قص

ليتها لم تكن غرفتي!

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

عشت كل كتابات الزمن في دفاتر أيامي... لم يكن للفرح عندي حظا كبيرا... حتى ابتسامتي كانت خجلى من أوقاتي!!!... ليحكيني الزمن في عبراته، ولأكون أنا أسمُ يقذف في الألسن ليعطي مجالا لقناعة النفس... ها أنا... أحمل في صدري الرحيل البعيد وأعيش لأكتب لوجوه أخوتي حياة لم أعشها وابتسامة لا أعرف طعمها في شفاهي... وسأنثر أحرفي تحت أشعة الشمس لتجفف رطوبتها من دموع الليل!!!...


قال لي أبي:-
- احرصي يا بنيتي على أخوتك... سنؤدي فريضة الحج ونعود على الفور...
غمرته بنظرات الحب وقلت له:-
- لا تقلق يا أبي... حجُ مبرور وسعيُ مشكور مقدما إنشاء الله...
أحنى قامته وقبل جبيني ورفع حقيبته وخرج، رميت جسدي في حضن أمي لنتبادل الدموع قبلتني كثيرا وحملت حقيبتها وخرجت خلف أبي الذي كان ينتظرها في سيارته عند باب الدار، لم أغلق الباب خلف خروج أمي، تحرك أبي بمركبته ليبتعد عن باب الدار وعند منعطف الشارع اختفت يد أمي المودعة لنا، مرت دقائق ويدي ترفض إغلاق الباب لتأتي صرخات أخوتي الصغار لتغلق الباب على فراغ سفرهما!!!....

ورحل اليوم الأول من غيابهما، كنت معهم أعيش تلك الأجواء الروحانية من خلال شاشة التلفاز، أبحلق بوجوه الحجيج بحثاً عن وجه أبي وجسد أمي!!!...، ولم يفارقاني في خيالي ولا أظن أنني أنا وأخوتي فارقناهما، انتظرت انفراج الباب بعد مضي أسبوعا حسب ما قاله لي أبي ولم ينفرج الباب، أخذني شيء من القلق الذي دفنته بداخلي خوفا من أن يقرأه أخوتي في ملامحي أو تصرفاتي، وتكاثرت النهارات والليالي ولم أحضن رؤيتهما في عيني، حتى صوتهما لم يصل في مسمعي، لم أطق بطول غيابهما نفسي، كنت أرقب رنين الهاتف وعيني لا تنفك من مسح الشارع الصغير من نافذة الصالة العلوية...
قال أبي:-
- لا أريد أن أبخل عليكم بشيء، لا أريد أن تشعروا أن هناك من هو أفضل منكم ولكن...
-نظر إلى وجه أمي التي كانت كلها انتباه لكلماته وأكمل:-
-- كل ما أتمناه أن نسكن في دار لنا بدلا من هذا الدار المستأجر، صحيح أن هذا الدار لأخي الذي أنعم الله عليه ولكني أخاف بعد موتي أن يرحل الكل منكم...
- أطال الله في عمرك... لا تجعل هذا الهاجس يقتحم تفكيرك وإنشاء الله سيكون لك ما تريد
تعوذ من الشيطان الرجيم وقم لفراشك الأن وسيحلها الذي لا تغفى له طرفة عين...
نظر إلى وجه أمي بابتسامة لم تكن غريبة عني، وبعد أن تعوذ من الشيطان وقبل أن يتجه إلى غرفته أخذني بابتسامته ورشقني بقبلة على جبيني بعدما مسد براحته شعر رأسي...
كان هذا العيد مختلفا عن كل الأعياد الماضية، لم تحمل إفاقة صباح العيد صوت أبي لإفاقتنا من النوم وانشغال أمي بتحضير لوازم نحر الأضاحي، لقد كان كل شيء صامتا، رحل يوم العيد فوق وجوه أخواني ببطء شديد ونفور أجده في تصرفات أخوتي وكلماتهم، تناءت الساعات نحو الانقضاء وأوشك المساء أن يودع أول صباحات العيد بصمت، حاولت أن أبهج أخواني بكل ما أستطيع وأن أخفي ذلك الفراغ الكبير الذي أعيشه بعد سفر أبي وأمي للحج... عشت المساء بين أشرطة الفيديو لأفلام الكرتون مع أخوتي محاولة مني لإضفاء شيء من النسيان لعقولهم وتسليتهم ليرحل العيد وتبتهج دارنا برجوع أبي وأمي!!!...
وعشتُ النهار أقطفٌ من شجرة الفرج شيء من ثمارها لأخوتي في دار خالتي...
ويعلم الله كيف طوت أيام عيد الأضحى شموسها عن دارنا، ليأتي صباح جديد يحتل نظرات عيني التي لم تذق طعم النوم، ولم تصب نظراتي وجهيهما!!!...
طرقات على الباب تهادت إلى مسمعي، أزحت الغطاء من قدمي واتجهت إلى الباب بعدما ألقيت نظرة على أخوتي المستغرقين بالنوم، في طريقي للباب تبادر لي وجه أبي ووجه أمي، كنت أريد أن أصرخ باسميهما ولكن عجلة خطواتي أوقفتني بصمت لساني على الباب، فتحت الباب لأجد جسد عمي يكاد أن يسد رؤيتي للخارج، نظرت إليه ببلاهة، حضنني بقوة، شيء ما في احتضان عمي ينبت في داخلي، لم أقوى على فعل شيء تركت احتضان عمي يتوسد جسدي، أبعد جسده قليلا عن جسدي الساكن وأمسك بيدي ودخل إلى الدار، كنت أسير خلف ضغط يده على يدي، كل شيء فيني صامت سألني:-
- أين هم أخوتك ؟!!!
لم أجب عليه، كرر السؤال مرة أخرى وأجبته:-
- في غرفتهم في الطابق العلوي..
- ماذا يفعلون ؟!!
كلمات عمي ثقيلة جدا في نبراتها وفي مسمعي
قلت له:-
- ماذا هناك ؟!!!
نظر إلي، وسقطت نظراتي على دمعة تكاد أن تمزق نفسها بين جفونه... لم ادع له فرصة ليجيب على تساؤلي لأردفه بسؤال أخر:-
- ماذا حصل لأبي وأمي ؟!!!...
جلس على المقعد وجذبني لأجلس بجانبه...
دفعته عن جسدي رغما عني وصرخت بدموعي له
- ماذا حصل لأبي وأمي ؟!!!
تلعثم قليلا، شعرت بأن أحرفه لا تستطيع أن تغادر لسانه... مزقت الدمعة نفسها من بين جفونه لتسقط على خده وقال قاطبا حاجبيه الاثنين وكأنه يريد أن يوقف تراسل دمعاته من تمزيق نفسها
- نادي على أخوتك الأن... سنذهب إلى داري...
- ماذا هناك... بالله عليك يا عمي أن تقول لي...
- سأقول لك كل شيء ولكن نادي على أخوتك الأن...
بدون شعور قلت له:-
- لا لن أنادي حتى أعرف كل شيء...
أمسك بيدي الاثنتين وقال بصوت مبحوح:-
- هو قضاء الله يا ابنتي... وأنت أكبر إخوانك ويجب أن تكوني عونا لهم في مصابنا هذا
لقد تعرض والديك لحادث وهما في طريق عودتهما وتوفاهما الله...
صرخت بملء صوتي، وأدرت جسدي يمينا وشمالا وأنا ممسكة برأسي لأسقط على الأرض ليتحول إطلالة هذا الصباح إلى ظلام....

في غرفة تتسع مساحتها لأجساد أخواني وجسدي سكنت دار عمي أربعة أشهر، تعلقت تجاعيد الزمن بوجهي، وبكى من حزني كل انبثاق بداخلي للنسيان، تركت دارنا التي تحمل رائحة أمي وأبي، عصرت الهم في ملامحي وعشت أزرع في وجوه أخواني ابتسامة اطمئنان، وفي رحيل النهار أداري جسدي بعيدا عن نظرات أبناء عمي لأجلس بين أخوتي الصغار الذين يتطلعون لوجهي حينما فقدوا وجها أبي وأمي، أفرد أمامهم واجباتهم المدرسية وأعيش هماً وحزناً فوق حركاتهم التي حملوها من دارنا الذي تركناه.

أبي لم يترك لنا شيء، ولم يكن يملك في حياته شيء، كان يعمل بمهنة مبهمة لا نعرفها ولم يفصح عنها في ممتلكات عمي المشهورة وكنا نحتضن وجهه كل غطة مساء لنغسل في ابتسامتنا وصرخاتنا كل تعبه في دار تعودنا أن نركض في مساحته الضيقة وكان أبي يدفع لعمي كل سنة ثمن حركاتنا ونومنا!!!...

استلمت بيدي شهادات أخواني وشهادتي الثانوية وطردت بها فرحا لوجه عمي الذي أدرك جيدا انقباض وجهه لهذه الورقة ولكن ركض قدماي لن تصيب في نهاية ركضها سوى وجه عمي، شعرت بشهادتي بأنني أستطيع أن أواجه الأيام الأن... التحقت بوظيفة صغيرة في مدرسة ليست قريبة، أمسكتُ بها خوفاً من ضياع وجه أخوتي... صرت بها كما صار قماش فستاني على جسدي، أستقبل انتصاف الشمس في السماء لترحل معي إلى دار عمي، أحمل بحقيبتي الصغيرة شيء من الحلوى لأخواني، كان عمي يلاحقني بنظراته، وتعتلي الدهشة عينه حينما يقضم أخواني قطع الحلوى الرخيصة الثمن، ودائماً يقسم عمي نظراته بين وجهي ووجوه أخوتي ووجوه أبنائه، يفتش في ملامحنا عما فقده في ملامح أبنائه، ودائما يطيب الحقد في قلبه حينما نوشك أن نصعد سلالم الحياة وأبنائه يتخبطون في أسف السلالم!!!...
أخذ عمي كفايته من الأيام بعدما توسعت نظراته إلى كل شيء، وفي صباح يوم خميس حفره عمي بذاكرتي قال لي:-
- بنيتي... لا تحوي الأمور في عقلك ولا يصيب صغير الأشياء قلبك، وأنا أتمنى أن تفرشي داري في خطواتك وأن تستمر حركات أخوتك في الدار ولكن ضوضاء لهو أخواتك أزعج أبنائي، لم يستطيعوا أن يعدوا لواجباتهم المدرسية – فرك يديه فيما بينهما وأكمل – لقد ضيقوا بالفعل تنفس أبنائي!!!...
كنت أتطلع لوجه عمي الذي أتوقع منه كل شيء عدا ما هو في صالحنا ولأول مرة أرى انفراج وجه عمي في حديثه لي.
والآن لقد كبرتي وأصبح لزاما عليك أن تبتعدي عن ممرات داري حتى لا تصيب نفسك إحراجاً في دخولك الدار وخروجك لوجود أبنائي بالدار... لذا ومنعا للإحراج أريد أن تستقلي دارا مع إخوانك فأنا لا أمكث في الدار كثيرا ولا أرغب غطاء وجهك أن يحكمُ تصرفاتك، أنا أبحث عن مصلحتك وراحتك – كذب عمي بصدق – صمت لبرهة ثم ابتسم وكأنه وجد شيء قد تاه منه وأكمل:-
- أنا لا أريد أن تنبت المشاكل في داري سواء في حضوري أو غيابي لكن يا بنيتي – رفع يده ومسد بها شعر لحيته الأنيقة المصبوغة دائما بالسواد حتى لا يقرأ الزمن سيرته في ملامحه – أنا لا أملك ثمنا لدار جديد – شعر أن كلماته تحتاج إلى تصحيح وأستطرد:
كل أموالي في السوق أجاهد بها لتوفير لقمة لعائلتي، نظر إلي ليدرك وقع الكلمات في نفسي
خرجت من مجلسه دون أن أترك له فرصة أن يسحب دمعتي من عيني ورأسي يلامس صدري، شعرت بألم في معدتي وضعتُ كفي على بطني وأكملت خطوات خروجي من مجلسه... وكأني أخذت الخسارة أيام الربح!!!...
تناثرت أيام شبابي على ظروف صعبة أعيشها لوحدي وأصبحت يوم عن يوم أشيخ وأذبل
جلست على مكتبي في لحظة تفكير سحبتني من واقعي وأطفأت بداخلي كل مساءات الليالي الماضية لتقول لي زميلتي في العمل:-
- ما بك ؟!!! تبدين ساهية وقد سيطر عليك الهم...
نظرت إليها بعينين شبة مغمضة وزفرت نفسا طويلا وقلت:-
- لا شيء... لا شيء...
سحبت مقعداً لتحاذي مقعدي وأمسكت بيدي وقالت:-
- افتحي قلبك لي... أعطيني فرصة لأساعدك...
لم أنظر إليها وإنما علقت نظري على النافذة المفتوحة لتتعمق نظري في سماء الله، تحدثت لها وكأني أحادث نفسي كمسيرتي في الليالي الماضية:-
- كلهم لا يريدون وجهي ووجه أخوتي... لم يطرأ في بالهم أنهم أيتام ومن خلفهم تنفتح أبواب الجنة، تراكضوا في الحياة لتتساقط من حيث لا يعلمون كل أواصر القرابة... - كورت كفي وفركت بها عيني ليبتل كفي – عمي نسى أنه يوما من الأيام قد دفن بيده جسد والدي، توقعت أنه حينما يقرأ رحيل أبي في وجوه الأيتام أن يعيد كل حساباته الماضية وأن يتفهم أنه فقد أخاه!!!
بكى فوق دموعنا حينما أتى من المقبرة، عاش في داخلنا حنينا توقعت منه إفاقة لماضي كان فيه لاهيا، رسمته بعيني من ملامح أبي، لتسير بنا الأيام وتتلاشى من ذاكرته ملامح أبي شيء فشيء ليعود كما كان وقد تكون عودته تلك أعنف من الماضي وأعتقد في ذلك أنه مسح تأنيب الضمير لأخيه حينما فارق الحياة ونسى عمي أن لأخيه قلبا وشعورا وإحساسا في نفوس أبنائه...
وهربت من داره – سكتُ للحظة أدركت بها حقيقتي لألتفت إلى زميلتي مصححة مقولتي:-
بل طردني من داره بحجج هو يدرك وهمها، ورحلت لدار خالتي التي كانت تحمل سجية أمي وعطفها وأبى الزمن بقسوته إلا أن يمارس نفوذه علينا ليخرج زوجها بنظرات وابتسامات غريبة لم أطقها بوجهي... والآن يا صديقتي أفكر جديا بأن أخذ أخوتي وأسكن معهم بعيدا عن ظلم عمي ونظرات زوج خالتي...
- يا الله... كل ذلك في قلبك وتبتسمين كل صباح بوجوهنا... الله يعينك يا صديقتي...
تنهدتُ بألم وقلت:-
- سلمتِ من كل مكروه... وما الحياة يا صديقتي سوى كومة من الصبر والانتظار...
عادني الألم في معدتي مرة أخرى، أنكمش من شدته وجهي، تنبهت زميلتي لملامحي، أنتابها الخوف... ألحت علي كثيراً للذهاب إلى المستشفى، أشرت لها بيدي وكأني أدفع عني شيء ما وقلت لها:-
- لا تهتمي... مجرد ألم عابر... وسيرحل...
إصرارها يزيد من توجعي، أرخيت سحنة وجهي لأدفع لها إصرارها... اطمأنت قليلا ولم تتركني إلا بعدما أخذت مني وعداً لزيارة المستشفى...
لم يكن تعب الشهر يكفي لإيجار مسكنا يضمني مع أخوتي، ولم أستطع أن أوفر كامل المبلغ فبعض الأحيان أرسل أحد أخوتي قبل حلول المساء لمحل الحلويات القريب من دار خالتي ليبتاع شيء من الحلويات لأعطي نفسي أمام نفسي بأني ليست ثقيلة على صدر دار خالتي رغم عدم شعوري بذلك ولكن لشيء ما في نفسي، نجلس كحلقة حول ما أبتاعه أخي مع خالتي ونتناوله ونتحدث بجر الحكايات التي لا تخلو من الضحكات على ألسنتنا....
مضت أيام كثيرة حسبتها في لياليها التي لم تنقضي، كنت أعد ما وفرته من مال لأجده بعيدا جدا عن إمكانية إيجار سكن يخصنا لوحدنا لا ألبس به الطرحة على وجهي ولا أخاف من نظرات قد تأتي من خلفي أو بسمات قد تصدمني من أمامي... تمنيت أن يقفز بي العمر شهورا لأجد أن راتبي قد أودعني سكنا مع أخوتي بعيداً عن حاجة الناس!!!...
وذات يوم لاقتني زميلتي في ممر المدرسة، أمسكت بيدي وقادتني نحو مكتبها المحاذي لمكتبي وقالت لي سأكلمك بموضوع قد يكون حساس لديك بعض الشيء ولكنه سيريحك من عذاب أنتِ تعيشينه...
وكأن الحديث لا يخصني قلت لها:-
- لا عليك... ماذا ببالك ؟!!!...
ترددت بعض الشيء... نظراتي لها أعطاها شجاعة كانت تفتقدها هذا الصباح الذي أتى إليها وبيده كلماتها...
- لقد تحدثتُ مع أبي في موضوعكِ... أهتم أبي كثيراً به، وسعى لأجله، بحث عن الوجوه البيضاء التي لم تتردد للحظة واحدة في مساعدتكِ..
قاطعتها بتعجب:-
- مساعدتي... كيف ؟!!!...
- أهل الخير سيساعدونكِ وسيستأجرون لك شقة قريبة من المدرسة تضمكِ أنتِ وأخواتك..
لا أعلم هل أفرح بذلك... أم أتحسب من وجه عمي لله!!!...
لم أجبها... فكان سكوتي قد انتشلتني من دار خالتي إلى شقة صغيرة رسمت فرحة في وجه أخوتي أفتقدها كثيراً!!!...
ألم معدتي سكن معنا الشقة الصغيرة، أهرب من نظرات أخوتي حينما يمسك بجسدي بقوة، أسهر معه الليل وأتجرع من المسكنات ما أوهم نفسي به برحيل الألم الذي لم يفارقني وأصبح ملازماً لي
لم يأتيني هذا المساء هذا الألم بهيئته الماضي... لقد تلحف من أوجاعي الكثير والكثير...
في الصباح... أودعت في حقائب أخوتي أرغفة العيش المحشوة بالجبن والعسل... لم تكن مدرستهم بعيدة عن الشقة فأخذوا طريقها بخطواتهم، وأخذتُ أنا خطواتي إلى مدرستي...
حينما دخلتُ المدرسة لا أعرف لماذا تبادر لي وجه عمي!!!...
هاجس غريب يقتاد من عقلي... إحساس بالألم يتلوى في معدتي... يزداد ويزداد وأنا أوزع خلف تحيات الصباح لزميلاتي بسماتي... وقبل أن أدخل إلى مكتبي أختفي باب مكتبي وجدران مكتبي ووجوه زميلاتي لأسقط أرضاً ولا أشعر بعدها بشيء!!!...
دموع زميلتي خلقت بداخلي خوفاً... حولي أجهزة كثيرة... أمسكت بيد زميلتي بقوة لتنفجر هي باكية، بين دموعها المتساقطة على لحافي الأبيض كنت أسألها بهلع عن أخوتي... نحيب دموعها أصمت لسانها... كررت سؤالي كثيراً عن أخوتي... وأخيراً وبعدما يئست من إجابتها سألتها عن حالتي!!!...
تركتني وخرجت بعدما وضعت يدها على فمها... حاولت أن أقوم من مكاني... وجوه أخوتي أشعر بها تقترب مني كثيراً... لم أستطع أن أحرك جسدي فصرخت بأسماء أخوتي جميعاً...
إلحاحي المستمر لرؤية أخوتي أوجدهم في تلك الغرفة المتشحة بالبياض ليغسلوا كل نظراتي بدموعهم، ابتسمت لهم من خلف دموعي، يد خالتي المبلولة بدموعها أفاقتني على رؤيتها...
لم أفطن لوجودها، قبلتني من جبيني، ورميتُ وجهي في صدرها ولأول مرة أشم رائحة أمي!!!...
فقدت كثيراً من الألم في معدتي، وتجرعتُ الكثير والكثير من الحبوب والحقن... لم يقل لي أحداً لماذا أنا هنا... كلهم يقولون عارض صحي بسيط وسيزول ؟!!!...
لم يكن موجوداً في غرفتي حينما أوشك المساء أن يسرق بقايا النور سوى الفراغ، وكلما حاولت الهروب بإغماضه عيني وجدت بكاء أخوتي ينتظرني عند حافة الحلم، أبكي في حلمي معهم كما أبكي في إفاقتي بعدة عنهم، لم أقرب النوم من عيني... يكفيني بكاء الإفاقة... بصعوبة بالغة حملت جسدي وحيرتي وخرجت من غرفتي بعدما غادرتني كل الأجهزة، خطواتي أشعر بها بطيئة في الممر الطويل، اقتربت من غرفة استراحة المرضى، كانت تحمل مقاعدها ثلاثة من النساء، أردفت عليهن السلام فاستقبلت ردهن وجلستُ من تعب خطواتي على أقرب مقعد، لم أتبين ملامحهن جيداً ولكن حروفهن لم تكن تفارق سمعي، قالت إحداهن لمن معها...
- المرض لا يعرف صغيراً من كبيراً..
- صادقة أنتِ يا أختي... صمتت قليلا ثم أردفت – على فكرة دعونا نزور تلك الفتاة الشابة التي أتت من قريب...
نظرت إليهن... حركاتهن تهم بمغادرة الغرفة... ألتفت
إلي إحداهن وقالت:-
- سلا مات يا بنتي...
رددت عليها بحياء تلعثمت بها أحرفي...
- الله يسلمك..
- من ماذا تشتكين يا بنيتي...
وضعت يدي على جوفي وقلت:-
- ألم بسيط في المعدة...
- ألف لا بأس عليك... قومي معنا يا بنيتي نزور مريضة هنا...
أجسادهن الملتحفة السواد تسبقني ببضع خطوات، شديت من أعصابي في محاولة للاقتراب منهن
اقتربت من إحداهن... صوتها يلامس مسمعي:-
- مسكينة تلك الفتاة الشابة... في أول زهور ربيعها وتعاني من السرطان...
ذكر الله من أفواههن لا يفارق مسمعي ويجاري ذكر الله في قلبي... أقشعر جلدي، شعرت بصداع يسيطر على كل خلايا رأسي... فجأة وقفن عند باب غرفتي!!!...
طرقت إحداهن باب غرفتي، أمسكتُ بالقريبة مني وقلت له بشيء من الخوف والهلع...
- أهذه هي غرفتها ؟!!!...
- نعم يا بنيتي... الله يشفيها والمسلمين...
لحظتها لم أتمالك نفسي... سقطت على ركبتي... صراخ عنيف بداخلي أثناء سقوطي يجلجل جسدي... هذه أنا!!!... لا... لا... لا... صرخت بملء صوتي... أوسدتُ رأسي بين ركبتي
رحماك يا لله رحماك... صورة أبي وأمي وجدتها أمامي... صور أوجه أخوتي تتناثر أمام عيني...
إنثالت علي الأسئلة المبهمة.... من يفيق أخوتي صباحاً للمدرسة ؟... من يطعمهم ؟... من يهتم بهم ؟ من يحشو لهم أرغفة العيش بالجبن والعسل ؟ من لهم من بعدي يا لله ؟!!!...
ظلام كثيف يغشا نظراتي... صرختُ ببكائي " ليتها لم تكن غرفتي!!!... "

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف