جديد زكريا تامر: عالم من اسئلة الاطفال والفلاسفة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
بيروت من جورج جحا:عمل الكاتب السوري الكبير زكريا تامر الجديد "القنفذ" وصف بانه قصة وبدا أقرب الى عالم غرائبي يفيض باسئلة واجوبة يطرحها الاطفال والفلاسفة والمتصوفون وجاء احيانا في خيال شعري على غرار عالم بعض افلام وولت ديزني واقرانه. وصف كتاب تامر على غلافه بانه "قصة" وفي مكان اخر بانه قصص قصيرة. وقد يكون الوصفان متكاملين اذا نظرنا من زاويتين مختلفتين.. فكل عنوان يبدو كأنه حكاية ومجموع الحكايات قد يوحي بانه ينسج قصة متكاملة اطلت فصولها من خلال 22 عنوانا او "وجها" هي عناوينها الموحية بغرابة شعرية في الغالب.
ولعل القصة الاولى أو الفصل الاول الذي حمل عنوانا هو "صديقتي التي لا ترى" اقرب الى تصوير روح معظم الفصول الاخرى وبعض نسيجها المادي احيانا. انه عالم وحدة متكاملة.. عالم الاطفال وبعض الكبار من الفلاسفة والمتصوفة. اما الكبار الذين يجتازون "الحدود" ليروا في الجماد حياة يتفاعلون معها فهم كما يصفهم "العاديون" اما مجانين او فلاسفة او مزيج من الاثنين. لكن الاطفال وحدهم يجتازون هذه الحدود لانهم اطفال ولعلهم بذلك يرون ما لا يرى. هنا تشارك الطفل في بيته جنية صغيرة. كل ما في البيت حي ينطق ويسمع ويحاور. تركت الام الطفل وحيدا في البيت وذهبت في زيارة. "قلت لقطتي اني سأشنقها فلم تبال بي وتابعت تنظيف شعرها بلسانها. وقلت لشجرة النارنج المنتصبة في حوضها الترابي اني سأحضر فأسا وأقطعها فلم تصفر اوراقها رعبا. وقلت للحائط اني سأنطحه برأسي نطحة تهدمه فضحك ساخرا من تهديدي وقال لي متحديا.. هيا جرب وستكسر رأسك وتندم." ويضيف قائلا "وخيل الي ان شخصا يحوص في الغرف العلوية فقلت لنفسي مشجعا ان الهواء هو الذي يحرك شباكا مفتوحا ولكني تنبهت انه لا وجود لاي هواء في تلك اللحظات قادر على تحريك ورقة صغيرة من اوراق الشجر وصحت بصوت خشن ممطوط وانا اقف في باحة البيت متطلعا الى اعلى.. من فوق.. ففوجئت بسماع ضحكة مرحة بالقرب مني وتطلعت فلم ار احدا وقلت متسائلا.. من يضحك.."
انه عالم حي اذن. لكن الام لا تصدق ما يرى الطفل. وهل صدق "جماعة الكهف" عند افلاطون رواية رفيقهم الذي "رأى" ما في الخارج بعد ان اتيح له الخروج من عالم الظلام والاخيلة الى ضوء الشمس وعاد اليهم ليخبرهم. لقد اعتبروه مجنونا. يقول "وعندما عادت امي الى البيت وجدتني قاعدا على الارض احكي وحدي واضحك فقالت لي.. بسم الله على عقلك.. اجننت حتى تحكي وحدك.." وفي النهاية نجده يصنف نفسه في عداد ما يشبه عالم "المخطوفين". وبعد ان ابلغته الجنية الصغيرة الجميلة انها تنام في غرفته دون ان يراها يخبرنا قائلا "ولم اعد انام في غرفتي وسط السرير كعادتي وصرت انام على قسمه الايمن تاركا القسم الايسر منه فارغا حتى يستطيع الراغب في النوم ان ينام براحة تغريه بتكرار النوم في ليال اخرى."
وقد صدر الكتاب في 80 صفحة متوسطة القطع عن دار رياض الريس للكتب والنشر في بيروت. وفي "النيام" عالم نائم لكنه عالم حي. الاشجار الخمس في البستان نائمة. كل شيء ينام بطريقته وشجرة النارنج "نائمة ولا بد من انها مختلفة عنا تنام وينام قلبها... الماء في الانابيب نائم ايضا وسيفيق من نومه اذا ادرت يد الحنفية التي تسجنه ولكنني حذرت بشدة الا العب بالماء." ويبدو بالنسبة اليه ان العصافير وحدها لا تنام "العصافير هي وحدها المستيقظة.. تطير من شجرة الى شجرة ولا يصدر عنها اي صوت ولكن الشمس حين تبدأ بالمغيب تتخلى العصافير عن كسلها وتغرد كأنها تودع الشمس او ترحب بالليل الذي سيأتي."
وفي "الذين يتكلمون" طفولة سريالية غرائبية ويبدو فيها كأن كل شيء اخرج وصور على طريقة بعض شخصيات وولت ديزني واقرانه. "ازداد ضحك الجارات وأمرتني امي بأن اخرس وألا اقاطع الكبار وهم يتحدثون... فزعلت وطوحت بكرتي بأقصى ما املك من قوة فطارت الكرة الى اعلى ولم تنزل ولم اعثر عليها على الرغم من اني طرقت كل ابواب بيوت الجيران سائلا عنها. واقتنعت بعد حين ان غرابا لا يكلمني حين اكلمه هو الذي اختطف كرتي وأعطاها لابنه.
"ولما حكيت لامي ما جرى ابتسمت وقالت لي.. من حق الغربان الصغيرة ان تلعب ايضا بالكرة. فلم اوافق على رأيها وظللت اطارد الغربان بالحجارة وارغمها على النعيب الغاضب."
اما في "الفخ" فهنالك.. وبخبث الكبار وان ادعى الطفولة تصوير لازدواجية المفاهيم و المبادىء. أم الولد تحثه على عدم التدخل فيما لا يعنيه والتنصت على الاخرين لكن.. "لم تغضب امي عندما ضبطتني بعد ايام اتنصت على جدي يحدث جدتي عن وصيته الاخيرة وما تحويه وسألتني بالحاح وبصمت هامس عما سمعته."
في العنوان الاخير وهو "سألت" اسئلة عديدة تبدو ختاما رماديا الى حد ما وفي الوقت ذاته ردودا على هذه الاسئلة بمرارة وسخرية. وفي مرور سريع وجارح للزمن وتحول الاحلام الى رماد لحريق طويل معتق نقرأ "سألت قطا عما اذا كان يتذكر قطتي البيضاء الجميلة التي ماتت بعد مرض مفاجيء فنظر القط الي باحتقار ولم يفه بكلمة... بحثت عن قميصي الازرق وسألت زوجتي عنه فقالت انها وجدت ياقته مهترئة ورمته في الزبالة... ورغبت وأنا أتامل عينيها السوداوين ووجهها الابيض المتعب في ان اسالها عن حبها لي ولكنني فضلت ان اظل ساكتا... وسألت ابني الصغير عما يفعل فقال لي انه يرسم قرية صغيرة لا يعيش فيها الا القطط والطيور والشجر فربت براحتي على راسه مشجعا ونويت ان اقلده وسأرسم مدينة ليس فيها حي وشوارعها وبيوتها جبال رماد."