عالم الأدب

فلسطينبان في بينالي الشعر العالمي الثامن في فرنسا

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

وليد الشيخ ونجوان درويش في "قصائد لدرجاتها الأخيرة"

و"نساء مسنّات وطيبات من أقارب الجدة!"


افتتح في باريس، الأربعاء 17 / 11 / 2005 الماضي، بمشاركة الشاعرين الفلسطينيين وليد الشيخ ونجوان درويش، بينالي الشعر العالمي الثامن، والذي يستمر حتى أواخر تشرين الثاني الجاري، وتجري فعالياته في باريس وعدة مدن فرنسية أخرى. فيما خصصت للشاعرين الشيخ ودرويش، في البينالي الذي يشارك فيه شعراء من ايرلندا، وبريطانيا، وأيسلندا، وألمانيا، وفرنسا، وبولونيا، وروسيا، وفيتنام، وإيران وأفغانستان، ومن دول أمريكا اللاتينية، تسع قراءات تبدأ بحفل الافتتاح ليزور الشاعران بعد ذلك عدة مدن فرنسية، لتقديم بقية القراءات الشعرية. وكان الشاعران قد التقيا مدير البينالي الشاعر هنري ديلوي، في رام الله، قبل نحو عامين حين زار فلسطين ليعد ملفاً عن الشعر الفلسطيني، حيث اختار مجموعة من نصوصهما الشعرية لترجمتها إلى اللغة الفرنسية، وتم نشرها، لاحقاً، العام 2004، في العدد رقم 178 من مجلة "أكسيون بوتيك" Action Poétiqueالفرنسية الفصلية المتخصصة في الشعر -وهي واحدة من أعرق المجلات من نوعها- ضمن ملف خاص عن الشعر الفلسطيني، جاء تحت عنوان "فلسطين: الشعراء اليوم"، من ترجمة الفرنسيين جان-شارل ديبول وهنري دولوي والعربيين جلال الحكماوي وحسن تعبان.

وكان الشاعر هنري ديلوي قد نحا في اختياره النصوص للترجمة الفرنسية، الى تجنب الأسماء الجاهزة التي تتكرر في معظم الترجمات، في حرص على تقديم قصيدة تؤشر من خلال سماتها المختلفة، على الحساسية الجديدة في الشعر الفلسطيني الجديد.
ويعتبر ضيفا البينالي الفلسطينيان لدورة هذا العام، الشيخ ودرويش، من أبرز الاصوات الجديدة، التي تنطلق من مساحة الاختلاف عن مألوف الشعرية الفلسطينية، لتؤسس لحساسية تنفلت من المعايير التقليدية، ومن هيمنة المألوف الشعري، التقليدي والحداثي على حد سواء، من خلال تحرير الكتابة من قيود الافكار المسبقة، وصولاً إلى توظيف الذائقة الشخصية وهواجسها الانسانية والشعرية.
ويمثل الشاعران، كذلك، تجربتين مختلفتين في السياق نفسه. من حيث الذائقة واللغة والبنية الشعرية، ومن حيث استيعاب المنجز الشعري، وإن كان كلاهما ينطلق من قدرات لافتة في القراءة الشعرية؛ ففي حين يحافظ الشيخ على خصوصية نصه، يجنح إلى التقاط أفضل ما في المخزون الشعري الفلسطيني والعربي.. بل والعالمي، ويرسل قصيدته المكتوبة بهواجس الحب والنفَس العشقي الذي لا تغيب عنه الايروتيكا -في الغالب- في خطاب يتجه إلى امرأة مضمرة (محبوبة، أم.. الخ)، فإن خصوصية نص درويش، تتعزز بميله النقدي (المرِح) تجاه الواقع والأدب -ومنه الشعر- وهو ما يضخ في قصيدته دفقا من السخرية السوداء اللاذعة، ويجعل من نصه الشعري مفتوحاً على قائمة واسعة من الالتقاطات.
ويلفت النظر في كتابة الشاعرين، بعض ضروب المغايرة في التقاطاتهما (وبالتالي، حساسيتهما الخاصة)، التي لا تمايزهما عن الأصوات الشعرية الفلسطينية الأخرى فقط، بل وتحقق هذا التمايز في السياق العربي الشامل؛ وهنا، يستدعي الانتباه ما يقدمه وليد الشيخ، في قصيدته القصيرة "ملاحظة"، من حيث تناوله المختلف لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، التي استدعت من الشعراء العرب مدونات كثيرة وطويلة. فهو، بعفوية التجربة الخاصة وببساطتها، يختزل موقفاً عاماً، منطلقا في تناوله للأحداث المهولة، من محليته وهمه اليومي الخاص، بعيدا عما عهدناه، في أدب هذه المناسبة، من استدعاء للغرب ومفرداته الثقافية، ودون تكبد عناء محاولات لا طائل منها للتعبير المعقد المسترسل المفتعل، عن الحدث الكوني. فيقيم نصا بسيطا، ينفتح على الحدث، ولا يصادر على مهمات حقول ثقافية أخرى بتأويله وتحليله وإعلان موقف منه، قد لا يكون خفيف الوطأة على القصيدة.

وبالمقابل، فإن نص نجوان درويش يسير بثقة بين قائمة من "الأغراض" التي يتناولها، معتمداً على قوة نبرته الخاصة؛ فهو لا يحاذر شيئاً على وجه الخصوص، ولا يتوجس خيفة على شعريته من موضوعة بعينها، متسلحاً بطمأنينة الذائقة الإبداعية، القادرة على هضم "الموضوع" وإعادة إنتاج، شعرياً، مع الاحتفاظ بإيحاءاته التي تضرب في أكثر من اتجاه، وإخراجه خالياً من أية مدخلات غير شعرية؛ ومنطلقاً، في الأثناء، نحو تأسيس مشهدية خاصة قائمة على مخاطبة مفتوحة، تذهب باتجاهات مختلفة.
وتمثل دعوة الشاعرين، إلى بينالي الشعر العالمي الثامن، الذي يعد واحداً من أهم المهرجانات الشعرية الأوروبية، استجابةً للتحول في المشهد الشعري الفلسطيني، خلال العقود الأخيرة، والذي يعبر عنه بروز حضور الداخل الإبداعي الفلسطيني، في تمثيل نفسه خارجياً، بعدما كان هذا التمثيل مهمة موكولة بالانابة لـ"الخارج الفلسطيني"، وإذا كانت هذه قضية فلسطينية "حساسة"، فإنها -وهذا الأهم- بتقاطعها مع التعبير الابرز عن التحول الذي طرأ على الأدب الفلسطيني، والذي يحدد بتراجع زخم ما كان يسمى بأدب المقاومة، وتحرر الادب من الشحنة السياسة والوطنية، تمثل اشارة ثقافية واجبة القراءة. فالتحول المشار اليه يكمن في إلتمام شمل المشهد الثقافي الفلسطيني، في بيئة واحدة، وعلى أرضية واقع واحد، هو الواقع الفلسطيني نفسه، انطلاقاً من ذوات ابداعية متعددة، لا من موقف سياسي واحد، وبموجبه. وهو ما يحمل في ذاته التعبير عن التحول من مكابدة الحلم والايمان به في تعبيراته السياسية، إلى مواجهة الواقع الفلسطيني اليومي والانساني، من خلال تعبيراته الإبداعية والشعرية.
هذا بالطبع، رأي لا يذهب إلى إنكار الحضور الإبداعي في الداخل الفلسطيني، قبل الآن، ولكنه يذكر بأن هذا الحضور كان يأخذ شكل الهامش، وموقع الطرف على ضفاف المركز الذي كان يمثله المشهد الإبداعي الفلسطيني في الخارج، ويلحظ إن مشهد الداخل انتزع شرعيته نهائياً، كمركز وكموقع الثقل الرئيس في المشهد الإبداعي والثقافي الفلسطيني.
وقد يكون حضور الداخل الفلسطيني المتزايد في تمثيله لنفسه، أخذ زخما أكبر مع عودة الشاعر الفلسطيني محمود درويش إلى الداخل، وإقامته (ولو أنها متقطعة) في رام الله. إلا إنه من المؤكد إن عودة درويش تحمل في طياتها استجابة مبكرة لهذا الواقع، ومثلت على المستوى الرمزي، على الأقل، إقراراً بالإعلان الذي ساقه الواقع، حول اكتمال التشكل العياني للمشهد الثقافي الفلسطيني في الداخل، ومركزيته بالنسبة للثقافة الفلسطينية، وحول أحقية هذا الداخل بتمثيل نفسه، لا في المؤتمرات والمهرجانات وحسب، وإنما شعرياً وابداعياً.
والاشارة اللافتة في هذه المشاركة، هي المكانة والدور اللذين يحظى بهما الشعر في سياق توفير الحضور الدولي لمبدعي الداخل الفلسطيني، وهو حضور لا يعدله، اليوم، إلا الحضور الذي تؤمنه الفنون البصرية الحديثة، رغم إن حال الشعر عربياً، وربما على المستوى العالمي، هي على خلاف ذلك. ولعل في ذلك ما يكفي من الاسباب الداعية للتفاؤل، فأقله إن الجيل الجديد في الشعر الفلسطيني تتاح له فرصة، يتحول معها شكل الانفتاح على العالم من مجرد التلقي إلى التفاعل الحيّ، وهو ما قد يؤسس لعقلية إبداعية لا تركن إلى الصمت بانتظار الاكتشاف ولفت النظر، وإنما تنتقل إلى اقتحام المشهد الشعري في العالم، بصورة وهيئتها الأصلية المحلية، ودون الحاجة إلى إعادة تمظهر تتوسل جذب انتباه الآخر. وهذا ما يحتاجه جيل كامل من المبدعين العرب، لا الفلسطينيين وحدهم.
وفي سياق واقع الشتات الداخلي، تجدر الاشارة إلى أن ضيفي البينالي، هما من شعراء الضفة الغربية، فالشاعر وليد الشيخ من مواليد عام 1968، في بيت لحم، وصدر له ديوانان شعريان، هما: "حيث لا شجر" – 1999، و"الضحك متروك على المصاطب" – 2003، بالإضافة إلى كتاب "ضيوف النار الدائمون" – 1999، بالاشتراك مع شعراء آخرين. أما الشاعر نجوان درويش، فهو من مواليد القدس عام 1978، وقد صدرت له مجموعة شعرية بعنوان: "كان يدق الباب الأخير"، في العام 2000.
قدم الشاعران –وليد الشيخ ونجوان درويش- في أيام البينالي، وفي مدنه الفرنسية، من خلال تسع قراءات شعرية، نماذج متعددة من نصوصهما، التي تختزل من جهة تجربتيهما الشعرية، وتضيء من جانب آخر على جوانب من الحساسية الجديدة في الشعر الفلسطيني المعاصر. وبذلك، قد يكون جمهور الشعر الفرنسي، قد حظي بما لم يحظ بمثله جمهور الشعر العربي. وهو الأمر الذي تحاوله هذه المختارات الشعرية المرفقة للشاعرين، والتي تجيء تحت عنوانين رئيسين، ارتأينا تثبيتهما، هما: "ابتهالات لدرجاتها الأخيرة!" لوليد الشيخ، و"نساء مسنّات وطيبات من أقارب الجدة!" لنجوان درويش.


ابتهالات لدرجاتها الأخيرة!

قصائد للشاعر وليد الشيخ

ملاحظـــة

لم أنتبه جيدا في 11 سبتمبر
كانت أمي في المستشفى
تتكئ على الدرجات الأخيرة
في حرب صغيرة
مع السرطان.

غيــــاب

حين تذهبين
احتاج مسـاءات طويلة
لأرتب انفلات الكون
وأعيد الزمن لميقاته
الحكمة لابتهاجها بالطيش.

أشـياء عاطفية

الملاءة زرقاء سماوية
يداك وسادتان
رأسي فوضى محطات القطار
وأنا
لاجئ الوقت لا الأرصفة.

2
أبحث عن إجابة
في ممرَّات الروح
وضلالة الرؤى
خلف أوهامٍ زاهية الاحتمالات
ومقطوعة الأصابع.


3
أُحبك،
وحقوق البوح والاستعارة
محفوظة
على مسامات الجسد.


4
تهرب سنوات العشرين
كالأرانب
تاركة أعشاباً حمقاء
لرغبات مؤجلة
لن
تجيء.

أمِّـــي

كدت أعتاد غيابك
واقفة على الدرجات
تصلِّين من أجلي
وأبتسم لأجلك.

نساء مسنّات وطيبات من أقارب الجدة!

قصائد للشاعر نجوان درويش

تعايـش
نحن والصراصير ورثنا بيت الجدة معاً!
لنا البيت في النهار ولهم في أواخر الليل حينما تطفأ الأضواء.
في الماضي كنت حين أستيقظ قبل طلوع الفجر، وأجدهم يتجولون بين الحمام والمطبخ، أبدأ معارك إبادة بشعة بحقهم -(كان هذا في الماضي).
أما اليوم، فقد أقنعت نفسي أن الصراصير هم شركاؤنا في البيت، وأن هذه الكائنات التي تسرح في الليل بين المطبخ والحمام، هن نساء مسنّات وطيبات من أقارب الجدة

قصيدة عبرية في زمن "الجدار"!
هذا سلامُ الحراذين على الثعالب؛ غير قابلٍ للتنقيح طبعاً!
دمكم أرخصُ من الماء بكثير وذكرياتكم
ريشٌ في مهبّ واقعنا
صيفكم لاغٍ وهواؤكم ملغوم,
كما أنه ليس لكم حصة في الشّتاء- سنرسل لكم غيمةً ناشفة الضُروع إذا جلستم منصتين لترّهات القناصل العور (كل قنصلٍ في الشرق أعورٌ دجّال)
-بينما نحن نشقّ أقدامكم ونصنع لكم حراشف !-

من يُضبَط معه أي نوع من الأمل أو العتاد اللغوي
سيعدم دون محاكمة
وستغتصب ذكرياته وفقاً للقانون!

سلّموا أحلامكم تسلموا
وقد لا تسلمون أبداً
فالأمر راجع لنا ولأهوائنا المتقلّبات ... !

ممنوع التجول في الخيال, حتى إشعار آخر
وقد لا نشعركم
(في الحقيقة نتسلى بمشاهدة الوقت؛ يكسد في حوانيتكم, نتسلى ونحن نراكم تشتمون الأفق وتكرهون زوجاتكم )

من قال أننا فاشيون ونحن نعذبكم بكل هذه الرحمة
ونطيل احتضاركَم بكلّ ما أوتينا من شراسة الحواس...

آه ما أكثر الإشاعات!


التوقيع:
شعراء الاحتلال.

أوبرا إلى كمال بُلاطه

لو كنتُ موسيقياً من أولئك الذين يلحنون أوبرات ايطالية ضخمة
حيث النوتات مثل قباقيب تهوي على المشاعر
مشاعر المتوسطين من أمثالنا بالذات؛
لصنعتُ واحدة وأهديتها لك
لكن وأسفي لا أملك سوى هذه الكلمات النّشاز!

العازف الآخر

[إلى كلود]

لولا أن كلود زاره واستل الكمان وبقي يعزف له حتى الفجر
لكان قتل نفسه، ذلك العازف الآخر الذي قطعوا له يديه.
العازف الآخر الذي لم يعد عازفاً لولا أن كلود..
باعه الوهم.
غشّه تماماً.
خدّره.
أوهمه أنه هو من يعزف هذه المقطوعات العظيمة التي يظن المفسرون أن موسيقاها تتعدى الشرق والغرب.
في كل ليلة كان العازف ينتظر كلود ليسترد يديه المقطوعتين...

في ذلك الفجر سمعتُ الأشجار والندى واشراقة الصبح.. كلّها تشكر كلود
قالت له: لقد حفظت للوجود عازف كمان سيحفظنا -نحن وإياك يا كلود- في هذه القصيدة.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف