دِيـوتـيـما لفريدريش هولدرلين
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
(كتبها عام 1798)
ترجمة بهجت عباس
(عندما عمل فريدريش هولدرلين معلماً لأولاد المصرفي الثري كونتارد Gontard (1795-1798) في فرانكفورت، تعلق بزوجة كونتارد الجميلة جداً زوزيت ّـ ه ٍ Susette ، فظهرت في أشعاره وروايته هيـبريون – الجزء الثاني (1799) تحت الإسم اليوناني ديوتيما Diotima –الكاهنة التي علمت سقراط الحكمة- ومعرفة الزوج بهذه العلاقة أدت إلى خسارة هولدرلين وظيفته والإنفصال عن زوزيتّـه، مما سبب له ألماً شديداً قاده إلى الجنون، كما ذكر بعض المؤرخين. ولما توفيت
زوزيتّـه عام 1802 في نورتينغن Nürtingen ، ترك هولدرلين عمله التعليمي في بوردو (فرنسا) ذاهباً إلى نورتينغن مشياً على قدميه، وكان في مرحلة متقدمة من مرض الشيزوفرينيا. وكانت أشعاره التي نظمها بين 1802-1806 ثمرة عقل مشرف على الجنون الذي أصابه كلياً بعدئذ، حيث قضى السنوات الست والثلاثين الأخيرة من عمره في مستشفى الأمراض العقلية حتى وفاته عام 1843.)
هل تـُضيء كما كنتَ من قبلُ
أيـّهـا النـّهـارُ
الذهـبيّ !
وهل تـتفـتَّـحُ أزهـارُ أغـنيَـتي
مرّةً أخرى نحوك نابضةً بالحياة ؟
كيف تغـيَّـرَ كلّ ُ شيء !
ما كنتُ تجنَّـبْـتُـه حـزيناً،
يتنـاغمُ الآن في أوتـارٍ حبـيـبة
في أغنيـة طـربي،
ومع كلِّ دقَّـة ساعـةٍ
تـعـود بـي الذِّكرى بروعة إلى أيام
طفـولـتي الهـادئة،
بعد أن
وجدتُهـا، الوحيـدةَ.
ديـوتيـما ، أيّـتها المـخلـوقة النبـيلة!
أختـاهُ! القريبـة روحـانيّـاً !
قبل أنْ أعطـيَـكِ يـدي،
عرفـتـُـكِ مـن زمن بعيــدٍ.
قـديـمـاً ،
في أحلامي التي انبعـثتْ
في نهار صـاح ٍ،
عندما استـلقـيتُ،
كصبيّ مَـر ِح ٍ،
تحت أشجار حديقـتي،
وهناك في ابتـهـاج هادئ وجمال
بدأ ربيـعُ روحـي،
كهـمساتِ ريح الدَّبـور، تمتمتْ روحُـك ِ
إليَّ ، أيَّـتـُـها القدسيَّـة الإلهـيّـة.
آه! وثـمَّ، ومـثـلَ أسـطـورة،
إختـفـى كـلّ ُ إلـهٍ عنْ نـاظـري،
عندما وقـفتُ أمـامَ وَضَـح النـهار
السَّـمـاويِّ مـثـلَ أعـمـى،
عندمـا ناءَ الزَّمـانُ بحـمْـلـِه عـلـيَّ،
فأحـنـى عـودي،
وحيـاتي باردة وشاحـبة،
وكنتُ منحـدراً إلـى أسفلَ بشوق ٍ،
إلـى مَلـكـوتِ المـوتى الصّـامت:
لا أزالُ أتمـنى هذه النـعـمةَ لنفسي،
أنـا المُـتـجَـوِّلُ الأعمـى،
لأجـدَ صـورة قلـبي
عـنـد الظـِّـلال أو هـنـا.
الآنَ !
وجـدتـُك ِ!
أَجـمـلَ، ممّـا تصوَّرتُ من قبـلُ
من أمـلي في ساعـات الفـراغ،
أيّـتـُهـا المُـلـهــِمـة الفـاتـنـة !
أنتِ هـنـا:
من الفـراديـس هنـاك في العـُـلـى ،
حيث المسـرَّة ُ تـهـرب عاليـاً،
حيث الشيـخـوخـة لا تـرتـقـي إلـيهـا،
حيثُ يتـألــّقُ الجمـالُ الوضـّـاح الأبـدي،
هبطت ِ عليَّ
من عليائـك.
مبعـوثـة َ الآلـهـةِ! بَـقـِـيـتِ الآنَ
مِـعـطاءً رؤوفـاً إلى جـانب مُـغـنـّـيـكِ
دومـاً .
حَـرّ ُ صيـف ٍواعـتـدالُ ربيـع ٍ،
خصـومـة وسلام يتـبادلـونَ هـنـا
أمـامَ الصّـورة الربـّانـيـّة الصّـامتـة
بأعجـوبـة في قـلـبـي:
غـالـباً يجتـاحـني الغضب في غمـرة الإذعان،
خجـِلا ً،
مـدحـورا ً، جـاهـدا ً أنْ
أ ُمـسـِكَ بـهـا،
تلك التي حلـّقـتْ فوق تخـيـّـلاتي الجّـريئة،
غيـرَ مسرور بالظـَّـفـر،
بكـيـتُ في كبـريـائـي،
لأنـّهـا بَـدتْ لعـقـلـي
رائـعـة جـدّا ً، قـويّـة ً جـدّا ً.
أه! إلـى جمـالـك ِ الهـادىء ،
لَطـافـة
مُـحـيـّـاك ِالبـشـوش:
يـا قلبُ! إلـيـك تـرانـيـمَ السَّـماء
إنَّ قلـبـي ليس مُـعــتـاداً علـيـهـا،
ولكـنَّ ألحـانك ِتـَجـلي عقـلـي شـيـئا ً فشـيـئا ً،
فتـهـرب الأحـلامُ المُـزعـجـة،
وأنـا ذاتـي أكـون شخـصـا ً آخـرَ.
ألـهـذا أ
ُخــتـِـرتُ أنـا ؟
وهـلْ وُلـِـدتُ إلـى النـور والمـرح،
مثـلـمـا وُلـِـدتِ أنـتِ، إلى سَكـيـنـتـكِ السّـامية،
أيـّتـُهـا المحـظـوظـة
ربـّـانـيّـا ً؟
مـثـلُ أبـيـكِ وأبـي،*
الذي في جلالـه الوضـّـاء
فـوق جـُـنـَـيـنـة البلــّوطـ،
يذهب هـنـاك عـالـيـا ًفي بهـاء،
مثـلمـا هـو في أمـواج البحـر،
حيث الأعمـاقُ البـاردة تـَزرَقّ ُ،
صـاعـداً إلى قـوس السَّـمـاء،
يُحـدِّق إلى أسفـلَ بسـَكـيـنـة وصـفاء:
لذا هل أريد من أعـالي السَّمـوات ،
مُـقَـدَّسـا ًمن جديد في حظ ّ جميـل،
سعيدا ً، لأغـنـّي وأرى،
عـودة ً الآنَ إلى الـزائـلــيــن.
* إله الشمس والسماء