أحقاً عاش بيكاسو بروح مودلياني
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
فلم "أميدو مودلياني" للأسكتلندي ميك دافيز
قبل أن يباشر بوضع الخطوط الأولية لفلمه "أميدو مودلياني" كان ميك دافيز Mick Davis المولود في كلاسكو الأسكتلندية، قد كتب أكثر من سبعين عملاً فنياً، وكان قد أصبح
وظف المخرج ميك دافيز تلك الحالة المرصودة بين بيكاسو ومودلياني بشكل متقن، بحيث أصبحت الإطار أو الهلالان اللذان يحتويان أحداث الفلم، من خلال الدقائق العشرة الأولى والأخيرة من الفلم. ففي البداية يظهر بيكاسو في احدى مقاهي باريس وهو في كامل حلته، يشارك في مسابقة ترفيهية شبه يومية كانت تجرى في المقهى " رسم شخصية معينة خلال دقيقة واحدة " - نكتشف فيما بعد أنهم كانوا يتسابقون لرسم شخصية مودلياني معتمدين على خيالهم - عند الإنتهاء ناول بيكاسو رسمته إلى النادل، وحين طلب النادل توقيع بيكاسو قال:، هذه الورقة لك من أجل تغطية مصاريف هذه الجلسة وليست لشراء المقهى بكاملها، هذه العبارة كانت كافية ليتعرف المشاهد على تلك الحياة البرجوازية المترفة التي كان يعيشها بيكاسو. بعد تلك اللقطة مباشرة، تظهر أقدام رجل يدخل المقهى وسرعان ما يقفز على إحدى الطاولات، يظرب الطاولة بكعبي الحذاء ظربتين متتالتين فيصمت الجميع ليظهر مودلياني وفي يده باقة كبيرة من ورد الروز الأحمر، يلقي التحية على الحظور وبحركة مسرحية متقنة ينثر الورود على الحضور ويحتفظ بواحدة. يهبط من الطاولة ويتقدم نحو فتاة حسناء، يداعب وجنتيها برقة قائلاً: "مستقبل الفن يكمن في وجه إمرأة ... جميلة "، يتقدم نحو بيكاسو وفي يده الوردة الحمراء، وعلى مسافة أمتار يسأله عما إذا كان يعرف الطريقة المثلى التي يضاجع بها رجل عشيقته، حينها يتقمص شخصية إمرأة مغناج
كان ذلك المشهد الذي خلا من الموسيقى وأكتفى بصوت مودلياني وأصوات الزبائن الساخرة، كافياً ليظهر ذلك التنافس أو الصراع بين بيكاسو ومودلياني، وفي نفس الوقت يفصح بشكل واضح قدر االإهتمام والحب الذي يكنه الواحد للآخر.
الفلم يبدأ بمشهد استهلالي على غرار التقليد السائد في الأعمال المسرحية، مشهد بسيط بتكوين سينمائي مؤثر لا يحتوي من الحوار سوى سؤال واحد. يبدأ بلقطة قريبة لوجه إمرأة منهارة ترتدي فستان من القديفة الأزرق، غارقة العينين، تحاول أن تلملم بقايا روحها اللاهثة بسرعة جنونية صوب الإنهيار، وهي تطرح سؤالها بكل وضوح على عموم البشر، أو على قانون الحياة الذي شُرِّع دون إستشارة أحد " هل تعرفون الحب؟ الحب الحقيقي؟ هل عرفتم يوماً بأن أحداً فكَّر بالموت من أجل حبه؟ إنها أنا ". كانت تلك المرأة هي جيني عشيقة مودلياني. بذلك السؤال وتلك الصورة، يبدأ المخرج الأسكتلندي ميك دافيز Mick Davis فلمه الدرامي " أميدو مودلياني "، الذي جعلته القطة الأولى عبارة عن فلم يعتمد الفلاشباك.
حين حل مودلياني في باريس عام 1906، وأصبح يبحث له عن مسكن يأويه، كان بيكاسو منشغلاً في رسم بورتريتية " جرترود شتاين " الكاتبة الأمريكية المقيمة في باريس آنذاك، والتي إلتقى بها منذ وصوله إلى باريس بداية القرن العشرين، وكانت شتاين حريصة على شراء لوحات بيكاسو وراحت تجمعها، ولم تكتفي بذلك بل عملت على فتح سبل العيش الرغيد بوجه بيكاسو حين قدمته إلى كبار الكتاب وأساتذة الجامعات الذين سرعان ما حذوا حذوها ليصبحوا أبطال بورتريتات بيكاسو مقابل أموال لا بأس بها. في تلك الفترة تحديداً تعرف مودلياني على الوسط الفني الباريسي، ليكون فيما بعد من أهم سبعة فنانين تشكيليين عرفتهم شوارع وستوديوهات ومقاهي باريس.
الفترة التاريخية التي شغلهتا أحداث الفلم، هي فترة عام واحد، وبالتحديد شتاء عام 1919، العام الأخير من حياة مودلياني، مع بعض اللقطات الضرورية والسريعة لماضي
لم يغير أميدو مودلياني - لعب شخصية مودلياني الفنان آندي غارسيا Andy Garcia الكوبي المولد، الأمريكي النشأة، حيث ولد في العاصمة الكوبية هافانا، وكان في سن الخامسة عندما هاجر مع عائلته إلى فلوريدا - من طبيعة حياته العابثة على الرغم من إخبار زوجته له بأنه أصبح أب لطفلة جميلة، بل اكتفى بثورة غضب قصيرة أنَّب فيها عشيقته بسبب الفقر وسوء الحال الذي يعيشه، ولكن الذي تغير هو السعي الحثيث الذي أظهرته جيني من أجل إقامة بعض المعارض لمودلياني بهدف تحسين حالته المعاشية، حتى أنها قدمت تنازلاً كبيراً لبيكاسو الذي ذهبت اليه تطلب موافقته على قيام معرض فني مشترك بينه وبين مودلياني، حينها وافق بيكاسو على عرض لوحة واحدة لكل منهما في صالة المقهى على أن تكون هي الموديل الخاص به. وافقت جيني على الطلب الخبيث الذي أبداه بيكاسو على الرغم من أنها تعرف تماماً بأنه يثير غضب عشيقها، وبالفعل، فحين شاهدها تجلس على الكرسي أمام بيكاسو، قام بتمزيق اللوحة خاصته ليعلن بذلك رفضه العرض مع بيكاسو الذي لعب شخصيته الفنان الإيطالي أوميد غاليلي Omid Djalili.
سيطرة فكرة الفلم - الصراع والحب الذان كانا بين مودلياني وبيكاسو - على أغلب مقاطع الفلم، حتى أن مرض السل الذي كان يعاني منه مودلياني لم يأخذ من حيز الفلم سوى
يشتد الصراع أو التنافس بين مودلياني وبيكاسو حين يدون الأول اسمه في قائمة أسماء الفنانيين الذين يرغبون بالإنظمام إلى معرض اللوحة الواحدة المشترك، كانت القائمة معلقة على أحد جدران المقهى، وحين يكتب مودلياني اسمه على الورقة تتجه أنظار جميع من في المقهى بما فيهم مودلياني إلى بيكاسو الذي سرعان ما يهبط من زاويته المخصصة له ليأخذ قلم الرصاص من جيب مودلياني ويكتب اسمه، عندها تتعالى الأصوات ابتهاجاً ليرتفع الإيقاع الدرامي للفلم، وهنا يجسد المخرج دافيز فكرته عن تلك الأجواء الباريسية، ففي إحدى لقاءاته الصحفية وفي حديثه عن فلم " أميدو مودلياني " قال: " أردت أن أعمل شيأً مختلفاً في عالم الفن من خلال الفلم، كنت مؤمن بأن باريس في عام 1919 بكبار فنانيها وأدبائها، لاروتوندي، مودلياني، بيكاسو، ريفيرا، كوكتيو، جاكوب، ساوتيني، أوتريليو، ستيني و أبولينياري وغيرهم، كان عالمهم يشبه عالم الروك أند رول في ستينيات القرن المنصرم. "
كانت الجائزة المخصصة للوحة الفائزة في ذلك المعرض " معرض اللوحة الواحدة " خمسة آلاف فرنك فرنسي، أي أن المبلغ يمكن أن ينتشل المرء من الفقر، إلا أن الفلم أظهر روح التنافس الفنية وإثبات الوجود بعيداً عن مبلغ الجائزة. بدأ الفنانون العمل، بيكاسو، مودلياني، ريفيرا، أوتريليو وآخرون، ومن الطبيعي أن تكون فكرة العمل هي البداية، وهنا وظف المخرج بشكل مكثف شخصية الطفل الذي يسكن روح مودلياني والذي كان مثار الحسد عند بيكاسو، فعلى الرغم من أن الطفل كان يظهر بين فترة وأخرى إلى جانب مودلياني، إلا أنه في تلك المرحلة أصبح أكثر حضوراً، وأول ما فعله مودلياني، قيامه بسرقة الفستان الأزرق الذي أعجب جيني سابقاً من المتجر بعد أن حطم زجاج المعرض، لبست جيني الفستان وجلست أمام مودلياني الذي أخذ يتطلع لها والطفل إلى جانبه يدندن ومودلياني بلحن طفولي خاص، حاول مودلياني أن يختار وضعية الموديل مستشيراً الطفل عدة مرات، وفي النهاية وافق الطفل على وضعية معينة فبدأ مودلياني الرسم. في تلك الأثناء كانت عدسة التصوير تنتقل من فنان إلى آخر، كان بيكاسو قد جرب أكثر من موديل وحطم أكثر من لوحة، وحين أنتهى العمل وتم نقل اللوحات إلى المعرض، ذهب مودلياني إلى دائرة التسجيل التابعة لبلدية باريس ليحرر عقد زاجه من جيني، كان متأكد من فوزه بالجائزة، أي أن بمقدوره أن يكوّن أسرة.
كانت الساعة التاسعة مساءاً هي الوقت المحدد لإفتتاح المعرض ليتم بعدها إعلان اسم الفائز، وقبل ذلك الموعد بقليل شرع مودلياني الدخول إلى إحدى الحانات، حاول الطفل الرمز أن يمنعه لكن مودلياني كان مصراً. في داخل الحانة أخذ مودلياني مكاناً قرب البار وراح يحتسي القدح تلو الآخر، ثم القنينة تلو الأخرى بعد أن أخبر النادل بأنه يمتلك خمسة
في المستشفى يلفظ مودلياني أنفاسه الأخيرة بين يدي زوجته وأم إبنته، وبين أصدقائه ومحبيه من الفنانيين الذي يقومون بصب الجبس على وجهه كي يحصلوا على نسخة جبسية منه لتبقى إلى الأبد، عندها تحمل جيني نفسها في خطوات متهالكة فتتجه إلى المقهى حيث بيكاسو في زاويته المعروفة وحيث لا أحد هناك غيره، نظرت إليه وقالت " هل تعرف كيف حالي الآن؟ بابلو عليَّ أن أخبرك بما أشعر، أشعر بأنني لا شيء، لا أحد، على الرغم من أن هناك أنسان في أحشائي، قلب آخر ينبض بالحياة، إلا أني أشعر باني فارغة، تمتماً كالكأس الذي أمامك! بابلو، ستعيش طويلاً كرجل غني مرفّه، ولكني أقسم لك، حين تحين ساعتك ويدركك الموت وتتسجى في نعشك سيكون اسم مودلياني مرسوم على شفتيك، وأقسم لك أيضاً بأنك سوف لن ترسم أفضل مما رسمت هذه الليلة ".
يُدفن مودلياني في مقبرة باريسية مغطاة بالثلج، كان الجميع حاضراً، والطفل الرمز جالساً على دكة إحدى المقابر خلف الشخوص الواقفة، يودع الجميع القبر ويكون بيكاسو آخر من يفارقه، وحين يهم بالمغادرة ينتبه إلى وجود الطفل خلفه، ينظر إليه ثم يمد له يده اليسرى، يستجيب الطفل ثم يغادرا سويةً، ليبقى بيكاسو وكما تقول الحقيقة يعيش منذ ذلك الوقت حتى وفاته عام 1973 بروح مودلياني وذلك الطفل الذي كان يسكنها.
اللقطة الأخيرة تعيدنا إلى اللقطة الأولى من الفلم حيث جيني المنهارة بثوبها الأزرق وهي تطرح سؤالها الأخير " هل فهمتم موقفي؟ حاولوا أن تعذروني " عندها ترجع بجذعها إلى الوراء لتلحق بها قديمها، حينها نعرف أنها كانت تجلس على حافة شباك غرفة في الطابق السادس من بناية سكنية. تلحق بها عدسة المخرج لنشاهدها جثة هامدة ملقاة على باحة مغطاة بالثلج.
" في إحدى المرات، رأيته يرقص كالطفل حول تمثال بلزاك، كانت يداه تحلقان كطائر، وكان وجهه جميلاً مشرقاً، كان مثلي في إحدى مراحل حياتي، لذلك سرقت تلك اللقطة وخزنتها في ذاكرتي لأعيش بها ومعها حتى أيامي الأخيرة هذه " هذا ما أظهرته اللقطة التي سبقت انتحار جيني، حيث مودلياني يرقص حول التمثال وفي يده قنينة النبيذ، وكان الصوت للفنان الإنطباعي الفرنسي بيير أوغست رينوار 1841-1919.