فكر برنارد لويس: جدلية التأريخ والسياسة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يستمد الحديث عن برنارد لويس أهميته من سببين إثنين، أولهما إهتمامه الشديد بدراسة المراحل التاريخية والحقب السياسية بل وحتى الظواهر الإجتماعية التي عرفتها بعض مناطق العالم الإسلامي، خاصة تركيا وأفغانستان-حيث عاش- وإيران وإلى حد ما منطقتنا العربية. ثانيهما ما يحظى به هذا الرجل من مكانة و حظوة سواء في الدوائر الأكاديمية المهتمة بما جرى ويجري في "ديار الإسلام"، وهي مكانة لا تقل عن نظيرتها التي يحظى بها لدى أصحاب القرار السياسي الأمريكيين بحكم ما يوفره من غطاء فكري وأكاديمي في شكل "مشورة" أو"نصيحة" كلما تعلق الأمر بالطريقة المثلى – حسب رأيه - الواجب إتباعها أميركيا للتعاطي مع العرب والمسلمين. وذلك ضمن تقليد عريق مارسته، ولا زالت، مؤسسات الإستشراق الغربي بشقيه الأوروبي سابقا والأميركي لاحقا.
وحتى لا يبدو الحديث عن دور المستشرقين مؤسسات وأفرادا وكأنه تنطع غير متزن أو كرد فعل عاطفي ذي طابع إنشائي يفتقد إلى الموضوعية والتأمل العقلاني النزيه. بل وأيضا حتى لا يتم وصف أي محاولة للتعاطي مع هذا الموضوع شديد الحساسية والأهمية بأنه يندرج إما في خانة المؤيدين أو المعارضين لما يتوصل إليه هؤلاء المستشرقون من أحكام قيمة جامعة مانعة لا تشوبها أية شائبة لا من حيث الغايات ولا من حيث الأسلوب و لامن حيث الأهداف- الخفي منها والباطن- هذا إذا نحينا جانبا التعاطي مع مبهم النوايا وغامض الإفتراضات. إذا، وتجنبا للتعميم، وإختصارا للوقت والجهد، ما يهمنا هنا هو شخص كرس أكثر من نصف قرن في الدراسة والبحث والتنقيب والتحليل لأهم المراحل التاريخية والسياسية التي عاشتها "المجتمعات الإسلامية". لذا، وتوخيا للحذر ليكن طريقنا للتعرف على هذا الرجل عبر ما كتبه منذ 1950 إلى الآن. ماذا كتب عنا هذا المستشرق، بمعنى، من أي منطلق وبأي أسلوب. لكن، أولا، لنتعرف إليه. من هو برنارد لويس هذا يا ترى؟
ولد برنارد لويس في 31 أيار/مايو1916 في إنجلترا، تخرج من جامعة لندن سنة 1936، قسم الدراسات الشرقية والإفريقية. بعدها حصل على شهادة الدراسات العليا في الدراسات السامية من جامعة باريس، فرنسا، ثم عاد إلى جامعة لندن ليحصل على الدكتوراه في الدراسات الإسلامية سنة 1939. بعد ذلك ( 1940- 1945) إنخرط في القوات المسلحة الملكية، فرع الإستخبارات الخارجية. بعدها عاد للتدريس في جامعة لندن حتى وصل سن التقاعد. وفي سنة 1974 إستدعته جامعة برانستون الأميركية، وفي سنة 1982 حصل على الجنسية الأميركية، مطلق وله إبن وبنت. بالرغم من محدودية أهميتها، هذه بإختصار موجز أهم مراحل سيرة برنارد لويس الذاتية. ما يهمنا هنا هي كتاباته التي بدأها باكرا( في سن الواحد والعشرين) والتي، بحكم ضيق المجال، سوف نقتصر على عرض أهمها، وتاريخ نشرها، والتعريف بها بإيجاز.
عندما نشرت مخطوطة "أصول الإسماعيلية"(1) باكورة أعمال لويس، سنة 1937، كانت مراكز البحوث والجامعات الغربية تشهد إنبعاث ما سمي فيما بعد بالجيل الثاني من المستشرقين مثل(Louis Massignon) و(Jean Sauvaget) و(H.A.R. Gibb) و(Joseph Schacht) ممن درسوا وحللوا الظواهر السياسية والإجتماعية والفكرية للمجتمعات الإسلامية. في الحقيقة كانت أعمال هؤلاء، وغيرهم، متأثرة إلى حد ما بأعمال الرعيل الأول من المستشرقين الذين نشرت كتاباتهم فيما بين 1880 وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى (1918). كانت كتابات الجيل الأول، على أهميتها، قد ركزت على دراسة الجوانب الثقافية والدينية في تفسيراتهم لكبرى المراحل التي مرت بها مختلف المجتمعات الإسلامية مولين بذلك أهمية قصوى للأحداث السياسية على غيرها من نواحي المجتمع (موضوع البحث) كالتراكيب الهيكلية للبنى الإجتماعية والقيم السائدة آنئذ.صحيح أن الجيل الجديد من المستشرقين، ولويس أحدهم، حافظ على أساليب بحث ومناهج و ميادين إهتمام سابقيهم، إلا أنهم إختلفوا عنهم بتوسيع دائرة إهتماماتهم على المستويين الأفقي والعمودي. أي أنهم لم يحصروا نطاق بحوثهم بتاريخ أوروبا وأميركا الشمالية باعتبار أن تاريخ الحضارات الآسيوية والإفريقية غير قابل للدراسة وبالتالي الفهم.قبيل منتصف القرن الماضي توصل معظم المؤرخين الغربيين إلى قناعة مفادها أن أية محاولة لفهم السيرورة التاريخية للبشرية ستكون قاصرة إن لم تتناول بالبحث والدراسة خصائص وتراكيب باقي المجتمعات-والمسلمين أحدهم- التي تشكل ثلثي البشرية. من هنا تولدت الرغبة في إخراج الدراسات الإسلامية من الدائرة الإكزوتيكية باعتبار أن تلك الدراسات الإستشراقية، شأنها في ذلك شأن أي علم آخر، كالتاريخ الأوروبي مثلا، قابلة ليس فقط للتفسير العلمي بل وأيضا للبحث عن المكونات والخصائص الذاتية القابعة في عمق الثقافة والمجتمع الإسلاميين منذ ظهور الإسلام وحتى اليوم. هذه هي الخانة التي يمكن إدراج معظم كتابات برنارد لويس ضمنها.
المخطوطات العثمانية:
سنة 1949 تم إستدعاء لويس من قبل السلطات التركية للإطلاع على أرشيف المخطوطات العثمانية في إستنبول، التي فتحت للباحثين والمؤرخين الغربيين مما شكل فرصة نادرة لهم للإطلاع والكشف عن خصائص المجتمع الإسلامي في العصر الوسيط. هنا تجدر الإشارة إلى أن كلا المؤرخين (بفتح الخاء) التركيين عمر لطفي برقان وخليل (هليل) إينالجيق، كانا قد بدآ باطلاع الغرب على محتويات تلك المخطوطات مباشرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، إلا أن مجهوداتهما لا تقارن بما قام به لويس، الذي، نشر مخطوطته الثانية "العرب عبر التاريخ"(2) بعد مرور سنة واحدة على قدومه إلى إستنبول. وبعد ما يزيد عن العقد، في سنة 1961 تناول لويس في كتابه "نشأة تركيا المعاصرة"(3) محاولات الإصلاح الإداري والسياسي والعسكري التي قام بها الأتراك، شارحا كيف أن المراحل التأسيسية الأولى لدولة "شرق أوسطية" لم تلعب تدخلات الأوروبيين أي دور فيها، وكيف أن ذلك كان عبارة عن نتيجة مباشرة للعديد من التحولات الداخلية التي أدت في النهاية إلى بعث دولة بالمعنى الحديث للكلمة، أي كيان يتمتع بمواصفات الدولة-الأمة طبقا للمعايير الغربية المعاصرة. هنا يمكن إعتبار مخطوطة "إستنبول وحضارة الإمبراطورية العثمانية"(4) ، نشر سنة 1963، كتكملة للموضوع نفسه. ومنذ منتصف ستينات القرن الماضي، خصص لويس معظم كتاباته لتحليل مكونات وتراكيب ما أسماه "بالشرق الأوسط المعاصر" وفهمها متسلحا بما توفر لديه من مواد تاريخية ووثائق الأرشيف العثماني في إستنبول. ضمن هذا السياق جاءت مخطوطته "الشرق الأوسط والغرب"(5) التي نشرت أول مرة سنة 1964، وتمت مراجعتها كي تنشر بعد مرور ثلاثين سنة مرة أخرى، سنة 1994، تحت عنوان" تشكيل الشرق الأوسط". وبعد ذلك بثلاث سنوات، أي سنة 1967، نشرت مخطوطته"الحشاشون"(6) ، تناول فيها نشأتهم الفكرية وكيف تمكنوا من تأسيس دولة خاصة بهم إمتدت من إيران شرقا حتى منطقة الساحل السوري غربا. والتي إستمرت منذ القرن الحادي عشر حتى القرن الثاني عشر ميلادي وكيف تم القضاء على دولتهم تلك على أيدي قوات هولاكو حين غزت المنطقة، والظروف والملابسات التي أحاطت بأشهر قادتهم؛ راشد بن سنان والحسن بن الصباح بن علي الإسماعيلي(1037 ـ 1124). وفي بداية السبعينات أشرف على تدقيق مجلدين خاصين بالتاريخ الإسلامي أصدرتهما جامعة كامبردج(7) ، صحبة باحثين آخرين في التاريخ الإسلامي هما (Peter Malcolm Holt) و(Ann K.S. Lambton). وبعد ذلك بعام واحد، سنة 1971، أصدر "العرق واللون في الإسلام"(8) الذي أعيد نشره مرة أخرى سنة 1990، ولكن تحت عنوان" العرق والعبودية في الشرق الأوسط". وفي 1975 صدر له كتاب " الإسلام عبر التاريخ"(9) ، أعيد نشره سنة 1993 تحت نفس العنوان. في 1982 صدر له "إكتشاف المسلمين لأوروبا"(10) ، وفي 1984، تبعه كتاب "اليهود في الإسلام"(11) ، وفي 1986 أصدر كتابه"الساميون والمعادون للسامية"(12) ، ثم تبعه سنة 1988، كتاب "اللغة السياسية في الإسلام"(13) وكتاب "الإسلام والغرب"(14) ، وفي سنة 1995 صدر كتابه "الشرق الأوسط"(15) ، هذا بالإضافة طبعا إلى كتابيه الأخيرين الأكثر شهرة -بسبب هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001- وهما "أين الخلل؟"(16) صدر مباشرة إثر هجمات 11 سبتمبر، و"أزمة الإسلام"(17) صدر سنة 2003. وأخيرا "من بابل إلى دراغومانز"(18) .
في الحقيقة تعتبر أغلب، وليس كل، الكتب المشار إليها أعلاه إما عبارة عن مقالات أو محاضرات نشرت أو ألقيت ثم تم جمعها ونشرها مرة أخرى في شكل كتاب. هذا بالإضافة إلى العشرات من المقالات الأخرى التي نشرتها له، منفردة، كبرى الصحف والمجلات الأميركية والأوروبية على مدار العقود الستة الأخيرة والتي لا يمكن تغطيتها كلها هنا، إلا أننا سنعرج على بعضها حسب أهمية ما ورد فيها.
طبعا، لا يختلف إثنان على أن برنارد لويس يمتلك مقومات المثقف/الإنتلجنسيا بالمعنى التقليدي للكلمة؛ أي الإمساك بناصية اللغة (أو اللغات) بما في ذلك علم اللسانيات العامةLinguistics)) و علم اللسانيات التطبيقية Applied Linguistics)) والإلمام بالتاريخ منهجا ومحتوى، خاصة سوسيولوجيا التاريخ والإدراك الفلسفي للأمور من مختلف الزوايا والأبعاد. وعندما نقول هذا فإننا نكون حكما قد إستبعدنا شبهة الخطأ (الذي يفترض حسن النية حتى يسمى خطأ)، وبالتالي فإن برنارد لويس هذا يدرك تمام الإدراك ماذا يقول ويكتب وماذا يقصد بما قاله وكتبه مما يستدعي بالضرورة إضفاء صفة العمد على أقواله وأفعاله/كتاباته. أما مبهم نياته وغامض نواياه مما كتب ومما قال ومما توصل إليه من "أحكام"، فهو أمر متروك أولا وأخيرا لذكاء القارىء أو المتلقي، ولحكم المنطق والعقل لا غير.
ربما يعود الجدل الدائر حول هذا الرجل إلى حقيقة كونه لم يسبق أن أقدم أي مستشرق أو مؤرخ أو مفكر أن ينزل من برج الدراسات والبحوث ويغمس أصابعه الأكاديمية في أوحال السياسة وطيونها بالشكل الذي أقدم عليه المستشرق برنارد لويس. خاصة إذا تعلقت هذه السياسة بمواقف وطريقة تعامل قوة كونية جبارة بحجم الولايات المتحدة الأميركية مع ما جرى ويجري من أحداث ووقائع في أعقد وأخطر منطقة في عالم اليوم- منطقة الشرق الأوسط. لذلك يصعب الحديث عن النزاهة والحيادية والموضوعية بل والدقة والأمانة العلمية، وهي صفات ضرورية بل وملازمة لأي عمل أكاديمي عامة والتاريخي(دراسة التاريخ) خاصة. ليس من المستغرب أن ينبري منتقدو لويس من الأكاديميين والمستشرقين إلى الإشارة إلى هذه النقطة الحساسة؛ أي صعوبة، إن لم نقل إستحالة، الحفاظ على صفة الإتزان والحياد المفترضة في المؤرخ، في حال إقدام هذا الأخير على إتخاذ مواقف مساندة لطرف دون آخر في صراع مرير ودموي كالصراع الدائر في منطقتنا حاليا. ومن جهة أخرى نجد أن مؤيديه ومريديه وأتباعه يقارعون ذلك وحجتهم أن برنارد لويس يمتلك من الاطلاع والمعرفة بتاريخ المنطقة وله من التجربة والخبرة الميدانية والعلمية ما يكفي أن يكون حجة بذاته وفي ذاته. وبالنتيجة فأي موقف يتخذه هذا المستشرق إنما هو، بالضرورة، صحيح غير قابل لا للشك ولا للتأويل أو المراجعة. ويستند المدافعون عن لويس إلى حجة تبدو للناظر وكأنها سليمة ومقنعة إلى حد ما، وهي هذا الحجم الهائل من الكتب والمقالات والدراسات التي أنتجها برنارد لويس على مدار الستين سنة الأخيرة، بشكل جعل كتاباته وكأنها مراجع لمن يود "الإطلاع" على أمر ما متعلق بالمسلمين أو بالعرب.
صحيح أن لويس سار على خطى سابقيه من المستشرقين الأوائل القائمة على مرتكز فقه اللغة(philology) والدين والحياة الثقافية للمجتمع موضوع الدراسة. إلا أنه أضاف إليهم من حيث المحتوى بأن شملت أبحاثه موضوعات تعلقت بالأقليات العرقية والدينية ومنتحلي مختلف المذاهب والملل(على طريقة أبو الفتح محمد بن عبدالكريم الشهرستاني) كالرقيق واليهود ممن عاشوا بين ظهراني المسلمين. وهذا ما ميز أعمال لويس عن بعض المستشرقين بإعتباره ساهم بشكل فعال في إخراج موضوعات الإستشراق من حيز القصور والبلاطات والجوامع إلى رحب أوسع لتشمل مختلف نواحي ومكونات المجتمع الإسلامي. يعتبره البعض بأنه، من بعد المستشرق الفرنسي كلود كاهن(19) (Claude Cahen)، الذي يعد أول من طبق النظريات الإقتصادية الحديثة ونظريات التاريخ الإجتماعي على موضوعات أبحاثه؛ المجتمعات الإسلامية.وهذه إضافات مهمة لو أن تجربة لويس لم تقتصر على إستنبول، على أهميتها، وأن مصادره لم تقتصر على أرشيف المخطوطات العثمانية، على ثراها. فلا استنبول الكمالية ولا أرشيف المخطوطات العثمانية ولا الذكاء الخارق،المفترض، لأي مستشرق سوف يغني عما توفره مكتبات القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد وطهران من مصادر للبحث والتنقيب والإطلاع وبالتالي فهم وتحليل مكونات وخصائص الذاتية لما أصطلح على تسميته بالشرق الأوسط.
عندما سمحت السلطات التركية لبرنارد لويس بالإطلاع على محتوى ما لديها من وثائق ومخطوطات خاصة بالإمبراطورية العثمانية، سنة 1949. حينها كانت، ولا زالت، تركيا قد خلعت عنها ثوب الخلافة، وألغت إستعمال الأحرف العربية، كإحدى خاصيات الدولة القومية الكمالية العلمانية التركية الحديثة. ظلت تركيا تحت حكم حزب الشعب منذ إستلام كمال أتاتورك السلطة سنة 1923 وحتى أيار/مايو 1950، وعلى إثر تعديل قانون الإنتخابات التركي، صعدت حركة الديمقراطيين إلى السلطة بعد أن فازت بأغلبية الأصوات، حينها علق لويس على عملية إنتقال السلطة بأنها:" تشكل حدثا لا سابق له في تاريخ البلد (تركيا) وفي تاريخ المنطقة" معتبرا ذلك نتيجة حتمية لسياسات كمال أتاتورك، الذي، حسب رأي لويس، " من إتخذ إجراءات حاسمة كي يحظى بقبول الغرب". لا يتردد لويس عن إظهار إعجابه بشخص كمال أتاتورك، وبما قام به من أجل تأسيس النموذج التركي كما نراه اليوم. خاصة فيما يتعلق بما يسمى "بالعلمانية التركية"، أي فصل الدين عن الدولة وإستيراد مفاهيم الحداثة الغربية من الخارج وفرضها على المجتمع من فوق، "من أجل الشعب بالرغم عن الشعب" على حد تعبير كمال أتاتورك. وهذه بعض الإنتقادات التي يواجهها لويس من معارضيه الذين شككوا ليس فقط في حياديته المفترضة وفي طبيعة نواياه ودوافعه بل وفي سلامة إدراكه وصحة فهمه لمواضيع أبحاثه، حجتهم في ذلك أن الرجل إنما إعتمد في دراساته الميدانية للتاريخ الإسلامي عامة والعربي خاصة على مصدر واحد، ومن مكان واحد. ويستمر منتقدوه في القول إن لويس ظل على الدوام مولعا بالمثال التركي وكأنه قدوة يتوجب على سائر شعوب المنطقة عامة، والعرب خاصة، الإقتداء به هذا إن أرادوا الخروج من "ظلمات العصور الوسطى".
في الحقيقة إنبرت النخب السياسية التركية في جهد محموم ومتعثر، إلى حد هذه اللحظة، من أجل الإندماج بالغرب منذ بداية القرن العشرين، منذ أيام ضباط جمعية "الإتحاد والترقي" ومنظمة "تركيا الفتاة". أي قبل إستلام كمال أتاتورك السلطة وقبل قدوم لويس إلى إستنبول بحوالي خمسة عقود. بحيث أصبحت عقدة الأحلاف مع الغرب تحديدا تشكل ثابتا بنيويا من ثوابت سيكولوجيا الدولة التركية الحديثة. ولعل رياض نجيب الريس، أدق وأبلغ من تحدث عن هذه المرحلة من تاريخ تركيا الحديث، بقوله:" أول إتصال بهذا الإتجاه كان مع بريطانيا، قام به جاويد، وزير المالية في حكومة "الإتحاد والترقي". تحمس له تشرتشل في حينه ودعا إلى تأييده. لكن الحكومة البريطانية رفضته. وقام جمال، وزير البحرية، بإتصال مع فرنسا، فقوبل بالصدود. ثم قام طلعت، وزير البريد، بدافع اليأس، بالإتصال بروسيا، فردته خائبا على عقبيه. حتى جاء أنور وزير الدفاع، بعد أن فوضه الصدر الأعظم، بمفاتحة ألمانيا لقيام تحالف معها. وجاء الرد الألماني بالرفض. ولم تنجح مساعي الأتراك مع أي من الجهات الأوروبية، ولم توافق أي من الدول الكبرى على توفير الحماية لهم. وهكذا إكتملت العزلة الديبلوماسية للامبراطورية العثمانية على مشارف العام1914، والحرب العالمية الأولى على الأبواب."(20)
قد يتساءل القارىء عن العلاقة بين موضوعنا، المستشرق برنارد لويس، والحركات السياسية في تركيا - آخر أيام الإمبراطورية العثمانية- في مطلع القرن العشرين. والجواب ؛ بكل بساطة، هو أن تركيا، كانت، ولا زالت، ليس فقط ميدان بحث، ومصدرا للمعلومات، ومكان عيش برنارد لويس، أو كما يحلو لبعضهم أن يلقبه ب"أبو الدراسات الإسلامية" (Father of Islamic studies)، بل وأنموذجا يجوز القياس عليه، حسب رأيه، لما يجب أن تكون عليه الأمور في القاهرة وبغداد ودمشق والقدس وبيروت والقيروان وصنعاء وفاس ووهران. أي، بمعنى ما، يتوخى لويس منطق القياس، بناء على الأنموذج التركي، فكل من المقيس والمقيس عليه يشتركان في العلة- أحيانا الإسلام وأحيانا الشرق الأوسطية حسبما ما يراها هو- وبالتالي فإنهما يشتركان في الحكم، وبحسب وصفة هذا المستشرق، ما على العرب، إن أرادو الخروج من حالة القهر والفقر والتخلف والتنكيل والإستبداد بجميع أشكالة وتجلياته، سوى معانقة الحداثة وتبني قيم العصر؛ إحترام حقوق الإنسان (رجالا ونساء) والتداول السلمي للسلطة (الديمقراطية) وضمان الحريات العامة للجماعات كما للأفراد، وضمان حق التعبير عن الرأي، خاصة إن كان مخالفا، وإحترام مبدأ سيادة القانون والتخلي عن مبدأ العداء للغرب المتأصل – بحسب رأي هذا المستشرق- في عقيدة المسلمين وثقافتهم. وكي يحقق العرب ذلك ما عليهم سوى السير على خطى الأتراك، جيرانهم وحكامهم السابقين. وهذا في الحقيقة قول أقل ما يقال فيه أنه يجافي الصواب والحقيقة والتاريخ. قول بعيد عن الصحة بعد (بضم الباء) نوايا لويس عن الصدق. كم تمنى المرء لو أن سعة علم هذا المستشرق إتسعت نزرا قليلا لتشمل برعايتها الأكاديمية بعض التفاصيل والفوارق المهمة بين العرب والأتراك-مصدر إلهامه- تاريخا وثقافة وتوجها وذلك بالرغم من واقع الجوار الجغرافي ومن واقع كونهما يدينان بالإسلام وكون الأترك حكموا العرب وغيرهم بإسم الإسلام لما يفوق الأربعة قرون.
في معرض حديثه عن إزدواجية مواقف برنارد لويس السياسية والفكرية ليس تجاه قضايا منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل تجاه القضايا السياسية التي عرفتها تركيا الكمالية المعاصرة دون سواها، يشرح الباحث والمحلل السياسي البارز صبحي حديدي، مواقف برنارد لويس تلك فيقول: "والحال أنّ الديمقراطية التركية كانت علي الدوام عزيزة برنارد لويس، ليس فقط لأنها الوحيدة العلمانية في محيط شرس من الفقه (الإسلامي) اللاعلماني واللاديمقراطي في الجوهر، بل أساساً لأنها في رأيه المثال الوحيد الذي نجح في أيّ مكان من هذا العالم الشاسع الواسع المترامي الأطراف الذي تندرج أقوامه وإثنياته وعقائده وجغرافياته في تسمية واحدة خرافية هي دار الاسلام. لكنّ لويس سكت عن مشكلات هذه العزيزة ذات يوم، في عام 1998، حين اتخذت المحكمة الدستورية التركية قراراً بحلّ حزب الرفاه، ومصادرة ممتلكاته، وحظر العمل السياسي علي خمسة من قادته حدث أيضاً أنهم كانوا نوّاب الشعب المنتخبين شرعاً، وحدث كذلك أن بينهم رئيس الحزب ورئيس وزراء تركيا السابق نجم الدين أربكان! الطريف أنّ كبير المستشرقين كان أقلّ ديمقراطية من جيمس روبن، الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية آنذاك! الأخير اعتبر أن الولايات المتحدة لا تدعم ولا تناهض أياً من الأحزاب السياسية التركية، ولكن الإدارة لا تخفي قناعتها بأن حظر العمل السياسي لأي حزب يضعف الثقة في الديمقراطية التركية، لأنه يمسّ في الجوهر مبدأ تعدد الأحزاب. أكثر من ذلك، طاب للرجل أن يعطي الأتراك دروساً في أصول الديمقراطية حين ذكّر بأن أي إصلاح سياسي لا بدّ أن ينهض علي المزيد من تعزيز حرية التعبير وحرية الاجتماع. لم نسمع كلاماً من برنارد لويس آنذاك، هو الذي بشّر طويلاً، واستبشر مراراً، بالتجربة التركية في الديمقراطية التعددية والعلمانية السياسية والدستورية: هذه التي لم تكن من صنع الحكام الإمبرياليين، ولم تفرضها القوي الغازية الظافرة. لقد كانت خياراً حرّاً مارسه الأتراك حين انتهجوا طريق الديمقراطية الطويل والشاق والمزروع بالعقبات، ولكنهم برهنوا أن حسن النية والتصميم والشجاعة والصبر كفيلة بتذليل تلك العقبات والتقدّم علي طريق الحرية."(21)
الإشكال القائم هنا، هل أن "حكيم الزمان" ( Sage for the Age) برنارد لويس، محق في وصفه لواقع العرب والمسلمين، هؤلاء الرافضون لقيم الحداثة ونهج العصرنة المعادون للغرب ومبادئه، ومصيب في رأيه لما يعانوه من علل تنخر واقعهم المزري؟ والجواب نعم ولا. نعم من حيث الوصف، وقطعا لا من حيث إحالته حالة الضعف والإندحار تلك إلى أسباب هي في الحقيقة إما متوهمة كقوله إن العرب غير مؤهلين ذاتيا لتبني وهضم قيم الغرب وبالتالي التصالح معه بمعنى، الخنوع والخضوع والركوع أسوة بالمثال التركي.
هل لويس مصيب في تشخيصه لأسباب هذه العلل ومؤتاها؟ هذه مسألة يستحيل على عاقل أن يتفق فيها مع لويس. بل لنتمادى أكثر في التساؤل البريء ونقول هل هو صادق في نواياه ونزيه في دوافعه تجاه المسلمين عامة والعرب خاصة؟ وهذه أيضا مسألة لا تحتمل أكثر من رأي. وهل هو متسلح دائما بسلاح النزاهة العلمية والحياد الأكاديمي في كل ما قاله وكتبه عن العرب والمسلمين؟ وهذه أيضا مسألة إضافة إلى كونها قد تحتمل النقاش والبرهان، قد يصعب على الباحث أن يعثر على أي حجة أو قرينة تؤكدها ولو على سبيل الخطأ،. وهل كتابات لويس عن الإسلام والمسلمين عارية تماما من أي غطاء إيديولوجي وخالية تماما من أي توجه سياسي أو عقائدي له مصلحة أو مصالح معينة في إبقاء التغييرات الجذرية التي حدثت غصبا في المنطقة منذ 1948؟ وبإختصار، هل أن في كتابات لويس ما يدل أو يشير أو حتى يوحي سواء أكان ذلك تلميحا أو تصريحا إلى أنه يحترم العرب؟ والجواب قطعا لا. بكل بساطة لا يوجد أي دليل على ذلك. وبالنهاية، هذه وغيرها مسائل متروكة أولا وأخيرا لذكاء القارىء وتمرسه الفكري.
انثروبولوجيا سياسية:
صحيح أن المستشرقين المعاصرين إعتمدوا في دراساتهم وأبحاثهم على أعمال أسلافهم من المستشرقين القدماء، الأوروبيين تحديدا.تم بعث أول كرسي لتدريس اللغة العربية في جامعة كامبريدج، انلجترا، سنة 1633، على يد السير توماس آدامز. وفي باريس،فرنسا، تم تأسيس مدرسة اللغات الشرقية سنة 1794. وفي هامبورغ، ألمانيا، تم بعث "المعهد الإستعماري" سنة 1907، لدراسة وتدريس تاريخ وثقافات الشرق الأدنى. هذا بالإضافة إلى مدرسة اللغات الشرقية التي أسست في برلين، ألمانيا سنة 1887.طبعا لا يمكن للمرء أن يغفل لا عن قيمة و لاعن حجم إسهامات المستشرقين الألمان خاصة،الذين، بالإضافة إلى توخيهم أساليب ومناهج حديثة بمقاييس عصرهم في أبحاثهم المتعلقة بما أصطلح على تسميته بالدراسات الإسلامية، معتمدين على الإنثروبولوجيا الثقافية، التي، تعترف وتحترم-إلى حد ما- المكونات الثقافية والخصوصيات الحضارية المحلية للمجتمعات موضوع الدراسة (مدرسة هايدلبرغ الألمانية). ومنهم من إعتمد على علم إجتماع التاريخ/ سوسيولوجيا تاريخية، أي قيام أبحاثهم على تفسير مادي لمختلف جوانب ونواحي الثقافة العربية-الإسلامية. ورغم إختلاف المناهج الإبستمولوجية المتوخاة من قبل هؤلاء المستشرقين الأوائل، فإن الباحث يقف على حقيقة أن معظم هؤلاء إنما كانوا ينظرون إلى المسلمين عامة والعرب خاصة على أنهم شركاء تاريخيون لهم ممن أسهموا بإمتياز، في حقبة ما من تاريخ البشرية، في إثراء المسار الحضاري الكوني. ومن هذا المنطلق لم تسهم أعمال هؤلاء في تعريف الغرب،آنذاك، بالعرب والمسلمين دينا وثقافة ونمط عيش وحكما فحسب، بل نجد أن الكثير من الباحثين العرب والمسلمين إستفادوا أيما إستفادة من أعمال هؤلاء المستشرقين وما تسلحوا به من أدوات إبستمولوجية (علم أدوات المعرفة) في بحوثهم المتعلقة سواء بالدراسات الإسلامية أوبالتاريخ الإسلامي نفسه. لذلك يصعب على المرء أن ينعت هؤلاء المستشرقين أو أبحاثهم بأنهم أعداء بحكم أنهم لم يتعاملوا أو يعتبروا أن الإسلام يشكل خطرا محدقا بهم يتوجب عليهم محاربته في العمق، بل وفي العمق الذي ما بعده عمق ربما. كما أنهم، أي مستشرقو ذلك العصر لا ساسته، لم ينظروا لا إلى المسلمين ولا إلى العرب على أنهم خصوم لهم يجب تشويههم وتحقيرهم وإستعمارهم والتنكيل بهم وبمعتقداتهم ومقدساتهم. وأن القوة بمختلف أشكالها وتجلياتها هي الأسلوب الأوحد الوحيد الأحد للتعامل معهم، بإعتبارهم لا يفهمون ولا يخضعون (بضم الياء) إلا بالقوة العارية. على غرار ما تطالعنا به، للأسف، كتابات بعض متلحفي إستشراق اليوم "المشرقن"، كأن عبد الله بن سبأ لازال حيا يرزق يعمل بكد لا يلين تحركه نقمة تفوق الوصف ثأرا لبني قريضة وبني النضير.
هذا لا يعني إصدار صك براءة لجميع المستشرقين القدماء، وكذلك لا يعني أيضا القول بأن كل أعمالهم وأدوارهم ملائكية. نجد أن نابوليون بونابارت، قبيل غزوه لمصر سنة 1799، كان قد ألحق بجيشه الإمبراطوري (La grande Armee) عددا لايستهان به من خريجي مدرسة اللغات الشرقية الباريسية. وكلنا يعلم أيضا أن المستشرق الألماني الكبير بارت، كان قد عمل في الجيش النازي كمترجم للماريشال رومل في شمال إفريقيا أثناء الحرب العالمية الثانية. لعل مؤلف "أعمدة الحكمة السبعة" تي،إي، لورانس (1888-1935)، المعروف بلورانس العرب، أشهر مثال على ما يمكن أن يلعبه المستشرق من أدوار. لكن الموضوعية تقتضي الإشارة إلى أن المسألة هنا متعلقة بإستعمال وإستفادة الدولة من الإستشراق مؤسسة وأفرادا في تنفيذ مخططاتها الإستعمارية في الخارج.
ولعل محتويات المكتبة العربية المعاصرة من أعمال مترجمة (وغير مترجمة) لخير دليل على غزارة وثراء إسهامات هؤلاء المستشرقين بما لها وما عليها. لقد تعامل هؤلاء مع ثقافة العرب والمسلمين وتاريخهم بكل صدق ونزاهة وموضوعية كأبسط مقومات أي عمل أكاديمي- تاريخي. يأتي على قمة هذه الأعمال، كتاب "تاريخ الأدب العربي" لكارل بروكلمان (1868-1956)، وهو عبارة "عن إنسكلوبيديا دون فيها جميع المؤلفات والكتب مع التعريف بأصحابها التي صدرت عبر التاريخ وحتى سنة1937"(22) . هذا بالإضافة إلى كتابه الشهير" تاريخ الشعوب الإسلامية". وكتاب "التاريخ الأدبي للعرب"(23) لراينولد نيكولسون (1945-1868-). وكتاب " الدولة العربية وسقوطها" للمستشرق الألماني يوليوس فيلهاوزن. أو مؤلفات المستشرق الهنغاري إيغناس غولدزيهر(1921-1850) "مدخل لدراسة الشريعة والقانون في الإسلام"(24) . والسير توماس ولكار أرنولد (1864-1930)، مؤلف كتاب"ملحمة الإسلام"(25) . لم تقتصر الكتابات عن موضوع الإستشراق على الأوربيين والأميركيين من بعدهم، فقد ساهم الكتاب العرب مبكرا بالعديد من الكتب القيمة مثل كتاب البرت حبيب حوراني (1915-1993)، " أوروبا والشرق الأوسط"، وفيليب خوري حتي (1886)، مؤلف كتاب "العرب؛ تاريخ موجز"(26) وطريف الخالدي (1938)، مؤلف "الفكر التاريخي العربي في مرحلة صدر الإسلام". وجورج مقدسي، الدكتور بجامعة هارفارد وصاحب العديد من المؤلفات لعل أبرزها " ظهور الجامعات: مؤسسات التعليم في الإسلام والغرب"، خصصه للبرهنة على درجة إستفادة أوروبا القرون-الوسطى من تقليد مؤسسات التعليم لدى العرب في ذلك الوقت. والراحل إدوارد سعيد، صاحب كتاب "الإستشراق" الشهير. طبعا، هذا بالإضافة إلى كتابات غيرهم الأكثر شهرة لدى القارىء العربي، مثل جمال الدين الأفغاني (1838 ـ 1898)، صاحب "العروة الوثقى"ومحمد عبده (1849ـ 1905) والطاهر بن عاشور وعبد الرحمان الكواكبي ورشيد رضا وقاسم أمين وعلي عبد الرازق صاحب "الإسلام وأصول الحكم"، ورفاعة الطهطاوي(1873) مؤلف "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، وغيرهم كثير ممن كتبوا متأثرين إيجابا بما يحدث في، ويصدر عن الغرب، أوروبا آنذاك، منادين بإحداث ما اعتبروها، حينها، إصلاحات ضرورية للحاق بركب الأمم المتقدمة. بل يكفي الباحث العربي أن يعود، اليوم، إلى ترجمات عبد الرحمان بدوي ومحمد عبدالهادي أبو ريدة وأعمال جواد علي، صاحب:"المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" أو كتابات أمين الخولي، ليدرك مدى قيمة أعمال المستشرقين وغزارة إضافاتهم للثقافة الإسلامية. لا أحد يشكك في مدى عمق معرفة ولا في سعة إطلاع هؤلاء على مؤلفات المستشرقين وكتبهم، مما يؤهلهم ويمنحهم القدرة على التمييز بعقلانية صارمة وبسهولة بين عدو مملوء حقدا وكراهية محرف لأحداث ووقائع التاريخ ماضيا حتى تتناسب مع واقع الجغرافيا المغتصبة حاضرا، وبين باحث نزيه مدفوع بحب المعرفة كأرقي سلوك إنساني، حتى وإن تلحف كلاهما بجلباب الإستشراق الذي ما إنفك يزداد ثقوبا وإهتراء.
ليس بإمكان المرء التقليل أو تبسيط علاقة الغرب المسيحي بالمشرق الإسلامي، علاقة إتسمت، عبر مئات السنين، بالتعقيد والتشعب والغموض وحب السيطرة/العنف على الآخر، بل هي علاقة قائمة على ثنائية الحب -الكراهية في نفس الوقت عملا بالتعبير الشائع(Love-hate relationship). إلا أنه كان، ولا زال، هناك ثابت يحكم آليات هذه العلاقة بمجملها، ألا وهو قانون التأثير والتأثر، فكلا الطرفين تأثر سلبا وإيجابا سواء بما قام به أو توصل إليه الطرف الآخر. لذلك شملت حالة الأخذ والعطاء هذه جميع نواحي الحياة تقريبا؛ ثقافة وأدبا وسياسة وفكرا ومعتقدا وتكنولوجيا بل وشملت حتى الملبس والمأكل.
يتعامل المؤرخون الغربيون مع موضوع الإستشراق من موقعين متبايني المنطلق والإتجاه. هناك من ينظر إلى العلاقة مع المشرق الإسلامي من منطلق الإعتراف بما أضافته الحضارة العربية-الإسلامية للتراث الحضاري للإنسانية جمعاء، وبالتالي فإن أبحاثهم تصب في إتجاه تكاملي متصالح، إلى حد ما، مع الذات ومع الطرف الآخر، بحيث يتم الإحتكام إلى العقل في تسيير دفة هذه العلاقة التي من المفترض فيها، بحسب رأيهم، أن تقوم علىالحوار لا العنف وعلى الإحترام لا التحقير والتشهير. وهناك، من جهة أخرى، من ينظر إلى هذه العلاقة على أنها قائمة أولا وأخيرا على أسس صدامية (بكسر الصاد)، عنفية، خالية من أي حوار أو إحترام لخصوصية الآخر، يحتكم فيها إلى القوة عملا بفلسفة الوضعيين المناطقة (إما/ أو)، either / or))، إما غالبا أو مغلوبا، إما قاتلا أو مقتولا. للأسف، يبدو أن أصحاب هذا النهج في التفكير والمؤمنين بهذا المنطق، الذي أقل ما يقال فيه إنه أعرج ويفتقد إلى أبسط مقومات الفهم السليم، هم المنتصرون حاليا. ولعل ما يدور في منطقتنا من أحداث دامية على مدار العقود الأخيرة لخير دليل على ذلك.
فيما يخص ممارسة برنارد لويس للعمل السياسي على مدار العقود الماضية، نشرت صحيفة "وال ستريت جورنال" المحافظة تحقيقا حول الدور السياسي، بل الأدوار،التي لعبها برنارد لويس. حول هذا الموضوع كتب بيتر والدمان، صاحب التحقيق المشار إليه فقال: "سمها نظرية(برنارد) لويس، رغم أنه لم تتم مناقشتها في الكونغرس، ولم يتم إصدار مرسوم رئاسي بشأنها. إلا أن تشخيصات لويس لأمراض العالم الإسلامي ودعوته للغزو العسكري الأمريكي لزرع الديمقراطية في الشرق الأوسط، ساهمت في إحداث أكبر تغيير فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية على مدار الخمسين سنة الماضية. ولعل إحتلال العراق يشكل أهم إختبار لهذه النظرية."(27) وللرجل كذلك مواقف أخرى حول كبرى قضايا الشرق الأوسط، أي القضية الفلسطينية تحديدا، حيث نادى منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي، بقيام دولتين متجاورتين مطالبا الحكومة الإسرائيلية آنئذ بإختبار رغبة الفلسطينيين في الدخول في مفاوضات حول هذا الأمر. إلا أنه كتب في نفس تلك الفترة مقالة مطولة شارحا فيها، حسب رأية، إنعدام وإنتفاء أي حق تاريخي للفلسطينيين على أرضهم بإعتبار أن "فلسطين كدولة لم توجد على الإطلاق قبل الحكم البريطاني لها سنة 1918"(28) ، وهي كفكرة، نالت إعجاب الكثير من السياسيين إلى درجة أن غولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل حينها، وبعد أن طالبت جميع أعضاء حكومتها بقراءة تلك المقالة، طلبت الإجتماع ببرنارد لويس. في ذلك اللقاء الشهير بينهما، إستمعت رئيسة الوزراء إلى آرائه بإعجاب حول القضية الفلسطينية التي لم يتردد في شرحها بإسهاب على حد تعبير أمنون كوهين، الدكتور المحاضر في الجامعة العبرية في القدس(29) .
تأريخانية سياسية:
وكما لم يولد المستشرقون المناوؤن للعرب والمسلمين من فراغ، فهم- برنارد لويس أشهرهم حاليا- ليسوا بحديثي الولادة أيضا. لهم مؤسساتهم ومصادر تمويلهم ومراكز بحوثهم منذ زمن ليس بالقصير. ولم تكن أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، الرهيبة سوى الشعرة التي قصمت ظهر البعير. لم يمض زمن طويل حتى ردت الولايات المتحدة التحية على تلك "الغزوة" بتحيات كلنا نشاهد ونسمع، وسنظل، آثارها ومفاعيلها على ملايين البشر. كما وفرت ظاهرة البن-لادنية، التي لا نستطيع ولا بأي شكل من الأشكال التنصل من أبوتنا لها، وما يلحق بصفة الأبوة تلك من أحكام سواء أتعلقت بالنسب أو بالميراث.
لا يمكن لعاقل أن يتجاهل أو ينكر حقيقة أن أبو عبد الله الحضرمي، هو في الحقيقة الإبن الشرعي لواقعنا الذي لا يختلف إثنان على تدنيه وإنحطاطه الشامل والكامل. ولكن الإعتراف بهذه الحقيقة يجب ألا يحجب عنا، وعن غيرنا، حقيقة أخرى وهي أن البن-لادنية ما هي إلا ظاهرة ليس إلا. قد تطول وقد تقصر، قد تكبر وقد تضمر، قد تبقى وقد تندثر. لكنها في النهاية ليست سوى ظاهرة، وهي على خطورتها، يحكمها قانون ما سبقها من ظواهر مدمرة عرفتها مختلف المجتمعات عبر العصور. وبالتالي، فأبو عبد الله الحضرمي، لا يعبرلاعن جميع العرب ولا عن جميع المسلمين بقدر ما يعبر عن حالة غضب ناتجة بدورها عن عقود من الإندحار والإنكسارات والهزائم في مختلف الميادين؛ عسكريا وإقتصاديا وفكريا بل وحتى رياضيا، هذا على المستوى الخارجي. أما على المستوى الداخلي، فلعل إكتظاظ معتقلاتنا وسجوننا الوطنية بسجناء الرأي و نزاهة وإستقلال محاكمنا الوطنية بإعتبار أن " العدل أساس العمران" و المكانة المرموقة محليا وعالميا لأجهزة إعلامنا الوطني الصادق والطريقة التي يعامل بها الإنسان العربي من قبل أجهزة مخابراته الوطنية والتداول السلمي للسلطة الوطنية، ونسب ال99% فما فوق التي يحصل عليها حكامنا الوطنيون. هذه وغيرها كثير من العوامل والدوافع والأسباب التي ساهمت في، وأدت إلى، نشوء ظاهرة البن-لادنية التي ولدت وكبرت وترعرعت في أحضان وفي كنف واقعنا المعاصر. واقع تقول أرقامه الباردة إن لكل ألف مواطن عربي هناك 18 جهاز كمبيوتر فقط في حين أن المعدل العالمي هو 78.3 بالألف. وأن 1.6 % فقط لا أكثر من العرب موصولون بالإنترنت. وأنه في سنة 1995- 1996 وحدها هاجر 25 % من مجموع حاملي الشهادات الجامعية. وأن 15000 دكتور/ طبيب هاجروا من الوطن العربي من سنة 1998 وحتى سنة2000. وأن نسبة العلماء والمهندسين العاملين في ميدان الأبحاث والتنمية في الوطن العربي لا تتجاوز 371 على كل مليون مواطن في حين أن المعدل العالمي يصل إلى 979 على كل مليون نسمة. وفي الوقت الذي يحتل فيه العرب نسبة 5 % من مجموع سكان العالم، فهم لا ينتجون سوى 1.1 % من مجموع الكتب التي ينتجها العالم(30) ، ومع ذلك، وكلما تم اللجوء إلى صناديق الاقتراع لا زال يحصل حكامنا - حفظهم الله لنا جميعا - على نسب لا يمكن أن يحلم بها حتى الأنبياء !.
وعليه، بعيدا عن أي انفعال عاطفي أو فكري وفي نفس الوقت توخيا للتساؤل والشك والحذر والعقلانية في التعاطي مع طبيعة ونوعية العلل التي تعاني منها مجتمعاتنا، كشرط أولي أساسي للقدرة على الخروج بسلام من حالة الانكسار هذه. وعليه، فلا داعي ولا جدوى من الاستمرار في حالة الإنكار والمكابرة والمداورة. فمشاكلنا هي، أولا، وليدة واقعنا متأصلة في ثناياه وحيثياته وليس واقع غيرنا. وثانيا، لا أحد غيرنا، بقادر على التفاعل جدليا وإيجابيا مع هذه المشاكل عن طريق فهمها بشكل صحيح/تشخيصها علميا وبالتالي إيجاد الحلول المناسبة لها. وعليه، يصعب على المرء أن يتخيل أي غريب أو دخيل أو خارجي بقادر على التعاطي إيجابيا مع واقع العرب والمسلمين و الحلول محلهم في تشخيص مشاكلهم وتعريفهم بها والإشارة عليهم بما يتوجب عليهم إتيانه من عمل حينا، ومحاولة فرض تلك الحلول من فوق وعن طريق القوة الغاشمة أحيانا أخرى. ببساطة يستحيل إنجاز ذلك حتى ولو كان هذا الطرف الخارجي يبحث وينقب ويكتب عن تاريخ العرب والمسلمين على مدار ستة عقود، ويدعي بأن له من سعة إطلاع وعميق المعرفة بتاريخ المنطقة.
فكما إختطف الحكام العرب حق ملايين البشر في العيش بكرامة وحرموهم من بناء مجتمع تتوفر فيه أبجديات الوجود الإنساني والتأسيس لمستقبل الأجيال القادمة. إختطف أسامة بن لا دن حالة الغضب والنقمة والإحتقان لدى شرائح واسعة. فبن لادن منا وفينا وإلينا، لا يقل أصالة في إنتمائه الشرعي لواقع العرب والمسلمين عن أصالة حاكميهم. والفارق الوحيد بينهم وبينه، من حيث المساهمة في إلحاق الضرر بالأمة؛ كونه وجه عنفه نحو الخارج، في حين أن "أولياء الأمر" وجهوا عنفهم الممنهج نحو الداخل. كلنا يذكر كيف تم إرسال أفواج المجاهدين، قبل حوالي عقدين، لمحاربة الإلحاد الشيوعي في أفغانستان. ذهبوا إلى هناك للجهاد والدفاع عن حمى الدين على أساس أنهم مسلمون، وإنتهى ببعضهم المطاف، بعد سقوط حركة طالبان، نزلاء في معتقل غوانتانامو، بوصفهم عربا مطاردين غير مرغوب فيهم، تلاحقهم عيون وأسلحة الأفغان لتسليمهم للأمريكان مقابل بضع دولارات على كل رأس. وحتى تكتمل الدائرة، لم يتردد كهان المعرفة، من حملة صكوك الدراية في اغتصاب ميدان الإستشراق بالذات، وتحويله من ميدان علم ومعرفة ذي غايات نبيلة، في أغلبه، يؤدي دور شبيه لما يسمى في الشرع الإسلامي بمبدأ التقارب، إلى علم أسسه الكراهية وأركانه الحقد وشروط إنعقاده التحيزالأعمى ضد كل ماله صلة بالإسلام أو بالعرب وموضوعه الأساسي التحقير والتشويه والرغبة الدفينة في إلحاق الأذى، حتى أصبح في السنوات الأخيرة، خاصة بعد وقوع أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، مصطلح الاستشراق شبه مرادف للدعاية المغرضة.
قد يتساءل المرء، بإستغراب، عن السرعة الفائقة التي وصلت إليها الأمور اليوم. وعن النتائج التدميرية الهائلة التي من الممكن أن تنجر عن توظيف بعض قطاعات المعرفة في خدمة توجهات سياسية بعينها. وهي تبعات قد تدوم لأجيال كاملة، قد تبدو مسألة توفير بعض دوائر الإستشراق للبعد الإيديولوجي والفكري بخلق أكاذيب وإفتعال حجج وأعذار واهية كغطاء للعضلات العسكرية الجبارة المستخدمة حاليا دون قيد أو شرط من أجل إرساء الديمقراطية ودعم حقوق الإنسان على ضفتي دجلة والفرات، أو هكذا قيل لنا. وضمن هذا المناخ، يمكن إدراج هذا السيل الجارف من خبراء الإرهاب، ومختصي الدراسات الإسلامية، وخبراء الشرق الأوسط، ومحللين سياسيين وإجتماعيين وعسكريين لا يكفون عن الحديث مشخصين ومنبهين ومحذرين من هذا الخطر الكوني الذي يمثله العرب والمسلمون. فلا غرابة أن تأتينا الحكمة والموعظة الحسنة في شكل كتيب يرد عنوانه في شكل تساؤل " أين الخلل؟"، هو في الحقيقة مجموعة محاضرات ألقيت على مدار السنين وبرغم قول أحدهم "أن ولاءات المؤرخ قد تؤثر في إختياره لموضوع بحثه، إلا أنها يجب ألا تؤثر في طريقة معالجته له."(31) ، وهذا كلام سليم ومنطقي من الوهلة الأولى، لولا وجود مشكلة بسيطة وهي أن القارىء قد لا يحتاج إلى عين مدربة كي يقف على حقيقة أن برنارد لويس يفترض مسبقا وجود خلل بنيوي(structural dysfunction) ثابت لدى المسلمين عامة والعرب خاصة، متمثل أساسا في عدائهم العقائدي والفكري لمكونات الثقافة الغربية ذات الأسس اليهودية-المسيحية، وبالتالي فإنه يستحيل التوصل معهم إلى إتفاق أو الدخول معهم في حوار، وبالنتيجة، حسب رأيه، يمثل أسامة بن لادن التعبير الأصدق عن جوهر ثقافة المسلمين. طبعا، لا تقتصر مثل هذه الآراء على كتاب واحد أو مقالة واحدة، بل، وتجنبا للتعميم هنا، يمكن القول بأن معظم ما كتبه هذا المستشرق خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة يندرج ضمن هذا السياق بدءا بمقالته الشهيرة في مجلة "الأتلنتك مانثلي"(32) ، سنة 1990، تحدث فيها عن " جذور الغضب الإسلامي" مستعملا لأول مرة عبارة "صراع الحضارات" التي تبناها فيما بعد صمؤيل هانتغتون، وشرحها أولا في مقالة مطولة نشرتها له دورية "فورن أفارز"(33) سنة 1993، وبعد ذلك في كتاب.
يتحدث برنارد لويس في تلك المقالة الشهيرة بإسهاب عما يعتبره "جذور الغضب الإسلامي" الحالي كما يشير عنوان المقالة،تجاه الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة، إلا أنه ولسبب ما ينسى أو ربما يتناسى هذا المستشرق التعرض للأسباب والشروط الموضوعية المعاصرة التي أدت إلى، وأسهمت في، نشوء وظهور حالة الغليان والنقمة بل والرفض للشروط المهينة التي يتصف بها واقعهم. وليس لأسباب تعود إلى أكثر من عشرة قرون إلى الوراء، أي منذ الحروب الصليبية. كما أنه نسي أيضا أو تناسى نظرة المسلمين عامة والعرب خاصة للولايات المتحدة الأمريكية، نظرة بالإضافة إلى كونها قائمة على الإعجاب والإنبهار، فقد إرتكزت على التقدير والإحترام. كيف يمكن لمؤرخ مثل لويس أن تغيب عن ذاكرته المكانة التي كانت تحظى بها الولايات المتحدة لدى العرب والمسلمين قبل وبعد العدوان الثلاثي الذي تعرضت له مصر سنة 1956؟ فالمسأله هنا قد تبدو سياسية (موضوعية) أكثر منها (ذاتية) متعلقة بديانة العرب وثقافتهم، التي يجهد لويس نفسه في تصويرها على أنها معادية في جوهرها لكل القيم الغربية. أو لماذا لا يطرح برنارد لويس على نفسه هذا التساؤل. يعلم القاصي والداني أن جميع الأقطار العربية تقريبا كما نعرفها اليوم كانت في مرحلة ما خاضعة وخانعة لحالة إستعمار أجنبي مباشر، غربي أوروبي تحديدا. فلماذا لم ينشأ أي تنظيم شبيه بالقاعدة ولم يظهر أي أسامة بن لادن حينها. فما هي الأسباب يا ترى؟ بل ولماذا تخلو كتب التاريخ من ذكر أية حالة من حالات "النحر" لقوى الإستعمار على الشكل الذي يحدث حاليا. ترى هل أن عرب تلك الأيام أقل إسلاما من أحفادهم اليوم، أم أن المسألة هي ببساطة على عكس ما يصورها هذا المستشرق، نزاع سياسي-حضاري بالدرجة الأولى تم تلحيفه بعباءة الدين من قبل متطرفي كلا الجانبين؟.
وقد يتمثل الخطر الأشد والأدهى في حقيقة كون هناك أجيال ربيت وتتربى وستتربى على الكراهية المتبادلة، لو تبقى الأمور على وتيرتها الحالية. صحيح أن ظاهرة التحقير العلمي والإزدراء الفكري ليست بالجديدة، لكن المراقب يفاجأ بغزارة هذه الكتابات وكثرتها وغلوائها في العداء بشكل تصبح فيه أكثر الكتابات عنصرية قائمة على تعميمات خاطئة وكاذبة مثل كتاب رافائيل باتاي " العقل العربي "(34) ، الذي يحتوي على أقذع إهانات وشتائم موجهة ضد العرب بالذات، إضافة إلى وصف هذا الكتاب بأنه أفضل مرجع إنثروبولوجي ثقافي للمهتمين بدراسة الثقافة العربية-الإسلامية، فإنه يعتمد كمادة للتدريس في أعرق الجامعات الأميركية مثل جامعة برانستون معقل برنارد لويس دون سواه، وجامعة كولومبيا. بل يصفه بعضهم بأنه "إنجيل المحافظين الجدد" لدى تعاملهم مع الوضع القائم حاليا في منطقة الشرق الأوسط. فالقائمة أصبحت طويلة جدا لتشمل، على سبيل الذكر لا الحصر جيسيكا شتارن، إيلي قدوري، ديفيد برايس جونس، مارتن بيريتز، نورمان بودهوراتز، تشارلز كراوتهامر، ويليام كريستول، جوديث ميللر... قبل حوالي 23 سنة دارت على صفحات مجلة "نيويورك ريفيو أوف بوكس"(35) أفضل وأمتع منازلة فكرية بين الراحل إدوارد سعيد و برنارد لويس حول موضوع الإستشراق الإنثروبولوجي المسيس والمتعالي والمناقض كليا سواء من حيث الدوافع أو الأساليب للأسس التي أرساها كبار المستشرقين الأوائل ممن عملوا بصدق ونزاهة علمية - يصعب التشكيك بها - على التعريف والتقريب بين حضارتين مختلفتين.
في كتاب صدر له حديثا يحمل عنوان " عن التقارب الحضاري الإسلامي-المسيحي"، يتحدث المستشرق الدكتور ريتشارد بوليت، دكتور محاضر في مادة التاريخ بجامعة كولومبيا، عن برنارد لويس فيقول:"...هذا رجل لا يحب أولئك من يدعي أنهم (العرب) ضمن مجال إختصاصه، فهو لا يحترمهم، ويعتبرهم جيدين وذوي قيمة فقط حينما يبدون قابلية لتتبع الغرب..."(36)
بالنهاية يتساءل المرء في حيرة ؛ عن شبه إندثار سلالة بأكملها من المؤرخين والبحاثة والمستشرقين العمالقة من أمثال هاينريش هاينه، وابراهام غايغر، وغو