شباب لبناني يخوض امتحاناته الرسمية ..بأمل
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
في وطن الامال المعدومة وسياسات الحائط المسدود
شباب لبناني يخوض امتحاناته الرسمية... بأمل
عصام سحمراني : ترتبك زهرة في وقوفها المطوّل أمام إحدى المدارس البعيدة عن مقرّ عملها في أحد أحياء العاصمة. ترتبك وهي بين آخرين يرتبكون مثلها في وقوفهم وتحركاتهم العصبية وكلماتهم المقتضبة المتّشحة بمفردات عديدة استقوها من قاموس الأدعية والأماني والإبتهالات السماوية التي تربّوا عليها. كلّ ما في الأمر أنّها كانت تنتظر "صغيرتها" التي تخوض امتحانها الرسميّ الأوّل داخل تلك المدرسة.
تخرج الفتاة وهي تحمل مجموعة من الأوراق وبعض الأقلام فتسارع زهرة لاحتضانها والإطمئنان عليها وغمرها بسيل من الأسئلة المعتادة. إحتضان ربّما أحرج الفتاة التي تدخل مرحلة جديدة من حياتها أمام صديقاتها، فسارعت للتنصّل من بين يديّ والدتها وهي تجيبها بتهذيب وتطمئنها على "الجوّ الرايق والإمتحانات السهلة"، تهدأ زهرة وتقبّل فتاتها على خدّها بفخر أمومي وتحتضنها مجدّداً، هذه المرّة بموافقة الفتاة.
إبنة زهرة واحدة من عشرات آلاف التلاميذ في لبنان الذين يخوضون الإمتحانات الرسمية اللبنانية في كافة مراحلها الدراسية وأشكالها المنهجية. تلك الإمتحانات عادت مجدّداً إلى الحياة عام 1990 بعد فترة من التوقّف القسريّ سببته الحرب اللبنانية. وهي تتألف من الشهادة المتوسّطة (البروفيه)، والشهادة الثانوية (البكالوريا) التي تقسم منهجياً إلى أربعة فروع. وتنضمّ إلى الشكلين الأكاديميين عدّة اشكال مهنية من الشهادات كالبكالوريا الفنية (بي تي) والشهادة التقنية (تي أس) والإجازة الفنية (أل تي) وتتنوّع الإختصاصات بشكل كبير لتغطي كافة المهن التقنية الموجودة في لبنان.
وغالباً ما يخوض التلاميذ والطلاب الإمتحانات الرسمية وهم يضعون هدف النجاح نصب أعينهم. فادي واحد من هؤلاء. يخرج فادي من بوّابة المدرسة الحديدية الكبيرة وهو يلوّح لأصدقائه بابتسامة عريضة تجاهلها من لم يؤدّ جيّداً في الإختبار بينما تجاوب معها الكثير من رفاقه ذكوراً وإناثاً وهم يتجادلون في كيفية حلّ سؤال أو طرح تحليل أو تأليف موضوع في أحد الإمتحانات. "خلص المهمّ عملتو مليح" يهدّئ فادي من شكوكهم. فادي أنهى للتوّ امتحانات البكالوريا وينتظر خوض التجربة الجامعية "بفارغ الصبر" لا سيّما بعد تعرّفه إلى أجوائها عن طريق شقيقه الذي يدرس الحقوق في الجامعة اللبنانية؛ "حدا بقلك حرّية!" نترك فادي مع أحلامه.
غالباً ما يتوزّع الطلاب في مدارس بعيدة بعض الشيء عن منازلهم لكنّ داني صادف وقوعه في الثانوية نفسها التي يدرس فيها؛ "شوف الحظ الحلو". هو اطمأن لذلك الحظ الحسن لكنّه سرعان ما تراجع على وقع أسئلة الإمتحانات التي انتقيت بعناية من خارج إطار تحضيره الذي ترافق مع متابعة مباريات المونديال؛ "كيف بدّك إدرس كلّ شي!!؟" يلقي داني باللوم على المونديال ويعلن استسلامه الكامل أمام وقع الإمتحانات الشديد؛ "مش مشكلة هناك دورة تانية!!".
نايلة كانت على عكس داني تماماً فهي وعلى الرغم من اهتمامها بالمونديال "إلى حدّ ما" خاضت الإمتحانات بنيّة النجاح "وبتفوّق". وقد تعبت للغاية في سبيل ذلك عبر المذاكرة المستمرّة التي وصلت في بعض الأيّام إلى "أكثر من عشر ساعات باليوم" على حدّ قولها. وذلك الأمر ليس بغريب حين نعلم أنّها فازت بالمرتبة الأولى طوال سنوات دراستها الثانوية. مبروك سلفاً لنايلة التي ينتظرها استحقاق آخر هو اختبار الدخول إلى كلّية الهندسة هذا الصيف؛ "إن شاء الله خير" تتنهد الفتاة.
يتباهى سامر بين رفاقه وهو يخرج من جيوب بنطاله "اليوفو" الكثيرة عدداً من الأوراق الصغيرة (الروشتات) التي خطّ على بعضها بخطّ صغير لا يمكن لأحد غيره قراءته بينما صوّر البعض الآخر من الكتب الدراسية بطريقة التصغير. "قفلتن!" يعلن سامر لرفاقه نجاحه الباهر قبل إعلان النتائج مستخدماً إحدى عبارات الإمتحانات الشهيرة لدى الطلاّب للدلالة على إجابته على كلّ الأسئلة المطروحة.
لا يحبّذ معظم الطلاّب طريقة سامر لكنّ بعضهم يحسده في الوقت عينه على جرأته الكبيرة. تلك الجرأة التي كادت تطيح بأحلامه في الإمتحان الأخير علماً أنّ من يضبط وهو يغش بهذه الطريقة قد يحرم من الإمتحانات وتتخذ إجراءات قاسية بحقّه. حينها كان سامر يستخدم الطريقة كعادته حيث وضع إحدى الأوراق الصغيرة في يده بشكل محترف لا يمكن كشفه وجعل ينسخ ما فيها على ورقة الإجابة وهو يرفع رأسه حيناً ويخفضه حيناً آخر ممّا أثار شكوك المراقب الذي تقدّم نحوه. سامر تحرّك بسرعة رهيبة حين رمى الورقة تحت أحد المقاعد بعيداً عنه. عندها طلب منه المراقب الوقوف وبحث في أوراق الإجابة فلم يجد شيئاً ومضى؛ "لو فتّش بالبنطلون كان خرب بيتي!" يقول سامر بحماس من أنجز الإمتحانات وخدع المراقبين في الوقت عينه. سامر يتهيّأ لدخول الجامعة؛ "وسأتابع بالطريقة نفسها إذا الله راد وصولاً حتى الدكتوراه" فلنتمنّ أن لا يكون لإختصاصه صلة بأرواح البشر.
جمال يخوض امتحانات البكالوريا الفنّية هذا العام في اختصاص المحاسبة دون أدنى تحضير مسبق للمواد. أكثر من ذلك فجمال لم يحضر حصة دراسية واحد طوال السنوات الثلاث الخاصة بدراسته في المعهد الخاص القريب من منزله. كيف كان جمال ينجح إذاً ويرفّع إلى صفّ أعلى!!؟ ربما يعتبر سؤالاً غبياً بالنسبة لمن يعيش في لبنان ويعرف مثل هذه الأمور الخاصة بالمدارس والمعاهد من القطاع الخاص. لكنّا سنوضّح الأمور لمن يستغرب مثل هذه القضايا. كلّ ما في الأمر أنّ جمال كان يدفع لمدير المعهد القسط السنويّ الذي يبلغ ستمئة دولار أمريكيّ مقابل إدراج إسمه سنويّاً في اللوائح المقدّمة لوزارة التعليم المهني والتقني على أنّه ناجح. لكنّ الصدمة صادفها جمال في الإمتحانات التي لم يستطع فكّ رموزها؛ "طلاسم الله الوكيل!".
جمال يعمل في أحد مصانع الألومنيوم؛ "معلّم يعني" ويتقاضى مبلغاً يعتبر جيّداً بالنسبة لرواتب اللبنانيين في مختلف القطاعات؛ "200 دولار بالجمعة". فهو إذاً لا يهتمّ كثيراً بالشهادة لكنّ إصرار أهله ونصائحهم المتواصلة جعله يجرّب خوض الإمتحانات. وعلى الرغم من فشله منذ اليوم الأوّل فهو ينوي خوض الدورة الثانية؛ "لا شيء ورائي حتى لو قدمت خمس سنين ورا بعض" جمال أراح باله.
ربّما يتمنى بعض الطلاّب الذين يهيئون أنفسهم لدخول الجامعات عودة المرحلة الثانوية مجدّداً بعد دخولها كما يتمنى بعض المتخرجين الجامعيين عودة الحياة الجامعية بعد دخولهم وانخراطهم في سوق العمل أو في أزمة البطالة على حدّ سواء. فهي ليست سوى مسألة اعتياد على نمط المرحلة المنصرمة وتخوّف من مجاهل المرحلة المقبلة. لكنّ الطلاّب يجمعون على رهبة اللحظة التي يقدّمون فيها الإمتحانات وجمال اللحظة التي تذاع فيها أرقامهم الناجحة عبر الراديو. أمّا زهرة فلم تملك عيناها إلاّ أن تهطلا بدمعتين كبيرتين واحدة حزينة تنعى فيها إضاعتها فرصة النجاح في امتحان البكالوريا في الدورة الأولى بعد الحرب عام 1990، والدمعة الأخرى كانت دمعة فرح وفخر بابنتها الوحيدة الجميلة وهي تخوض امتحانها الرسمي الأوّل.
عل أمل النجاح للجميع..