عالم الأدب

صدى الانين لالهام مانع

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

بيروت (رويترز) - كتاب المؤلفة الهام مانع "صدى الانين" الذي وصف بانه رواية.. جدير بان يوصف بطريقة اخرى قد تكون اكثر انصافا له. رواية الكاتبة التي اذا استند القارىء الى تكهناته فقد يتوصل الى استنتاج شبه اكيد هو انها خليجية.. لكنه لا يستطيع تحديد موطنها لان دار النشر لم تورد شيئا عنها.. هي في نهاية الامر "تروي" بشكل وباخر. انها تروي عذابات والاما وتصور مأساة هذه وتلك فهي دفاع عن المرأة المظلومة -وأعداد المظلومات كبيرة جدا- لكنها في نهاية الامر تبدو اقرب الى ان تكون مجموعة كتابات شعرية او خطب عاطفية حماسية مؤثرة موحية وجريئة في مقارباتها الصريحة لافات على رأسها استعباد المرأة. صدر الكتاب عن "دار الساقي" في بيروت وضم 191 صفحة متوسطة القطع.
البداية بليغة تشي بمعظم سمات عمل الهام مانع الذي اذا اعتبر نتاجا شعريا فلا بد من الاشارة الى قدر كبير من النجاح فيه. هذه البداية تروي عن حكاية الام اي ام بطلة الرواية. تتكلم الكاتبة هنا بلسان الام ثم تقيم حوارا بينها وبين "هي" وهي هنا تعنى البطلة او فلنقل الشخصية الاولى ففي تعبير البطل كثير مما لم يعد ينسجم مع شخصيات هي من نوع نقيض البطل اي ما يصح اجمالا وصفه بانه انسان مهمش مسحوق.
قصة هذه المرأة ككثيرات غيرها هي قصة "عبودية" مهما اعطيت من الاسماء الاخرى. انها عبودية معتّقة للرجل المتحكم. اللغة الشعرية التي كتبت بها النصوص تجعلنا نفهم ان المرأة عندما "تحدثت" عن تحكّم الزوج.. ادخلت الى منفى اخر غير منفاها الاساسي العادي اي بيتها الذي لا طريق للخروج منه الا الى مقبرتها كما كان يقال قديما.
نجد في عمل الكاتبة ان الفكرة تتحكم بالقول تحكما لا يبدو انه يحفل تماما باختلاف تقنيات العمل السردي عن تلك التي تعود الى الكتابة الشعرية او الخطبة الاجتماعية او السياسية. في ما سمي "المرحلة الاولي..مع المرض" تبدأ بالقول "يقولون انني مجنونة وان افعالي الخرفة تدل على هذياني وان مخالب المرض قد نهشت عقلي. افترسته ثم حولته رمادا. لذا هم يؤكدون ان المستشفى هو خير مأوى لامثالي." ولربما وجد القارىء ان الكاتبة تقول "كل شيء" تقريبا في الاسطر القليلة الاولى ليتحول الباقي الى انواع من التفاصيل والى ندب وبكاء وأنين ونقمة ودعوة الى تغيير.. وفي الوقت نفسه اظهار شيء من العجز امام الاحداث. تضيف الكاتبة "وانا لا اتفق معهم في الرأي. هم المجانين وليس انا. كل ما في الامر اني قلت لهم ان زوجي هو ملك الجن والانس وان الكون بأسره يدين له بالطاعة واني كذلك احمل لهم رسالة. كلمة حق وهدى."
ننتقل الى الطرف الاخر في الحوار الى "هي" اي الابنة التي تقول معلقة على ما قرأنا "مسكينة قضت المقادير ان تفقد عقلها..." وتضيف قائلة عن نفسها وعن الناس الاخرين "وكثيرا ما حدقت الى تلك العيون المشفقة غاضبة ولعلي كنت كارهة... كارهة لطبع مجتمع حكم على امرأة بالجنون وهو قاتلها. هي لم تخطىء كثيرا في اعتقادها. هم المجانين وليس هي."
تعود الأم لتروي حكايتها مختصرة اوضاعا وحالات اجتماعية مألوفة في عالمنا العربي وغيره. ويبدو ان الكاتبة التي تورد نتائج خالصة توصلت اليها "تفلسف "الامور لتصل الى اقوال عن المشكلات الاجتماعية والتربوية لا تحتاج بالضرورة الى هذه الطريقة.
تقول الأم "ابي احبني الى درجة العبادة وأمي ايضا... صحيح ان والديّ لم يدركا عهد تحديد النسل وان حياتهما لذلك كللت باثني عشر طفلا كل يستجدي لمسة حنان الا ان حبهما كان واسع المدى شمل القاصي والداني. وصحيح ان مشقة الحياة مسحت محياهما بقساوة تجهم غير ان حياتي لم تخل من بسمات متقطعة اثبتت لي بادراكهما انني كنت ولا ازال موجودة. لذا فقد كنت محظوظة. محظوظة لانني موجودة ومحظوظة لانهما حرصا قليلا او كثيرا على تذكر وجودي."
اما "هي" الابنة فتنتقل بعد هذا مباشرة الى كلام يجعل القارىء يتكهن تكهنا بالعلاقات المنطقية بين كلام الأم ورد الابنة عليه وبأن له علاقة بالاب او بالرجل عامة. ترد عليها فتقول "اماه. زمن المعبود قد انتهى. ولعل مصيبتنا هي اننا لم نكل من اللهث وراءه. نبحث عنه في كل ركن. وراء كل شجرة. كل جحر وحتى في العدم. ونبكي بحرقة لاننا لم نجده... ولا نيأس."
تضيف بما يجعل القارىء يحار.. أهي تحمل على من وصفتهم بانهم آلهة ام انها تدافع عنهم لضعفهم البشري.. فتقول "كم نصبنا على انفسنا آلهة... صلاح الدين.. جمال عبد الناصر.. صدام حسين وغيرهم كثر. كانوا بشرا كل في نفسه ضعف والضعف عندنا وصمة. ثم ان عشق الاله ظل صفة لازمة.. ختمت على عقولنا فأصبحنا لا نرى فيهم غير القوة والعظمة. اي غباوة!... ولا امل ما دمنا نحيا في زمن المعبود."
قد يتساءل القاري عن العلاقة "القصصية" التي لن يراها بوضوح في هذا الكلام وقد يبدو له الامر على صحة وعمق بعض ما فيه.. اقرب الى منصة يقوم اشخاص بالقاء خطب عليها.. خطب تتوالى ولا تتداخل.
ننتقل الى عالم مختلف.. عالم شعري في مغترب اوروبي شمالي. العنوان هو "شتاء" وفي هذا الشتاء وغيره يظهر كثير من دفء قدرة الهام مانع الشعرية.
تقول الابنة "الدنيا صقيع هنا يا اماه.. صقيع ينفذ الى العظام ولا مهرب. تمر علي ايام احلم فيها ببصيص من الشمس. احلم واحلم. لكنه زمهرير الشتاء." تسألها الأم "وزوجك؟" فترد بقولها "زوجي؟ زوجي هو السلام." فتقول الأم "اذن احمدي الله. شتاء الطبيعة ارحم من شتاء لا يرحم."
وحين تركز الكاتبة في مكان آخر على موضوع الشتاء نقرأ اجواء شعرية مؤثرة. تقول "لي مع الشتاء قصة. اكذب لو قلت انني لم اعرفه الا عند هجرتي الى الشمال. قابلته. حدقت الى خطوط وجهه اليابسة ولعلي صافحت يده المتجمدة وانا ابتسم لصقيع عينيه. لكن كرتين من برد ما فتئتا تتدحرجان على خدي."
وتتناول موضوعات المرأة خاصة في ساعات الضعف والمرض وهي التي سحقت حتى في حالات القوة والصحة. تتحدث عن شعور بالاغتراب يسيطر على كثيرين وكثيرات من منطقتنا العربية نتيجة الظلم والاقتلاع الثقافي فتقول في طروح فكرية معروفة منذ القدم ولا يبدو انها اوردتها في السياق السردي بما يبرر وجودها في اشكالها النظرية الخالصة "لعلي امرأة بلا هوية. لي ماض وحاضر ومستقبل أيضا. جذوري ممتدة بين افاق عدة... لانها كذلك لا اعرف بالتحديد من اكون. أرى الاشياء والافكار والقيم في صفاتها النسبية. ليس هناك حق واحد او فضيلة مؤكدة فكل المعالم مختلطة. كلنا واحد لكننا في تمايزنا نختلف. العالم بأسره وطن لي ووطني الواحد لا يعرفني... قدم هنا وقدم هناك نصف هوية ونصف طريق."

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف