شعر

لا بلاد أيّها المغفّل لا بلاد

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

حـصّتي من اليـأس

إلى صلاح حسن

أتيت من الحضيض
ورأيْت:
عصابة أشرار
لا منْبِتَ ولا أحرار
دم وسيوف ولحى وظلام!


تتجوّل لوحدك في شوارع العصر الوسيط. لا عمود كهرباء. لا أنوار. سقوط ولا نهْضة. دم وعباءات وسيوف. إنّهم يطفئون الأيّام ثانية في عيْنيْ طه حسين. كما لو أنّك دلفت إلى آلة الزمن. ترى، فيما يرى المستيقظ، كيف تتحول الأحلام والحرّية والحداثة والعلمانية إلى ركام أوهام. شكّ يتفسّخ. رؤوس تأْكلها الرطوبة من قلّة الاستعمال. يقين صدئ على الوجوه ولحى مشْعثة. تجيء من جهة الضوْء فتصعقك العتمة. ينفرد بك الموت والنهارات مطْفأة والليل. لو مرّ فولتير من هنا لجُنّ أو انتحرّ. لو مرّ أينشتاين لحوّلوه إلى أحمق يجري في الشوارع وسخروا منه حتى النهاية. لو عاد ابن حزم لوضعوا طوْق الجهالة في معصميه واقتادوه إلى مكان مجهول. حضارة فوق حبل. شعب في سطل قمامة. ملايين يسيرون في الضباب. نمشي عرضا مثل سرطانات سخيفة. نضع على ظهورنا ريشات نعامة كي لا نرى الظلام الذي يزحف. نفعل عكس ما نقصد. نقول عكس ما نريد. عكْسه تماما وأنت لا تفهم: هل تجاريهم أم تغْلق الأبواب والنوافذ وتكْتفي بنظْرة إكزوتيكية لما يجْري؟ أيّها الكاتب الذي يخبّئ مواقفه في جيبه. أيّها الناقد الذي لم ينْتقد في حياته شيئا. الإكزتيكية ليْست لك. لأنّك لسْت عابرا ولنْ يكون. أنْت مقيم إلى الأبد والمطر لا يسقط. يقْتلون الخطاطيف كي لا يأتي الربيع. حياتك مبلّلة عن آخرها بالتيْه والقطارات والنسْيان. تحاول ولا تصل. دائما. كبْت يكبر وتتّسع المسافة ولا من طبيب. من سينْتصر: جبْنك أم ليْلهم؟ بقدميّ عدْت إلى القرن التاسع عشر. ولم أجد رامبو ولا بودلير. قرن عتيق. غير جميل بالمرّة ولا يشبه قرنهم. لا أحد يتّهم. لا زولا ولا هيجو ولا بالزاك: القرن التاسع عشر أم العصر الوسيط؟ لن تغادر آلة الزمن. أشباهك هنا والقرود وفي كل منعطف أشرار جدد. كأنّك خرجت من خيال سيرفانتس. لو صفعت الشوارع باليأس الذي تكلّس في صدْرك لاهتزّت جبال الريف ثانية: ثوْرة أم تخْريب؟ لا فائدة. في آخر الليْل ليْل وفي نهاية العتمة لحْية. جسد وسخ وأعضاء ينخرها الوقت وهواء يدخل ويخرج وأحاسيس وقلب يرمي القذارات ويتلقّفها ثانية ويهتزّ. فيزياء وكيمياء وعناصر أساسية تحتك... سنلاحقها. صدقت يا ويلبيك. لا تعاسة ولا سعادة. لا أولى ولا آخرة. سخافة وسخافة فقط. فرح ونجاح وأبدية رديئة. وثمّة حبْل في آخر الممرّ. قرب جثة هيمينغواي وماياكوفسكي. ثمة سرطان ومتعهدو جنازات. ثمة زفزاف وشكري وخير الدين. ثمّة نزْل ومستشفيات. ورسائل يكتبها أرطو من روديز. ثمة وجوه تنتظرك. أنت الذي سكنَت الدودة تفاحتك. لقد سقطَت من شجرة الليل فواكه أخرى ولم تنتبه. سأمرّ في دروب العصر الوسيط. رفقة روسو. سنعترف وسيهدّدنا الفقهاء والبابوات. ليلنا طويل وفي آخر الممرّ ليل. عرب في آلة الزمن. برابرة يفجرّون الفيزياء قربانا للميتافيزيقا لكي يكونوا. في الرأس أبراج وحروب. في الرأس رمّانة مشطورة إلى نصفين. في الرأس دماغ. من باحاته تولد الحركة. يخرج الصوت. تتسرّب الأفكار. من الدماغ يأتي الضوء ونرى. من الدماغ يأتي الألم. في الدماغ عدوّ مجهول وجدودي الذين لا أعرفهم. سأبصق فوق مقابرهم لعلّ الأحفاد يتبوّلون على قبري. في الصيف تحدّثني الشمس ولا أحبّ الصيف. الصحراء ثانية. لو أنني أرجع. لا منبت ولا أحرار. البلاد مريضة وأنت لست طبيبا. البلاد سرقوها وأنت تجلس في العراء وتقول سوف تعود. لا بلاد. لا بلاد أيّها المغفّل لا بلاد.

*شاعر مغربي
jamalboudouma@yahoo.fr

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف