عالم الأدب

ادوارد سعيد رؤية سويدية

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

للكاتبة السويدية: ديلسا ديمبرغ ـ ستين

ترجمة: محسن عواد

عرض لكتاب: من المنفى/ مقالات أدبية 1976-2000
ترجمه للسويدية: هانس و. شوستروم *

كانت حياة ادوارد سعيد وأعماله تكتظ بنزاع الأفكار المتعددة. ويرد اسمه دائما مرتبطا بالتناقض ما بين (الغرب) و (الشرق). ولد ادوارد سعيد في القدس الغربية عام 1935 لأبوين مسيحيين ولهذا كانت الثقافة الانجلوسكسونية والثقافة العربية منذ البداية تحظى لديه بنفس الأهمية. كانت والدته تتحدث معه باللغتين العربية والانجليزية وقد درس في المدارس الانجليزية فقط. في عام 1948 اضطرت عائلته إلى الهجرة والعيش في المنفى بعد قيام دولة إسرائيل، وهذا ما سيلقي بظلاله على مجريات حياته.
إن المنفى الذي كان عائقا للتعلق ببعض جذوره والاستناد إليها، قد أصبح هذا المنفى ذاته مصدرا للإلهام، وبالدرجة الأولى في نقده للغرب، الذي بدا وكأنه هو الذي انتزع منه جذور ارتباطه بالوطن الأم.وعلى رغم من انه يُعد ضليعا بالعلوم الأدبية إلا انه عُرف بشكل متميز بنظرياته عن الاستعمار القديم postkolonialism(الظروف التاريخية للعلاقات المتوترة بين الدول الغربية، كمستعمر قديم، والعالم الثالث. المترجم).
في الكتاب المعنون من المنفى/ مقالات مختارة يتمكن القارئ من متابعة ادوارد سعيد في رحلة تمتد لخمس وعشرين سنة والتي يحتويها الكتاب ويتعرف أكثر إلى قناعة ادوارد سعيد الثابتة عن أن الغرب ما زال يحمل عقدة الذنب الأخلاقية من الدور الاستعماري القديم. ويركز الكتاب أيضا على حقول عمل سعيد وشغفه بالأدب والموسيقى والسياسة. وكذلك وجهات نظره التحليلية بكتاب عظام مثل كونراد، فوكوالت، اورويل، نيتشه وهمنغواي. بواسطة هذه المجموعة من المقالات والدراسات يظهر عمق انتقاده للدول الغربية ونظرتها للعالم العربي والإسلام. وبغض النظر عما تتناوله نصوص ادوارد سعيد إن كانت أدبية أم عن النزاع في الشرق الأوسط ، فأنها تحوي نفس القدر من الخطوط العميقة لوضوح رؤيته السياسية. إنها تعبر عن الغرب العدواني، المهيمن، مطلق النفوذ والامبريالي المتسلط والذي نتج عنه التفسير المقرر لمعنى (الشرق) ، الشرق الذي تعرض للاضطهاد والتغييب من قبل الغرب.
إن ضعف التعريفات التي وضعها ادوارد سعيد متأتية من اعتباره أن الشرق هو كينونة واحدة. في تحليلاته لا يوجد مكان للامبريالية العربية التي قتلت وطاردت الأقليات غير العربية والفئات غير الإسلامية . ولم يذكر سعيد كذلك عداء العرب للسامية ولا عنصريتهم أو عدوانيتهم . كانت رؤيته للعالم تتمحور حول: الغرب مقابل الشرق. وكان قد استبعد النقد الذي كتبه كريستوفر هيكنز بحجة انه كان بمنتهى السطحية.ورغم انه يشير دوما إلى أن العمل الثقافي يُنجز ليكون موضوعا للنقد، فقد كان من الصعب عليه الاعتراف بأن ما يخالف أقواله هو ذا قيمة. إن مثل هكذا تناقض يعطي صورة غير متعاطفة جدا لرجل مختال.
وفي إحدى مقالاته عن القاهرة والإسكندرية يغرق في تفاصيل النماذج الموجعة . فهو يضع "الإنسان القاهري: العربي، المسلم، الجاد، الاممي والمثقف "مقابل" الإنسان الاسكندراني، الهاوي، العالمي، المتقد، النزوي وغير الجدير بالثقة". ويؤكد أن الكثافة البشرية في القاهرة لم تكن على الإطلاق تهديدية كما هي الحال في نيويورك. فهو تعايّشَ ولمَسَ لطفا ولينا من سكان القاهرة، وهذا ما لم يلقه في أي مكان آخر في العالم بنفس النمط الرومانسي متعدد الجوانب. ولذا فأنا لم أجد أحدا يمتلك آفاقا مشابهة لما لسعيد!
أين تقع النساء في عالم ادوارد سعيد؟
إذا غضضنا النظر عن وصف الراقصة الشرقية المشهورة "تحية كاريوكا" والتي وصفها ادوارد سعيد بأمتع الطرق جنسية ، وهو ما جعلني أحمرّ خجلاََ، فقد اهتم بعدد زيجاتها وكيف كان متألما جدا بعد عدة عقود حين وجد أن تلك الراقصة الغاوية، المشتهاة والجميلة قد أصبحت بدينة وبذيئة.كان بروفيسور الأدب ادوارد سعيد قد ألهَمَ المثقفين اليساريين وقادهم إلى موضوع النزاع القائم بين الفلسطينيين والاسرائليين والذي طغى على اهتماماتهم. ادوارد سعيد، المطلع على كل العالم، المتحدث اللبق، الأنيق والذكي استطاع أن يحوز تقدير وسائل الإعلام التي حرص على إقامة علاقات جيدة ومكثفة معها . فهو صاحب برنامج العرب على القناة 4، والضيف المألوف في برنامج وبرنامج The late show/Star the week
مثل الكثير من المثقفين المنتقدين للغرب والذين لديهم جذور تمتد إلى الوطن العربي ولكنهم نشأوا متلقين دراستهم في البلدان الغربية، نسيَ ادوارد سعيد انه لولا المبادئ الديمقراطية السائدة في الغرب، والتي أعطته ليس الحق بامتلاك رأيه الخاص فقط ، وإنما الأدوات التي يصوغ بها وجهات نظره الهجومية والعدائية للغرب أحيانا.
إن مثل هذا الأمر يُعد من المستحيلات في البلدان العربية، حيث إن المثقف المنتقد لنظام الحكم يتعرض بشكل دائم للمضايقة والتعذيب وخطر الموت.
يبدو أن ادوارد سعيد يستطيع الخروج من المنفى ومملكته العقائدية ذات الأماكن المخيفة فقط عندما يكتب عن الموسيقى . فقد كان شخصيا عازف بيانو موهوبا وناقدا موسيقيا في .The Nation ذلك لأنه في الصور الموسيقية لا توجد كلمات تحتاج إلى تحليلاته وإبداء رأيه السياسي عنها. وقبل أن ينتصر عليه مرض السرطان الذي صارعه طويلا ولعدة سنوات ، استجمع ادوارد سعيد آخر طاقاته ليكتب مقالته عن بتهوفن "Ultimely Meditations" (تأملات غير محدودة) فقد تكون الموسيقي هي وحدها التي أعطته ذلك الإحساس بالاستقرار الذي افتقده.


* نُشرت هذه المقالة في الجريدة المسائية السويدية الواسعة الانتشار اكسبريس.
ـ لا بد من التنبيه إلى أني ترجمت هذه المقالة بهدف عرض وجهة نظر هذه الكتابة السويدية ، وقد توضح كيفية قراءة الغرب لادوارد سعيد ، ككاتب وكإنسان ، وهذا يعني أني لست بالضرورة متفقا مع كل ما ورد فيها. (المترجم).

muhsenawad@hotmail.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف