أجوبة على أسئلة حول الدادائية
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
الأحد الماضي (9 تشرين الأول / اكتوبر)، أتصل بي الشاعر الصديق عبدالاله الصالحي طالبا مني أن اجيب على ثلاثة أسئلة حول الدادائية لينشرها مع مقاله للقدس العربي حول معرض الحركة الدادائيةالضخم المنعقد هذه الأيام في مركز جورج بومبيدو في باريس.أجبته... خلال ساعات. لكن لا مقاله ولا هذا الحوار الصغير ظهر في القدس العربي. هنا نص أسئلته ونص أجوبتي مع إذافة قصيدة تزارا:
* ما هو في نظرك الإنجاز الأساسي لحركة دادا على مستوى الكتابة؟
- تعتبر الدادائية أول حركة في التاريخ أنزلت الكتابة إلى الشارع، وأقول أول لأن كل الحركات الأدبية السابقة كانت تدور في صالات الأدب وصحفه كمعركة بين رؤى متضاربة. بينما الدادائية لم تأت لفرض رؤية وإنما عبر سياقها التاريخي الاحتجاجي على العقل، أرادت أن تبين أن تحقيق الفن لايتم إلا بتدميره وإشعال الفوضى في خلاياه.. وهكذا افسدت الدادائية وليمة كل دعاة الفن النفعيين. انجاز دادا الوحيد هو نزع الهالة من كل عمل إبداعي... ومن هنا وضع مارسيل دوشان "شوارب" لـ"موناليزا" (لوحة دافنشي) مبينا بأن لا قدسية لأي عمل. ويكفي ان تأخذ مبولة وتعنونها بـ"نافورة"،
* حركة دادا ولدت في بداية القرن الماضي وكانت جوابا على دمار الحروب. هل السياق الحالي بحروبه وأصولياته قد يساعد على إعادة انبعاثها؟
- كلا. لأن الدادائية جاءت نتيجة اصطدام العقل الغربي بتوقعاته المنطقية... أي لو لم يخطو العقل الغربي بخطوات جبارة على كل الأصعدة الحياتية والابداعية والاجتماعية خصوصا في القرن التاسع عشر، ممهدا لفرص مادية محضة وبالتالي متجاهلا مشاكل ميتافيزيقية عويصة، لما، ربما، كانت هناك حرب عالمية أولى.. وبالتالي لما كان هناك حركة اسمها دادائية. مجتمعنا العربي المعاصر للآن لم يعرف العقل، ولم يستطع ان يدخل التفكير الدنيوي.. كما أنه من الخطأ الاعتقاد بأن كل حرب يمكن ان تنتج احساسات دادائية، ولا سوريالية، وانما لكان هناك عالم آخر لا أحد يعرف ملامحه الآن. صحيح ان الحركة الدادائية ظهرت وكأنها احتجاج على الحرب، لكن هذا صحيح فقط مظهريا وسياقيا. إذ أنها نتيجة منطقية للعقل المنطقي الغربي الوضعي الذي كان سيد الموقف والتحليلات في مطلع القرن العشرين... الدادائية هي العقل في حال من الانفجار تجديدا للذات. والسوريالية هي تحقيق الدادائية باعادة الاعتبار لرؤيا الإنسان الجمالية.
طبعا يستطيع كل شاعر الاستفادة بطريقته الخاصة من الهدم الدادائي للتعبير... شرط أن لايجعلها نظاما ثابتا. لكن وصية الدادائيين أنفسهم واضحة: حتى تكون دادائيا حقيقيا اهجر الدادائية. وإلى عديمي الموهبة من العرب المنتشرين كـ"شعراء" وهم في الحقيقةليست في قدرتهم الكتابةوإنما فقط لطش عبارة من هنا وهناك وربطها واحدة بالأخرى... أقول اليهم طريقة دادائيةقد تسعف مخيلتهم القاحلة بانتاج شيء أفضل. الطريقة هذه اسمها "لكتابة قصيدة دادائية" كتبها مؤسس الدادائيةتريستان تزار:
خذ جريدةً
خذ مقصاً
اختر منها مقالاً له الطول الذي تنويه لقصيدتك!
اقتطع المقال
قُص باعتناء الكلمات التي يتألف منها المقال، ثم ضعها في كيس!
خضْه برفق
اخرجْ قصاصةً تلو قصاصة حسب ترتيب خروجها من الكيس
استنسخ بنزاهة!
ستشبهك القصيدة!
وها أنك كاتبٌ في منتهى الأصالة وذو حسّيّة ظريفة وإنْ لا تفهما العامة!
* هل نستطيع الحديث عن نماذج عربية استلهمت التراث الدادائي؟ وما هي درجة تأثير الدادائية على تجربتكَ السوريالية؟
-في جل قصيدة النثر العربية هناك شرارات توحي بكتابة دادائية... لكن هذا تأثير لما تبقى من رواسب دادائية في الشعر العالمي المعاصر. لم يكن للدادائية أي تأثير على تجربتي. رغم ان اول اصدار لي بالعربية (1973) كان أشبه ببيان دادائي ضد حرب اكتوبر انهيته، بعد ان اسقطت كل شيء، بعبارة "ولأسقط أنا." لقد جئت للسوريالية ليس كمذهبا ضد مذهب آخر، وإنما كروح تؤمن بحرية الإنسان المطلقة. السوريالية هي العقل الحالم، والحلم هنا كمفهوم مادي، إي له حصته الواقعية. وبما أن الدادائية باتت جرء من ماضي السوريالية، فان تأثيرها قد تجده موزعا بين ثنايا تجربتي الكتابية. لكن الدادائية كنقطة لن تُكرر خاصة بتطور العقل الغربي في فترة من فترات نموه، كانت أساسية على صعيد فك اللغة من كل أسر نحوي، اجتماعي وديني. وما السوريالية سوى التطبيق الحقيقي لهذه اللغة المحررة... وبفضل هذا النمو الدادائي للسوريالية، أصبح بامكان كل إنسان أن يكون شاعرا إذا عرف كيف يتخلص من قدسيات المجتمع وكتابه وكيف يتخذ مخيلته هو بوصلة. على كل حال يمكن ان تصير كل شيء لكن من المستحيل الادعاء بالدادائية منذ ان ظهرت الحركة السوريالية.