عالم الأدب

الشاعر يبني فوق حفرة

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

قرأت مؤخرا جزءا مهما من أشعار الشاعر عبد الكريم كاصد: "دقات لا يبلغها الضوء" و"قفا نبك". وهي أشعار مضت كغيرها، بلا سميع ولا سامع. فالاعلام لعب لعبته الخبيثة مع هذا الشاعر الذكي، الموهوب والقادر. حفر قبرا لقصائده أهال عليها التراب. وبقي يقضم أعشاب الشعر اليابسة. وهو الآن (هذا الاعلام) في طريقه إلى السفح، ولن تحميه الادعية من الانهيار. غير أن عبد الكريم مرتاح في هامشه. وقصائده، التي لا تجلس باكية، تزداد قوة وذكاء وقدرة، مثل شاعرها، الذي امتهن الوشاية بأحلامه إلى عقله الباطن، كما كتب في إحدى قصائده. والحقيقة أن عبد الكريم لم يرسم يوماً صورة للشاعر إلا وكان فيها مهزوما.لا يملك حقلا، ولا حلبة، ولا بندقية صيد ليمارس هواية قتل الاشباح، إضافة إلى المرض المستديم: قصر النظر (قصيدة "هزيمة" من ديوان "دقات لا يبلغها الضوء". دار الكنوز الادبية. ص 66).
وهي الحالة نفسها التي يكررها في ديوان آخر، حيث يحلم الشاعر بوحوش كاسرة في أقفاص تتطلع فيه، وحين أفاق من الحلم رأى نفسه في قفص، فارتاع وعاد إلى أحلامه ثانية يبصر أقفاصا ووحوشا كاسرة تتطلع فيه. (قفا نبك، قصيدة "حلم". ص 106).
يقول عبد الكريم كاصد كثيرا من الاشياء من الداخل يمكن أن تصل إلى الخارج، وكثيرا من الاشياء من الخارج يمكن أن تصل إلى الداخل. وهنا نعثر على وجهين من وجوه الحقيقة. وجه الداخل ووجه الخارج. ولا مكان هنا لأية جدلية. فللداخل حياته وللخارج حياته. وكل وجه هو الحقيقة (أو هو الحقيقي) في إبعاد تام للفظة "الزائف". وعيون عبد الكريم المجهدة تراقب كل ذلك بلا ضيق ولا تعب ولا شكوى، لأن الشاعر جاور حقول "جاك بريفير" و"سان جون بيرس" و"يانيس ريتسوس" من خلال الترجمة، أو من خلال مجاراتهم في الحلبة.
هذا الشاعر نظرته مصوبة جيدا. ورغم ذاك نراه يهبط إلى الاسفل أو يبني فوق حفرة. هذه هي لعنته الخاصة كشاعر. وقدرته كملتف لولبيا على الذات والالم.
لكن علينا التساؤل عن الهامش الذي أتت منه تلك القصائد. الهامش الذي لا يحدث لأي شاعر وإن يكن في معمعانه. الهامش مكان الشاعر المفضل لمراقبة العالم. وإنني لم أنس أبدا ذلك التعريف المنحرف الذي قاله لي بول شاوول ذات ليل في الرباط "الشاعر فار من فئران المدينة". إن الهوامش هي على الدوام في خدمة الحياة (ألفريدة يلينيك). كما أنها تقدم كنزا هاما : مراقبة تلك الحياة التي تكون دائما في مكان آخر (ميلان كوندير). في مكان لا يوجد فيه الكاتب (يلينيك). على كل حال، عبد الكريم كاصد يرى الحياة أفضل من هناك، الهامش.
لا يترك الشاعر أثرا لأدواته في قصائده. فهو شاعر لا يخطو خطوة بلا استشارة "فرويد" عن الاحلام ورموزها خصوصا في قصائد "عن خدام وبصرتها" (الكرمل، العدد 82 شتاء 2005). كما أنه يستشير رفيقه الدائم : السحر والسحرة، كأنه شخص قادم من ظلام الاساطير ليسكن في غابة نفسه حاملا في يده فانوس، فيصيح ولا يجيبه سوى الصدى. وعندما ينطفئ الفانوس تظلم الغابة، ويخرج الشاعر عاريا فتهرب النساء والاطفال وتخلو الشوارع تماما كما يحدث في قصيدة لمحمد الماغوط عن الشاعر المتوحش العائد عاريا إلى غابته. الشاعر كان وسيبقى عابرا لمملكة الموت، وعندما يعود إلى عالم الناس، مودعا المقابر بواباتها، يجد أمامه سياجا يفصله عنهم 0الناس). فيبقى أمام القبور وأزهاره في يده، ويتردد في داخله صوته " كفى حزنا".
للشاعر علاقة خاصة بأمكنته : منازله، شوارعه، ضواحيه، طرقه الطويلة والقصيرة. كل هذه الاماكن تبعد مثل النجوم. وعندما يريد العودة إليها تنثره الريح في الطرقات ويلهو به الصبية. وفجيعته تحصل لأن ذاكرته ليست على ما يرام. فهو يشك حتى في كونه كان في تلك الامكنة. الذاكرة بعثرتها رياح السنين وعواصف المسافة. لذلك تراه يقرفص على العتبات معذبا، حزينا، باكيا، لا تبوح له شفة أو تلوح له يد. وأول مهامه، عندما ينهض، وضع الازهار على قبر من يحب. إننا أمام شاعر منازله من تراب، أثوابه من تراب وسدرته من تراب. لكنه لا يترك أثرا في التراب. وعلامته في العالم هي القصيدة. نتبعها فنجد فيها ما لا يمكن أن نجده في مكان آخر. وما نجده لا يعاني من الانحباس، بل يمكن أن ينطلق في أي وقت.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف