياء لسمعته الكريمة.

بائع آخر ينام طيلة النهار في المساحة التي يستأجرها بين بائع ثياب وبائع قطع كهربائية وهو يضع على رأسه قبّعة بهت لونها ويلصق بشفتيه سيجارة لا تكاد تنطفئ حتى يشعل غيرها. كلّ ما يعرضه هو ما يقرب من عشرة كتب لم تتغيّر عناوينها منذ سنوات. ينام طيلة النهار ولا يهتمّ بالمارة من المتسوّقين والباعة والفضوليين لا بل يسخر منهم في بعض الأحيان. ولا يبرّر له أحد سخريته منهم سوى حين يعلم أنّه يكسب أضعاف ما يكسبون من السوق؛ "طبعاً مش من الكتب المعفّنة" يقول أحد جيرانه المعادين. الأمر ببساطة هو ترويج "الحشيشة" التي يبيعها لبعض الخاصة من زبائنه الذين يقصدونه "من بعيد" يضيف جاره الحسود الذي لا يرى في الأمر سوى "تواطؤ بينه وبين رجال الشرطة" يهمس.

أمّا خارج السوق حيث يتشكّل امتداد للسوق يغزو موقف السيارات تصطفّ أصناف شتّى من الباعة والمروّجين الذين لم يجدوا مرتعاً لهم في الداخل فاكتفوا باصطياد الخارجين والداخلين على حدّ سواء. وتتدرّج ممنوعات هؤلاء من الوشم بالأبر، إلى بيع الأفاعي، إلى بيع أقراص البورنو علناً، إلى ترويج "البلحة" أو "الفيشة" وهي وصلة تلفزيونية صغيرة تفكّ ترميز (شيفرة) القنوات الفضائية الجنسية، إلى التوسّع في ترويج الحشيشة وصولاً إلى النشاط الأهمّ في هذا الإطار وهو الذي تمارسه حفنة من بائعات الهوى النوريّات (البدو الرحّل) اللواتي يلتقطن رزقهن من ذكور السوق بائعين وزبائن يخفطفون الواحدة منهن بعشرة آلاف ليرة لا غير نحو إحدى زوايا الأوتوستراد المقفر أو إلى داخل إحدى السيارات أو الفانات الخاصة بالبضاعة لإشباع حاجة وإمداد الفتيات بالرزق؛ "فقطع الأرزاق من قطع الأعناق" يسخر أحد زبائنهن الدائمين. ولا يعيق حركة كلّ نشاطات الظلّ الداخلية منها والخارجية سوى دوريات الشرطة التي تحطّ رحالها احياناً عند رصيفهم ليختفي جميع البائعين المشبوهين دفعة واحدة وليعودوا بعد رحيل الدوريّات بالسلع نفسها وبهمّة أكبر وبأساليب مختلفة أو بنفس الأساليب لا فارق.

ذلك هو سوق الأحد الذي يحتلّ إحدى الضفاف الغربية لنهر بيروت ويتكوّن من خليط من البشر بينهم اللبناني والسوريّ والمصريّ والسودانيّ والعراقيّ والأفريقيّ والسريلانكيّ والهنديّ والفيليبينيّ اعتادوا التجوّل في أنحائه والتفتيش في خباياه والتدقيق في أركانه ومسالكه المختلفة. يتدفقون إليه كلّ أحد ليساهموا في إنشاء مجموعة من العلاقات تتنوّع بين البيع والشراء لكلّ ما هو مباح ومحظور والمساومة والمفاوضات والحوار وإقامة الولائم والترويج والإحتيال.
مشهد يذكّرنا بلبنان؛ سوق جميع الأيّام..

جولة ولقطات من السوق

**تصوير عصام سحمراني

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف