عالم الأدب

روني سوميك: اكاد اقتنع بغربتي المزدوجة!

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

صدر عن المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلية، في رام الله "وجها لوجه: سجالات مع مثقفين يهود" من اعداد الشاعر الفلسطيني محمد حمزة غنايم. ويضم مقابلات مع كبار مثقفي وشعراء اسرائيل، جدية ومهمة. فواضع الأسئلة، محمد حمزة غنايم، "كإنسان فلسطيني يقف في مجابهة مصيره الثقافي في دولة تطلق على نفسها اسم "دولة اليهود" ولا تعترف به او بمكانته او مكانة ثقافته على خريطة هذه البلاد".
المجيب على أسئلة هذا الشاعر المنفي داخل دولة احتلالية، هو هذا المثقف الإسرائيلي الذي صار لزاما عليه "ان يتكلم بوضوح... ان يقول كفى للموت والقتل والحصار والتشريد، ونعم لقضية السلام العادل المؤسس على قرارات "الشرعية الدولية المعروفة التي يواصل تجاهلها من باب lt;اضعف الايمانgt;". ضم الكتاب 12 مقابلة. ننشر هنا بأذن من المؤلف نفسه، نص المقابلة مع الشاعر العراقي الأصل روني سوميك:
عرفت روني سوميك منذ مطلع الثمانينات. ايام كانت الامور سيئة بصورة مثالية، على حد تعبير الشاعر العبري الشيوعي الكساندر بن. كان ذلك في تل ابيب منتصف الثمانينات، وكان سوميك قد نشر حتى ذلك الحين ثلاث مجموعات شعرية على ما اظن، جعلته خلال اقل من عشر سنوات واحدا من شعراء الطليعة المهمين في اسرائيل. جاء روني سوميك استمرارا لما اصطلح عليه النقد الادبي العبري بـ "ثورة الحداثة" التي شهدها الشعر العبري الحديث قبل ذلك بعقد من الزمن، سنوات معدودة قبل حرب 1967 . كانت مواد اشعاره "كوزموبوليتية" منذ البداية: مُغني الرّوك الى جانب عبد الوهاب، صوفيا لورين وكليوبتره، بغداد وباريس، تل ابيب والقاهرة، اليركون والنيل... وبقية عناصر الاقاليم والحضارات المتوسطية.
قصائده ذات طبيعة شاعرية متحركة، وهي تتمتع بطبقات على طبقات من القول، وقد تكون وفقا لمناخاتها وانتماءاتها الراهنة مقولات سياسية حادة ايضا. فهو شاعر لا يمكن ان تضبطه متلبساً موقفا او قولا عنصريا، وعلاقاته المتميزة بعدد كبير من الكتاب والشعراء العرب هنا وفي الخارج تعكس موقف صاحبها على خريطة الصراع، وتضعه الى جانب العدل والمحبة والتسامح والسلام، باعتبارها قيما حياتية اولى بالنسبة لشاعر من نوعه.
خلافا لغيره من الشعراء العبريين من اصل شرقي، كانت طريق سوميك واضحة منذ البداية، و "مضمونة" ايضا. فهو تمرد على الجذور ليعود اليها بطريقته، ولم يبحث عنها اصلا لانها كانت في داخله منذ البداية، مع انه غادر بغداد دون ان يكون قد تجاوز السنة ونصف السنة من عمره. اعجبتني اشعاره، وكنت اول مترجميه الى العربية. في كل مرة يكتب فيها قصيدة جديدة، احس كم انا قريب من هذا الشاعر، فهو يحكي بمفردات من عالمي انا ايضا، ولا يستسلم للسموم العنصرية التي تبث من كل الاتجاهات، ويؤكد - يحلم باستمرار، ويقول: "اتمنى ان نستيقظ يوما ونقول لانفسنا: ايها الاصدقاء، لم يكن ذلك جديا، كنا نمزح"!
التقيت روني سوميك في بيت سوكولوف بتل ابيب في مطلع تموز من العام الماضي (2001)، بعد انفجار "الدولفيناريوم" فيها بعدة ايام. فور جلوسه ناولني عدة اوراق كتبها بالعبرية، على شكل نص يدمج بين النثر والشعر، مكتوب باسلوب من يقوم باجمال مسيرة في العمر، ويلخص قناعاته عنها. قرأت:
"فبراير 1991 . بعد 39 عاما على ميلادي فيها (بغداد)، عدت اليها. وبصورة ادق: التقيتها في مختبر التشريح في مستشفى "سوروكا" في بئر السبع. كانت تلك ايام حرب الخليج، وكنت وصلت الى هناك لكي اتحدث الى افراد شعبة الانقاذ العسكرية. توقع الجنود هجوما غازيّاً، فقرروا في تلك الاثناء اشغال انفسهم بالمحاضرات. انا تحدثت عن الشعر، عن الشعر الذي في بطن الكاميرا التي امتد بداخلها فيلم الحرب..
"كانت ثلاجات النيروسته ذات تكتكة مثيرة للرعب، مثل بصمات الدم المتخثر على اكياس النايلون المنتشرة في صفائح القمامة. كل عدة دقائق، كانت تكتكة الثلاجات تتعاظم، فتخيلت ابوابها تنخلع من محاورها الفولاذية، وقطعها تتناثر حول القصائد التي قرأتها وحول الخاكي المهمل لدى جنود الاحتياط. ومن الجوار اتت ثرثرة الراديو الذي كان بانتظار "الافاعي السامة" ("افعى سامة" هو الكود الذي بثته اذاعة وتلفزيون اسرائيل، في حرب الخليج الثانية مطلع العام 1991 ، لتحذير المواطنين الاسرائيليين من هجوم عراقي بصواريخ "سكاد"). قرأت قصائد عن الحرب، كتِبت بقلم كان بداخله بارود بدلا من الحبر. في نهاية الحديث، بادرني احد الجنود بالطلب: "احكِ شيئاً عن نفسك..".
- ماذا، سألت.
- اين ولدت، مثلا؟
"استجمعت الهواء الى رئتي، وقلت: في بغداد.
(...)
"فبراير 1991 . مرة ثالثة اجلس في الغرفة، قناع الغاز بجانبي، اشاهد في التلفزيون الجنرال الامريكي شوارتسكوف يوجّه عصاه نحو احد جسور دجله. ارسم بجانبه عربة طفلي الصغير، وطلاء شفتي امي ويد ابي المنسابة فوق الشعر الرطب. في الصورة التالية قـُصف الجسر وتهدم. بالنسبة لشوارتسكوف هذه ريشة اخرى في قبعة سلاح جوه. بالنسبة لي هذا هو "فوتو كيللِنغ"...

وني سوميك ومحمد حمزة غنايم
- اتذكّر قصيدة لك بعنوان "بغداد، فبراير 91"، تحمل انطباعات مختلفة عن تلك الايام، وفيها مقولة سياسية واضحة، ترى في العراق "افعى سامة": "ايهِ دجلة، ايه ايها الفرات، / ايه ملاعب الدلال في خريطة العمر الاولى، / كيف خلعتما الجلد وصرتما سامّين؟". الم تتعجل "التفاعل" مع حالة كانت اسبابها واضحة منذ البداية، وفيها الكثر من الخلط والتضليل؟
- كان الكل مذهولا في تلك الايام. وكانت مخاوفنا حقيقية الى حد كبير. وذلك شمل الجميع، وانا بينهم. بدا هذا الواقع الجديد عبثيا، اشبه بسيرك كبير، وجميع ساسته اشبه بالحواة!
- في قصيدتك "7 اسطر عن عجائب اليركون"، تكتب: "خسارة انه لا سيرك في هذه المدينة". لو اسقطنا ما تقوله هنا على حاضرنا، لربما امكن القول: "خسارة انهم لا يعلنون عن هذه البلاد، انها بلاد السيرك، لكي نتمكن من تجاوز هذا الالم الكبير وهذا الفقدان..". او لكي تمني النفس بان كل شيء وهمي، غير جدي، او حقيقي.
- اتمنى ان نستيقظ يوما ونقول لانفسنا: ايها الاصدقاء، لم يكن ذلك جديا، كنا نمزح"!
- اين كنت عندما وقعت "عملية الدولفيناريوم" (عملية انتحارية نفذها في حزيران 2001 شاب فلسطيني في مقتبل العمر، راح ضحيتها فتية من ابناء جيله ارتفع عددهم الى 22 شخصا)؟
- سمعت النبأ في اليوم التالي، بينما كنت في القدس. دعيت للظهور في الجامعة العبرية، وقضيت ليلة الجمعة هناك. في الطريق الى الجامعة "علقنا" في موكب جنازة فيصل الحسيني، الذي كان يعبر من الشارع القريب من الجامعة، في طريقه الى البلدة القديمة. في اليوم التالي استمعت في الراديو الى النبأ، واصابني الذهول. بقيت مصدوما عدة ايام، افكر كيف يقوم هذا الواقع بانتاج مواده باستمرار، دون ان تتم عملية تبادل المادة بشكل منطقي. لذلك فإن مادة قصائدي متداخله احيانا عبر تناقضاتها غير المنطقية وليس عبر تجانسها بالذات.
- كيف تصل الى مادة قصيدتك؟ الواقع والفانتازيا يجتمعان لديك في قول شعري، وسياسي احيانا، قوي ومعبر.
- بي رغبة دائمة للعثور على الشعر في كل مكان. لا ان اكون شخصا مشطورا وموزعا. كل ما حولنا شعر. يمكنك ان تصنع من القمامة شعرا ومن الغضب كذلك. احيانا اتعامل مع بعض الاشياء التي احبها في الواقع كمسار للتحليق الى القصيدة. مثلا، عندما ارى امي تبكي وهي تستمع الى "كليوبترا" لعبد الوهاب، واتساءل للحظة عن اسباب ذلك - لماذا تبكي؟ هل تبكي كليوبترا ام ماذا؟ الاجابة عندي انها تبكي من الشوق، هي مشتاقة لاهلها لان ذلك ذكّرها باجواء بغداد، تبكي لانها الان في "رمات غان"، تستمع الى عبد الوهاب، وتعيش حالة من الحنين. ما تريده ان تصنع شيئا سورياليا، وتدخل في قصيدة عبد الوهاب، وتسأله - كما في قصيدتي "سرّ": "من انت يا سيد عبد الوهاب حتى تأخذ ملكة مصرية من كتب التاريخ وتترجمها الى دموع في كتاب ذكريات امي؟".

- مؤخرا قرأنا ان كليوبترا لم تكن جميلة من الاصل؟
- وماذا تفرق؟ المهم الاسطورة! عادة ما نجدنا نسهم في تحسين وجه الكذب. انا شخصيا اعتبرها جميلة، لذلك قررت ان اجعلها اكثر جمالا في اشعاري. مرة كتبت قصيدة عن علبة مكياج كليوبترا. لكنني اخلط كثيرا من المواد في القصيدة، لذلك اضع مارلين مونرو في نفس علبة المكياج، هذا لا يعني انني اقول: توجد روح شرقية فقط، بل هناك خليط...
- هل كنت تختار الروح الغربية ام تبحث عن توازن، عندما وضعت "ندا" غربيا لملكة الشرق؟ هل كنت تتمرد على "الجذور"؟
- ساقول لك ما هو ابعد من ذلك: انا لا ابحث عن الجذور. اتعرف لماذا؟ لانني لم افقدها ابدا! هناك اناس كثيرون ترعرعوا في بيوت شرقية، وذات يوم قرروا المغادرة، وتمغربوا. لكنهم في يوم مشمس صاف صحوا وتساءلوا: الا يوجد لي بيت، وتقاليد، الخ؟ فعادوا فجأة الى الشرق. ممتاز. اما انا فقد كانت حالات هروبي محسوبة بموعد عودتي منها الى البيت. دائما عرفت متى سأعود. لو انني جئت في سن اكبر، وكان عندي ذكريات، لكانت تلك تجربة صعبة للغاية. عشت في بيتنا الموجود في بغداد سنة ونصف فقط. واعرفه اكثر من خلال الصور التي احتفظ بها. انه اجمل بيت في العالم. في منطقة "الباب الشرقي". بغداد نفسها اجمل مدينة في العالم، مع اني لا اعرفها. مع الوقت حاولت شطب بغداد من خريطة حياتي، والقاءها من النافذة لكنها عادت تدق الباب في ايام حرب الخليج. منذ ذلك الحين عرفت انني لست بحاجة للبحث عن الجذور. بغداد هي الشرق وهي مزروعة في حديقة الخيال قريبا من الشجرة الغربية. لم افقدهما ابدا. شجرتان، هما لغتان، جعلهتهما "خلاطة" فمي لغة واحدة.
- بيتك هنا، ام هناك؟
- بيتي هو الشرق.
- بالمناسبة، انت شخصيا كنت "محميا" من العبء الذي وضعوه فوق ظهر يهود الشرق المهاجرين الى البلاد، عندما سألوهم شطب ذاكرتهم. هناك المزيد من الدراسات الشرقية التي تؤكد على صحة هذه الوقائع: إغسل دماغك من الشرق، اشطبه، وابدأ من هنا. تاريخك يبدأ معنا!
- كنتُ محظوظا للغاية انني وصلت الى هنا ولم يكن عمري قد تجاوز العام والنصف فقط. عندما وصلت، كانت علبة ذكرياتي فارغة. وباعتباري ولدا ارادوا حمايته، مررت بطفولة "المعبراة" (مخيمات المهاجرين اليهود من العالم العربي في مطلع الخمسينيات) وفق افضل الاشكال التي يمكن تصورها. في كل صباح كانوا يأخذونني الى بيت الجد والجدة، وقد وصلا قبلنا بعامين، واقاما بيتا من حجر خارج "المعبراه"، عند حدود حولون - بات يام (جنوب شرق يافا). البسوني في بيت جدي بدلة وربطة فراشة، وكنت استمع الى اخوالي يغنون فرانك سيناترا ويترنمون على موسيقاه. بعد ذلك كان جدي يأخذني الى مقهى العراقيين في حولون. ما هو مقهى العراقيين، اذا لم يكن الاستماع الى ام كلثوم طيلة الوقت، والى عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ، وبقية الفنانين المعروفين من الشرق؟ على جدار المقهى عُلقت صورتان: واحدة لبن غوريون، والثانية لأم كلثوم! "مثل العريس والعروس"! اي: ملك وملكة! عندما بدأت التعلم في المدرسة، قالوا لنا ذات يوم ان عقيلة بن غوريون رئيس الحكومة ستأتي لزيارتنا. زينّا الصفوف ولبسنا القمصان البيضاء واعطونا اعلاما صغيرة نلوح بها. انتظرتُ ام كلثوم، وخاب املي كثيرا، فقد ظهرت بدلا من السيدة الاكبر من الاحلام امرأة صغيرة متقافزة تتحدث عبرية مكسرة بدت مثل الايديش. بحثت فيها عن ام كلثوم من الصورة في المقهى، الذي كانت اسرائيل فيه شيئا مجازيا. فالكل تحدث العربية هناك، ودخنوا الاراجيل، واكلوا الخبز العراقي وكان صاحب المقهى يضع اسطوانات مخدوشة لأم كلثوم فوق الحاكي الذي عرف اياما افضل. "عودت عيني على رؤياك..." - كان جدي يغمض عينيه طويلا لسماعها، وفوق شفاهه تتجمد كل هذه السطور. كأنه كان راغبا بالقول: هذه بغداد، لكنه لم ينطق.
- لديك قصيدة عن ذلك، وضعت لها عنوانا مثيرا بشكل خاص: "ردا على السؤال: متى بدأ سلامُكَ؟"، وفيها يظهر الجدار المشترك للصورتين، العائد الى السنوات 55 او 56، وقد كتبت تقول في القصيدة: "فكرت ان تعليق رجل وامرأة الواحد بجانب الاخرى، يجعلهما بالتأكيد عريس وعروس"!. خيال طفل جامح، ام خيال شاعر جامح؟
- طفل "طبيعي" من تلك الفترة، كان يتعرف على الاشياء بشكل مباشر، اما انا فقد كنت بحاجة الى الخيال لاكتشافها. لنقل انك ترغب باطلاع ابنك على صورة للاسد. الشيء الطبيعي ان تأخذه الى حديقة الحيوانات. اما انا فقد شاهدت الاسد لاول مرة مرسوما على زجاجة العرق التي كان جدي يشرب منها في المقهى العراقي.
- هل حدثتك امك عن الباب الشرقي وعن بغداد عندما كبرت؟
- بالطبع. لكن تجربتي المؤلمة التي اعيشها ناجمة عن كوني انسانا مولودا في مكان لا يستطيع رؤيته. بي رغبة جارفة لرؤية ذلك المكان. عموما، انا لا اصدق البوم الصور الخاص بي من تلك المرحلة. تمنيت كثيرا ان اكون هناك. كان الحي الذي سكناه يدعى بستان الخاص، وفي المقاهي القريبة من مسارات دجلة شرب والداي الشاي واكلا الكعك الانجليزي، وشاهدا فريد الاطرش في "سينما الحمراء" وكلارك جيبل في "روكسي". ولدت هناك مع واجهة ذكريات خفية عن العيان. لذلك اتخيل الرحلات الى بغداد في طائرات القتال وفي طائرات الدمى ايضا. سيبدأ مسار الهبوط في مستشفى "مئير الياس"، هناك سأجد الطبيبة الالمانية الذي كانت قابلتي، ليستمر في روائح الراحة لوكوم في سوق شوغرا لينتهي في شارع الرشيد عندما سأبدأ البحث عن المصور المسيحي الذي علق فوق محله لافتة "ستوديو روني"، التي اخذ والداي اسمي منها واطلقوه عليّ.
- هل يمكن التشوق لمكان لم تره تقريبا؟
- ممكن جدا، وذلك عبر القصص. تملأ رأسك بخطوط طول وعرض، وترسم لك خريطة مبنية من القصص. عندما وقعت حرب الخليج، كنا نطالع يوميا المقطع التالي: كان الجنرال شوارتسكوف يعرض صورا يومية من بغداد امام جيوش الصحفيين التي حضرت توجيهاته اليومية حول الحرب. كانت امي تتابع الصور بتلهف، وتنفعل امام كل صورة: "تعرّف على وطنك! هنا دجلة، وهنا اكلنا السمك، وهنا الفرات، هنا سرت بك بالدراجة، وهنا كانت كل الاشياء التي لم تعد موجودة..". بعد ذلك بدقيقة واحدة، كان شوارتسكوف يعرض صورا للمواقع ذاتها بعد القصف. من جهة، كنت ابكي لانني اريد للحرب ان تنتهي ولكنها لا تنتهي، ومن جهة اخرى احسست انهم كانوا يقتلون الاماكن التي اذا فكرت مرة انني قد اكون محظوظا للعودة لرؤيتها، اصبحت هذه العودة مستحيلة الان، فقد كانوا يقصفون ملاعب طفولتي المنقطعة هذه، ويفاخرون في ذلك! ذات يوم اقنعت مخرجا تلفزيونيا كان يعد فيلما عن سامي ميخائيل (اديب عراقي مولود في بغداد ويعيش ويكتب بالعبرية في اسرائيل) ان يحصل من الـ "بي بي سي" على مقاطع ارشيفية عن بغداد في الخمسينات. جلست لمشاهدة الصور، بعيني انسان كان راغبا بالتقاط كل التفاصيل، ويريد ان يصدق انه يتذكر هذه الاماكن. فقد صرت مغتربا عنها. بعض اصدقائي من العراقيين المغتربين، من امثال سركون بولص وعبد القادر الجنابي، يقولون لي كلما التقينا: انت مغترب ايضا. لماذا، اسألهم؟ "لانك لا تستطيع العودة الى بغداد! هل يمكنك ان تفعل ذلك؟!"
- لعلك مغترب مرتين، عن اللغة وعن الوطن ايضا!
- نعم... واكاد اقتنع بما يقولون.
- لعلهم قارنوك بمجموعة المغتربين العراقيين في اوروبا، كنوع من الحل لضائقتك في البلاد!
- اخالهم فعلوا ذلك لكوني مغتربا بنظرهم. هذه هي "اخوة المغتربين"! لماذا اقول ذلك؟ لأنني لم انجح ابدا بأن اكون واحدا من "الصابرا" (مواليد البلاد)، وعندما كانوا يسألون في المدرسة اين انا مولود، كنت اجيبهم بانني مولود في بغداد، بينما كانت البقية تجيب: حيفا او تل ابيب او كفار سابا الخ.. كنت الطالب الوحيد في الصف غير المولود في البلاد. كان ثمة سحر في هذه الحقيقة. مع انها لم تكن بسيطة، في بيتنا استمعوا كل الوقت لام كلثوم.
- لديك "قصيدة عن القصيدة الاولى التي كتبتها"، تقول فيها أنك قررت مرة ان تكون لاعب كرة سلة، وانك، مع ذلك، علقت حذاء اللاعب منذ زمن بعيد، وقررت ان تصبح شاعرا. اي انك تحولت الى تسجيل الاهداف بواسطة القصائد. يخيل لي مع ذلك انك لم تكتب كيف حصلت على اسمك الجديد "سوميك"..
- عندما بدأت كتابة القصائد خفت كثيرا. كنت صاحب تجربة في لعب كرة السلة ضمن "شبيبة مكابي تل ابيب". كنت شخصين سكنا في جسد واحد، من جهة: الشاب المنطوي على نفسه، الذي يجلس لكتابة القصائد، ويخفيها عن عيون الجميع، ومن جهة اخرى كنت شخصا اجتماعيا للغاية، فلاعب الكرة مكشوف تماما امام الجمهور. ذات يوم قلت انني ملزم بالتأكد من ان ما اكتبه للجارور يسوى! ارسلت مجموعة من القصائد، بعضها لدافيد افيدان (شاعر طليعي عبري من اصحاب "ثورة الستينات" في الشعر العبري، مات في الاربعينات من العمر)، والبعض الاخر للملحق الثقافي في صحيفة "معريف". بعد فترة نشرت قصيدتي الاولى حاملة اسم "سوميك" بدلا من "سوميخ".
- هل تشاوروا معك، او استأذنوك؟ تعرف ان "سوميخ"، تنسبك مباشرة للعراق!
- كلا. كان ذلك خطأ مطبعيا استوضحته مع المحرر بعد عدة سنوات! كان محرر الادب هناك دافيد جلعادي، الذي تبين لي مع الوقت انه جد صديقي يئير لبيد (ابن الكاتبة المعروفة شولميت لبيد والسياسي اليميني يوسف طومي لبيد). في البداية غضبت كثيرا، لكنني لم افعل شيئا، وقررت التعامل مع الشكل الجديد لاسمي، بحيث اظل شخصا مزدوجا - في كرة السلة انا سوميخ، وفي الشعر سوميك، بحيث اتمكن من اخفاء الحقيقة عنهم! بعد نشر القصيدة الثالثة كشفت لمدربي عن ذلك. قال لي: سَميُّك، نشر اليوم قصيدة جديدة، وهي جميلة بالذات! قلت له انني صاحب القصيدة. عند هذه النقطة، قررت انها نهاية تجربتي مع كرة السلة. صرت افكر بسطر جديد وقصيدة جديدة.. وديوان اول. هناك ابتدأت تجربتي الشعرية. هادئة، ولكنها "ثورية" بالنسبة لي. منذ ذلك الوقت صنعت جميع "ثوراتي" بهدوء. وفي وقت تدفقت فيه الجموع نحو حركات الشبيبة، قررت الذهاب لسماع موسيقى الفيس بريسلي؛ الجميع مثلا عاشوا هنا في اجواء من الحنين، وانا قلت لنفسي: اريد ان استمع الى موسيقى الروك"..
- بماذا كنت مدفوعا، هل بالرغبة في الخروج عن الطوق الشرقي، ومحاكاة "الشماليين" (اغنياء شمال تل ابيب) واطفال الزبدة؟
- كلا. ما دفعني انني اردت توسيع مناطقي باستمرار. وفهم المزيد من الاشياء.
- عدا اغاني عبد الوهاب وام كلثوم، التي سمعتها في البيت، اية ثقافة كنت تعرفها منذ الطفولة؟
- لم اعرف الادب مثلا، سوى بعض حكايات الف ليلة وليلة. فقد كانت تلك هي الحكايات التي رووها لي، ومثلما كانوا يحدثون الاولاد في تلك الفترة عن "-ينوكيو"، حدثوني عن شهرزاد. احسست مع ذلك بشيء لا يمكن تفسيرة، فيه الكثير من روح الشرق، وانني موجود عند مفترق طرق من الصعب عليّ ان اشرحه لنفسي. في سنة 1960 جاءت عمّتاي ووالدي من بغداد، بعد ان مكثوا فيها حتى سنة 1960 . في البلاد لم يتحدثوا العبرية، بل العربية. في الخارج تحدثوا بالفرنسية او الانجليزية، اما البيت فقد كان بمثابة "محمية الشرق الطبيعية". مثلا: كانوا يشترون البطيخ لعام كامل! وكانوا يربون الطيور، وكان البيت مليئا بالزعتر واللبنة والزيت وكل شيء. هذا شيء يصعب وصفه. حتى جهاز التلفزيون عندهم كان مفتاحه مكسورا فوق زر محطة اذاعة مصر!
- هل استمعوا الى عبد الناصر؟
- بالطبع. كان ذلك احد اكبر المسائل التي تجادل فيها والدي مع الجيران. ذات يوم جاءه الجيران وسألوه: كيف يمكنك سماع ام كلثوم، التي تقول انها تريد ان تغني في تل ابيب بعد ان يحتلها عبد الناصر؟ اجابهم بانه على رغم ذلك سيواصل الاستماع لأم كلثوم. فسكتوا. هناك اشياء لا يمكن المجادلة فيها.
- تحدثنا حتى الان عن البدايات. وبقفزة كبيرة الى اليوم، يبدو انك قطعت طريقا طويلة، كنت خلالها قصة نجاح محترمة. هل انت راض عن وضعك اليوم؟
- انا لا اتذمر لعدة اسباب. اولا، لم يظلمني احد. ولو لعبت دور المظلوم لكنت وصلت الى ما هو ابعد من ذلك. لكنني لقيت معاملة حميمة، حسنة. في مرحلة معينة عند بداية الكتابة، كانت تلك قصة "سندريلا"، بكل معانيها. عانقوني اكثر مما لو اعرضوا عني. كذلك فهي نوع من الحظ. هناك اماكن وحالات ينكسر فيها البعض حيث لا انكسر. الناس من حولي اعطوني قيما تربوية كبيرة. كانت فلسفتنا في العائلة تقول ان عليك ان تكون قانعا بنصيبك. عشت في حي مختلط وقريب من حي للاغنياء - "نفيه مشكان" (في الجنوب الفقير) قرب "تساهالاه" (حي الاغنياء). كان بعض سكان الحي الغني يأتون الى حيّنا لتعلم البيانو عند المعلمة التي سكنت في الحي. كان الحي مختلطا من يهود رومان وبولونيين وعراقيين وفرس واكراد وهنود.. الخ. كنت مليئا بالغيرة من هؤلاء الاولاد الذين كانوا يأتون لتعلم البيانو. فقد رغبت بتعلم الموسيقى، لكن والدي لم يكن قادرا على ارسالي لتعلم الموسيقى. لم يقل لي انها مكلفة وانها للاشكناز. كان يقول لي: "قل لهم ان لا احد سيجبرك على ذلك!"، ويضيف: "انظر الى من وضعهم اصعب من وضعك. حاول ان تكون معهم". علمونا كل الوقت انك اذا جابهت عاصفة، فمن الافضل لك احيانا الا تكون شجرة سرو. لأنها ستنكسر عند تلقي ضربة قوية. اما السنابل، فتنحني، لتتجاوز العاصفة، وتبقى.
- ذلك يصلح في كل الاوضاع.. وبالنسبة لك كشاعر؟
- كلا. لكنني قدمت نماذج من الحياة. اما اليوم، فقد تغيرت بي اشياء كثيرة. انا ضد الاغلبية. فجأة اجد بي رغبة للصراخ، للخروج في المظاهرات، وتغيير الامور، وان اكون سروة لا تكسرها الريح. واذا انكسرت في الريح، فلا بد ان تعرف كيف تترك فرعا يعيد انباتها من جديد.
- ماذا يثيرك في هذا المكان؟ في هذه البلاد؟
- يثيرني كثيرا الاحساس باننا لم نعتد حقيقة اننا نعيش في الشرق الاوسط. هناك من يحاول التنكر لقوانينه ومناخاته واصوله. كل من لا يفهمها لا يمكنه ملامسة الجذور. هناك اشياء كثيرة ايضا تأتي بصورة طبيعية. واذا كنا قد قرأنا مثلا في الخمسينات ان الحمص موجود فقط عند العرب، صرنا نجد اليوم ان الدولة كلها تاكل الحمص!!
- هناك من قال انهم يلتهمون الحمص في شمال تل ابيب (الاغنياء) اكثر من جنوبها (الفقراء). الحمص للاغنياء. انا اضطررت لدفع ثلاثين شيكلا مقابل صحن حمص واحد في "رمات افيف" (حي غني في شمال تل ابيب)!
- قبل ثلاث سنوات قلت انها "معجزة الحمص"، الذي وحد الاغنياء والفقراء. انا لست مستعدا لدفع هذا المبلغ مقابل صحن حمص!
- اين يقع "خط الفقر" لديك؟
- في بلادنا يتحدثون عن "خط الفقر" كأنهم يمدون خطا وهميا، ويقولون: من تحته الفقر. قلت لنفسي سأشد هذا الخط للانطلاق نحو طفولتي. لأجد قصة الولد الذي عاش فقيرا ولم يعرف انه كذلك. وفقط بعد سنوات عندما تأمل سيناريوهات حياته، اكتشف انها كانت سيناريوهات عن الفقر.
- عرفت انك فقير، عندما كنت عاجزا عن تعلم البيانو في الحي..
- كان ذلك فيما بعد. لكنني عرفت بعد انتهاء طفولتي ان البيانو للاغنياء فقط. في فترة الطفولة لم ادر ان هناك عالما اخر، "سافيون" مثل (حي غني شمال تل ابيب)ا. كل ما عرفته هو "المعبَراه". بعد ان تعرفت على المحيط ادركت اننا هنا ازاء نظام مختلف. كل فرد في العائلة له غرفة خاصة به، بينما بيوت الفقراء تكونت من غرفة او اثنتين، ضمتا جميع افراد العائلة. كان ذلك وضعا مشروخا تماما. فقد كانت عائلات الاغنياء "محلقة كل الوقت"، ولذلك دفع ابناؤها ثمنا باهظا لم نكن مضطرين لدفعه. اول مرة غادرت فيها اسرائيل كانت بعد ان تجاوزت الثلاثين من عمري، اما طفلتي فتحلم منذ اليوم بباريس، فلديها كل العالم مسافرون. الاطفال سريعو التكيف مع السفر. بكل ما في الكلمة من معنى. عرفت ان من يتعلم البيانو لا بد ان يأتي من عائلة تسمح لها ظروفها بذلك. انا اليوم مثلا اسكن في رمات غان، وارغب بالانتقال الى تل ابيب، لكنني لا استطيع السماح لنفسي بذلك. في كل الاحوال، ارى انني ولدت متفائلا. وهو ما يجعل الامور صعبة امامي اليوم، عندما اجدني اتمسك بالتفاؤل بأطراف اصابعي. انها ارادة البقاء ما يجعلني متفائلا. الواقع لا يشي بالتفاؤل.
- ما الذي يجعلك متمسكا بهذه القيمة الحياتية في واقع يجعلك تقول كل هذا الكلام ضده؟
- لديّ امكانيتان: ان ابقى هنا واواصل الحلم، او ان اصير مثل مختلف الناس الذي التقيهم في العالم - اترك الدولة واعيش في مكان اخر. لكنني اعتبر الوطن لغتي. وطني الاول هو اللغة. بطبقاتها المختلفة، وديناميكيتها وطاقاتها الكامنة، التي تجعلك كل الوقت "مافيا من رجل واحد". وحيد في معمعان السفر. الوحدة هي ما يميز عالمي. او كما قالت لي صديقة ذات مرة: "يوجد مثل كل هذا العدد في الغرفة، ولا احد هناك"! اردد لنفسي دائما على طريقة كتّاب الاطفال انني اذا بقيت مع نفسي فلن اصير وحيدا ابدا. انا رجل الحالات المتطرفة. مع ذلك فانني ابدو مثل ذلك الرجل الذي ضل في الغابة مرة، وكم كانت دهشته كبيرة عندما اكتشف ان البيت بيته.
- هل تشعر انك في البيت؟
- نعم. ولكنني اتشوق للبيت الذي ولدت فيه. في هذه الاثناء حولت نفسي الى مقاول ترميمات دائم في البيت الجديد. لانني ما زلت عاجزا عن تأثيث بيتي الجديد، وعندما افتح النافذة ارى اناسا لا يفهمون حقيقة الاقليم في المكان الذي فيه يعيشون.
- هناك رغبة دائمة لدى قرائك ونقادك لنسبك باستمرار للشعر الشاب، الطليعي، الثوري، ليس فقط في مجال الشعر. لعل ذلك يعكس رغبة معينة لدى المؤسسة الادبية لديكم بالاحتفاظ بك في هذه الخانة، وابقائك خارج دوائر التقاليد الشعرية التي وضعها الاسرائيلي دافيد افيدان وغيره في الستينات، وحرمانك من مواصلة هذه التقاليد. هل توافق على ذلك؟
- قد يكون تشخيصك صحيحا، لذلك احاول التصدي لهذا التوجه باستمرار.
- من كتب عنك من نقاد الادب العبري البارزين؟ دان ميرون؟ مناحم بيري؟ غبريئيل موكيد؟
- موكيد كتب دائما عن اصداراتي الجديدة، بكثير من الاهتمام. ميرون وبيري لا يكتبان عن الشباب. انهما ينتظران ان يصنع الشاعر كارييرا شعرية من خمسين عاما على الاقل ليكتبا عنه!
- مناحم بيري تبنّى الكثير من الاسماء الشابة عندكم.. في النثر اساسا..
- تعرف ان بيري مدرسة مختلفة عن موكيد. لكنني لا اعير ذلك اهتماما كبيرا. انا "أوت سايدر". او كما قلت لك: "مافيا من رجل واحد". جميع كتبي طبعت اكثر من خمس طبعات. قبل شهرين فقط اصدرت مجموعتي الشعرية "طبّال الثورة"، وقد طبعت منها للان طبعتان. مختاراتي السابقة طبعت منها ست طبعات، كانت الاولى في الفي نسخة. وفي كل مرة الف نسخة جديدة. تخيل هذا العدد من قراء الشعر العبري. ما يهمني هو ان اكون ما اريد. لا اريد الانتماء لمجموعة هذا الناقد او ذاك. لن اتمأسس ابدا! اعتز بعشرات المقالات التي تنشر عن كتبي، بدلا من التسلي بتحصين انتماءاتي الفئوية. ليس عندي شيء من هذا القبيل. هناك اشياء كثيرة تحدث في العالم تصنع هذا الاهتمام الكبير بشعري، هنا وفي الخارج، حيث ترجمت الى عدد كبير من اللغات.
- اذكر انهم سألوا الحائز على جائزة نوبل في الاداب، شيموس هيني، عن الشعراء العبريين الذين يعرف ويهتم بنتاجهم. فأجاب: دان باغيس، ط. كرمي، روني سوميك ويهودا عميحاي.
- هذه شهادة اعتز بها، واعتز بشهادة الن غينسبرغ، الذي قال انه يحب اشعاري كثيرا. هذه الشهادات عندي اهم من الفئوية النقدية التي يؤسسون لها كل الوقت عندنا. قوانين الغابة الاساس تقول انه لا توجد قوانين. وفي هذا الصدد تهمني ردود الفعل اكثر من مأسسة الذات.
- المؤسسة تعاملت مع مُنجزك الشعري دون ان تؤسس له..

- نعم. وانا سعيد بذلك. على الصعيد الشخصي ذلك يعني لي ان التحصيل والانجاز "امر مربح". ويعني من الجهة الاخرى ان المؤسسة تقوم باجهاضنا باستمرار. لدينا قادة ادب ايضا، يقودون رابطة الادباء مثلا، لكن احدا لم يسمع بهم! اما انا، فاكتفي بجمهوري، الذي سمع بي، ورعاني. لانني لم ازيف نفسي.
- كيف تنظر الى مجتمعك الواسع، وما يتنازعه من اختلافات؟
- ساجيبك بـ "قصيدة اجتماعية" كتبتها مرة عن "وحدة الشعب" والموقف الواحد الخ: "الخطر وحده - قال شارل ديغول مرة - هو ما يوحد الفرنسيين. لا احد يمكنه صنع وحدة الشعب مع مائتين وخمسة وستين نوع جبنة. وكم نوع جبنة يوجد عندنا؟ اقل. اقل من ذلك بكثير. وعموما، فان صلات الوحدة ما زالت تحاك من خيوط الخطر. لذلك احتفظ في خيالي بوحدة تفكيك الالغام. سيجد جنود الوحدة في الحقل المجازي اللغمَ الاجتماعي، واللغمَ الطائفي واللغمَ القوموي وحتى اللغم الذي سيخفي الذئب تحت وسادة الخروف..".
- هل تعاملت مع هذه "الالغام"؟

- اعتقد انني صنعت منها مادة لاشعاري.
- هل توافق على التعريف "عفريت طائفي"؟
- كلا. اعتقد ان "عراقيتي" تنعكس عبر ما اكتب. ولن يأتي يوم الوّح فيه بقصائدي كشعارات تصلح للتظاهر.
- قصائدك حملت الكثير من "خطابك السياسي" على الدوام..
- صحيح. عالمي الشعري مشبع بالسياسة. في حرب لبنان 82 كنت ضد ما يحدث بوضوح. اكتب كثيرا عما حدث لهذه الدولة. اكتب الياسمين والقيود والحروب. قولي السياسي ليس مموها. قبل شهور كتب ساسون سوميخ ان كتبا كثيرة صدرت عن "المعبروت"، لكن قصيدة واحدة لروني سوميك تتمتع بقوة اكبر منها مجتمعة! هذه شهادة مهمة على ان رسالتي الادبية قد وصلت. اولئك الذين خرجوا في المظاهرات "الطائفية" كتبوا بصورة تظاهرية، بينما اخترت انا ان اكون القوة الصامتة.
- انت لا تدعي مواصلة تقاليد شعرية عبرية معينة..
- اتطلع لمواصلة ما صنعه عميحاي وافيدان ويونا فولاخ وداليا رابيكوفتش.. عيني على هذه الاماكن. واكثر من ذلك: حتى عندما تكتب اليوم قصيدة ساذجة للغاية، فان حقيقة كونك تعيش هنا تسيطر على القصيدة. وسأعطي مثلين: يخططون في امريكا الان لاصدار مجلة تنشر "قصائد متفائلة" فقط. وقد طلبوا من الشعراء تزويدهم بالنصوص. ارسلت لهم "قصيدة عن السعادة": "نحن في الكعكة مثل دميتي العريس والعروس. حتى عند مجيء السكين، سنحاول البقاء في نفس القطعة". وقد كتبت لي المحررة تقول ان شاعرا يعيش في اسرائيل فقط يمكنه ان يرسل لي قصيدة عن السعادة تحتوي على كلمة سكين. هناك مثل اقوى: مرة شاركت في امسية شعرية في جامعة اوستين تكساس الامريكية. في نهاية الامسية قال لي احد المشاركين انه يكتب رسالة دكتوراه عن الطريقة التي يصف بها مختلف الشعراء في العالم مشهد الغروب. لا يمكن ان تكون القصائد الرومانسية عن الشمس الغاربة سياسية. معظم الشعراء الفرنسيين - قال لي محدثي - الذين يصفون مشهد غروب الشمس يكتبون ان "الشمس حمراء كالنبيذ". ومعظم الشعراء الانجليز يحكون عن السوسن، اما الشعراء اليهود فيشبهونه بالدم. ما اريد قوله انه لا يجب كتابة قصائد ذات عنوان سياسي. يكفي ان تدخلها تشبيهات وتصاوير الواقع، لتصير منتمية الى هذا المكان. فهي تتغلغل الى الاماكن الاكثر قربا من الذات. لو نهض اليوم شاعر عبري وقال انه لن يكتب سوى عن الفراش والطبيعة فقط لكانت قصيدته سياسية. فالحياد هنا موقف. وكل شيء هنا سياسة.
- ما هي غاية كل ما يؤديه روني سوميك، هنا، والان؟
- عندما كنت شابا صغيرا وكانوا يسألونني عن وجهتي، كنت اجيبهم بانني سأعرف اين كنت عندما سأعود. اليوم اختلف الامر، بعد ان اقمت بيتا لي. كل شيء محسوب سلفا. هذا هو احساسي. اواصل التجديف في نفس سفينة نوح جاعلا من ذراعي مجاذيف للخوف. نحن نعيش عند حافة بركان. انني ابكي على كل ما يحدث اليوم. لا اكتب، بل ابكي. واهجس بالشعر باستمرار. مرة كنت في استكمال دراسي في "شلومي" بحكم عملي في سلك التعليم. كان ذلك سنة 1997، وكان علينا الوصول الى نقطة قريبة من "الجدار الطيب"، حيث امكن للجميع الاشراف على ما يحدث في الجنوب. قريبا من المطلة. في تلك اللحظات انفعلت كثيرا، وعندما عدت الى نفسي كتبت قصيدة بعنوان "الى متى سنظل نذهب للنوم بعد الغواني"، هذا نصها: "الى متى سنظل نذهب للنوم بعد الغواني / ونستيقظ قبل بائع الحليب. / من بقي مستيقظاً يحلم بالمسافة / بين الرضيع والضحية، / وقرب الباب كانت ذاكرة الموتى / كزجاجات حليب احضرها بائع حليب الموت / من ساحات القتال". بعد هذه القصيدة اتصلت بي امرأة وقدمت نفسها على انها ضابطة التربية في شعبة عسكرية كذا وكذا، وسألتني: كيف يمكنني ان اقرأ هذه القصيدة امام جنودي؟ قلت لها: لا تقرأيها! اجابت: ارغب بالقراءة، لكنها قصيدة قوية. بالتالي وعدتني بأن تفكر. ذات يوم جاءني احد طلابي، وكنت اقف بجانب قصيدتي، وقد رسموها على الحائط كتعبير عن اليأس، او كقصيدة تحكي اليأس، مع ان كل ما اردت قوله فيها: متى نبتعد عن هذا "الزفت" المحيط بنا، لأن النوم كل الوقت بعد الغانية والاستيقاظ قبل بائع الحليب يعني البقاء باستمرار وسط هذا الضغط وهذه الفوضى. لا فرق بين طفل وضحية. انت تقتل وهم يقتلون. انت تقتل الاطفال، وهم يقتلون الاطفال. كل شيء في تدهور مستمر. كشاعر، اقول لك اننا رضعنا حليب ذلك البائع الذي كان يملأ زجاجاته قرب الباب بالموت.
- هل تغير شيء اليوم؟
- ساطلعك على حكاية من شبابي الاول: قبل ثلاثين عاما تراسلت مع بن غوريون. كنت في التاسعة عشرة من عمري. كنت شابا صغيرا، وهو رئيس حكومة، ويحظى باحترام كبير في البيت الذي تربيت فيه. وقد انهى مرة احدى رسائله الي بالقول: "الان، وبعد عشرين عاما فان الدولة اليهودية المؤملة لم تقم بعد. ولا اعرف كم من الوقت سيمر حتى تقوم". اثارت هذه الاسطر قشعريرة في جسدي وهي تثيرها اليوم ايضا، لذلك فانني انتظر اللحظة التي سنبدأ فيها ممارسة وجودنا "بحق وحقيق". بعد ان يتحقق العدل فوق هذه الارض. حتى ذلك الحين، لعلنا نكتفي بنوع واحد من الجبنة، يضم بداخله كل مذاقات الجبنة في العالم. وانا بدوري سأظل أضع فوق هذه الجبنة قليلا من الياسمين والشعر. نطولوجيا أشعار روني سوميك بالانكليزية والعبرية
شُـفوف
نشرتفي اسبوعية عزمي بشارة "فصل المقال" في 4 تموز 2002

طيبٌ يدرس الاداب في جامعة تل ابيب
يحمل محفظةً وضع فيها كتاب قواعد اللغة، ودراسة
عن محمود درويش
المحفظة شفافة لانه، في هذا الصيف، محفظة أخرى
قد تثير الشكوك في أعين الشرطة الرنتجينية، ويُنظر اليه
كمن يخبىء قنبلة.
يقول ابوه :" حتى هذا سيزول في الغسيل
عما قريب ان شاء الله" ثم يعلق على حبل الايام
ثيابا تقطر منها بقع الهوان. ولكن
الحياة لا بد ان تذهب الى السوق وهو يذهب معها
لشراء الزيتون باللهجة العامية، ولنظم قصائد
الزيتون بالفصحى
وعلى كل حال فطيب الآن جليّ تماماً
جلد يديه المشدود
لا يخفي حزمة العضلات
ولا الغضاريف المرنة التي تكمن بين العظام
ولا انابيب الدم التي يستطيع سبّاح اليأس
ان يسبح، مخموراً، ويبلغ السفينة
حيث رفع منقذو السباحة
علماً اسود
ترجمة ساسون سوميخ

فصل من كتاب "وجها لوجه: سجالات مع مثقفين يهود" لمحمد حمزة غنايم، الصادر عن دار الايام"المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلية" في رام الله مطلع هذا العام. ننشره بالاتفاق مع المؤلف

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف